في سبتمبر 2023، وُلد مشروع ضخم قيل إنه قد يغيّر وجه التجارة العالمية: الممر بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
وقّع قادة مجموعة العشرين في نيودلهي الاتفاق المبدئي آنذاك، وأغرقوا المشروع بالمديح. وصفه الرئيس الأميركي السابق جو بايدن بأنه “تاريخي”، فيما أشار إليه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بالقول “نزرع بذورا تجعل أحلام الأجيال المقبلة أكبر”.
لكن بعد أقل من شهر، وقع هجوم السابع من أكتوبر، وشنت إسرائيل، في المقابل، حربا على غزة، وأُعيد ترتيب الأولويات.
ومