في موازاة المعارك على الأرض، يحتدم الصراع السياسي في السودان منذ إعلان الائتلاف الذي تقوده قوات الدعم السريع، الشهر الماضي، تشكيل حكومة موازية برئاسة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.
سبق هذه الخطوة توقيع أطراف هذا الائتلاف على “دستور جديد” ينص على اللامركزية السياسية والإدارية والمالية، وفصل الهويات الثقافية والعرقية والجهوية عن الدولة.
ويضع هذا “النص الدستوريّ” إصبعا على الجرح، إذ يبدو الصراع المسلح وحالة الانقسام التي تشهدها البلاد، منذ 2023، نتاج خلل مزمن في العلاقة بين المركز والأطراف في السودان، على مستوى صناعة القرار وتوزيع الثروات، والتنمية وتوفير الخدمات.
بعد سقوط البشير، وقف دقلو ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في صفّ واحد في مواجهة القوى المدنية، لكنهما افترقا في 2023، بسبب خلافات حول الخطة الدولية لإعادة الحكم للمدنيين والصلاحيات والنفوذ ودمج قوات الدعم السريع في الجيش.
“الحرب الآن بين البرهان وحميدتي، جعلت الأخير يرفع شعار الحرب ضد الدولة المركزية، التي كان لعهد قريب يدافع عنها دفاع المستميت،” يقول د. علي دينار، أستاذ الدراسات الأفريقية بجامعة بنسلفانيا وحفيد آخر سلاطين دارفور.
ويدور الصراع العسكري والسياسي بين الجيش والقوى السياسية المؤيّدة له من جهة، و”قوى الأطراف” المساندة لقوات الدعم السريع، التي يقودها حميدتي المنتمي إلى القبائل العربية.
وتطرح هذه القوات نفسها كمدافع عن سكان الأطراف، وتستقطب مكوّنات اجتماعية وقبائل عدة غالبيتها عربية، مثل قبيلة الزريقات التي ينتمي إليها حميدتي والمسيرية والحوازمة والبني هلبة والترجم والهبانية والفلاتة، كما تستقطب مقاتلين من قبائل ذات أصول حامية أفريقية مثل المساليت، علما أن هذه الثقل البشري لهذه القبائل موجود في “ولايات الأطراف”.
وعلى الضفة الأخرى، يحظى الجيش بدعم شعبي وقبلي متفرّق يشمل مختلف الولايات.
وقد أدى الصراع في السودان إلى مقتل أكثر من 12 ألف مدني بحسب وزارة الصحة، و20 ألفا بحسب الأمم المتحدة، فيما تشدد تقارير صحفية وجهات أخرى، مثل كلية لندن للصحة العامة أن العدد هو أضعاف ذلك.
كما أدى الصراع إلى تشريد ملايين إلى خارج السودان، وحوّل نحو 10 ملايين مواطن إلى نازحين في الداخل.
“التهميش”.. جذور عميقة في التاريخ
لم تولد أزمة العلاقة بين المركز والأطراف من فراغ. أسباب كثيرة قديمة ومستجدّة قادت السودان إليها.
في الأصل، لم يكن مصطلح “المركز والهامش” سياسيّاً؛ فقد ظهر بدايةً كمفهوم ثقافيّ في سبعينيات القرن الماضي، ثم تحوّل في الثمانينيات إلى شعار سياسيّ مع التمرّد الذي قاده جون قرنق وتأسيس الحركة الشعبية والجيش الشعبي السوداني، واستخدامه مبرراً أساسيّاً لمطلب الانفصال عن الدولة المركزية، واتهام الحكومات المتعاقبة بأنها تتعمّد تهميش بعض الأقاليم.
يقول اللواء ركن متقاعد أسامة عبد السلام، المدير السابق لمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية التابع للجيش في حديث مع “الحرة” إن “مصطلح المركز والهامش أُدخل إلى السياسة السودانية عن قصد لشرعنة أيّ انتفاضة ضد الحكم أو التمرّد على سلطان الدولة بأيّ شكل من الأشكال، وإيجاد شمّاعة يعلق عليها هذا التمرد، ويحاول أن يلبس ثياب الشرعية”.
ويضيف اللواء عبد السلام: “إن السودان كلّه مهمش، فالتهميش ليس سياسة متعمّدة بقدر ما هو نتيجة ضعف موارد الدولة التي لا تكفي لتحقيق تنمية متوازنة”.
الجغرافيا والهوية.. بعدان متداخلان
تبدو مشكلة الهوية في السودان جزءا من مشهد أوسع يشمل عددا كبيرا من الدول الإفريقية. في هذا المقام، يمكن تسمية دول مثل تشاد والكونغو وأوغندا، كما يذكر اللواء عبد السلام معتبرا “أن مفهوم الهامش لا ينحصر في مداه السوداني على الأطراف، بل يمكن أن يوجد في قلب الخرطوم نفسها، والتي تضم مناطق حيوية وأخرى أقل تطورا”.
لقد فرض المركز في السودان هويّة عربية، بينما تبنّت كثير من أقاليم الهامش هويّة أفريقية. هذا الانقسام استغلّته الأنظمة المتعاقبة لتعزيز سلطتها، مما غذّى النزاعات.
يعتبر د. علي دينار “أن حميدتي كان حليفا للحكومة، وفي النهاية أصبح ضد الحكومة المركزية في الخرطوم، فهو تحوّل من شخص قامع للهامش لأن هناك ثورات كانت في الهامش، والحكومة استخدمته كمخلب قط لدحر أعدائها”.
مسؤولية “المركز” عن الأزمة
على مستوى المسؤوليات، يؤخذ على الحكومات المركزية السودانية أنها ركّزت على تنمية مناطق وأقاليم دون أخرى. منذ استقلال البلاد؛ حظيت الخرطوم وولايات الوسط بحصة أكبر من التنمية، بينما لم تحظ أقاليم أخرى مثل دارفور وجبال النوية إلا بما تيسّر منها، ما تسبب بمشاكل كبرى، لعبت دوراً في انفصال الجنوب عام 2011.
لكن أسباب المشكلة تتجاوز هذا التوصيف. في الحقيقة، قامت الدولة السودانية الحديثة على هيمنة النخبة في الخرطوم على السلطة والثروة، بينما عانت أقاليم مثل دارفور والشرق وكردفان من تهميش اقتصاديّ وسياسيّ، وهو ما انعكس على أوضاعها وثقلها ودورها في صنع قرار الدولة المركزية.
وخلال العقود الماضية، بادر الجيش السوداني إلى تسليح بعض القبائل مثل المراحيل لمواجهة التمرّد، باعتبار أن الحكومة غير قادرة على حماية القرى والمزارع البعيدة بنفسها. هذه المجموعات المسلّحة تحولت لاحقاً إلى قوة موازية استخدمتها الدولة لفرض الأمن، ما جعل وجودها محل جدل.
ومع استمرار هذا النهج، برزت حركات التمرّد المسلح التي لم تقتصر مطالبها على التنمية والاقتصاد، بل توسعت لتشمل الاعتراف بالحقوق السياسية، وإعادة توزيع عادل للموارد.
أفضل تعبير على الأرض عن هذا الوقع هو تشكيل قوات الدعم السريع والاشتباكات التي تخوضها مع الجيش. ويعلّق اللواء عبد السلام على دور حميدتي قائلاً: “حميدتي مجرّد ظاهرة سياسية وعسكرية جاءت وذهبت. عندما تمت الاستعانة به لم يكن يمثل هامشاً ولا مركزاً، بل قوة مقاتلة تمت شرعنتها وإدماجها للاستفادة من التناقضات القبليّة في قمع حركات دارفور”.
التهميش.. هل ثمة مسؤولية لـ”الأطراف”؟
لم تكن الحكومة المركزية وحدها المسوؤلة. الأحزاب والحركات والسلطات المحليّة لعبت دوراً في تفاقم الأمور.
لم تقتصر مطالب هذه القوى والأطراف على الشقّ الاقتصادي، بل شملت أيضًا السعي للاعتراف بالحقوق السياسية، وإعادة توزيع عادل للموارد وميزانية الدولة.
ويحمّل اللواء عبدالسلام القوى السياسية مسؤولية تأجيج الفجوة بين المركز والهامش، ويرى أن: “أحزابنا السياسية لا تمارس السياسة النظيفة، بل تمارس السياسة الخبيثة، تمارس السياسة لأجل الوصول لمقاعد السلطة ولو من خلال التمرد، ولذلك عملت من أجل شرعنة هذه القضية وجعلتها سياسية، واتخاذها وسيلة من وسائل الوصول للحكم”.
وهناك عشرات الحركات المسلّحة التي قامت لأجل قضايا الهامش في السودان، لكن عملها غالباً ما أفضى إلى “لا شيء” على صعيد حلّ المعضلة، وتبدو حركة دارفور مثالاً واضحاً على ذلك.
إلى جانب ذلك، يشير د. علي دينار إلى أن “الحكومات الوطنية التي حكمت السودان منذ الاستقلال اتسمت بسياسات غير عادلة، وبالتحديد إبّان حكم الإسلاميين عام 1989. هذه السياسات الجائرة زادت من وتيرة الحرب، ولم تقتصر على الجنوب، بل امتدّت غرباً إلى دارفور”.
إلى أين يتجه السودان؟
يغرق السودان اليوم في مشاكله. وأكبرها هو الصراع المسلّح بين الجيش وقوات الدعم السريع.
ومع سعي كلّ طرف إلى توسيع رقعة سيطرته على الأرض، وتشكيل هيئات سياسية وسلطات محليّة، تزيد خشية السودانيين من أن يطول أمد الصراع وينتهي بتقسيم مكلف آخر للبلاد.
وإذا ما كان حلّ الصراع الحالي يتطلّب مزيدا من الجهود الدبلوماسية، فإن الوصول إلى حل، والأهم ضمان ديمومته، يستدعي إعادة صياغة الهوية الوطنية وحلّ مشكلة المركز والهامش، وإعادة رسم صورة العلاقة بينهما، ومن ثم ترجمة ذلك على الأرض من خلال إعادة توزيع السلطات والصلاحيات بينهما.



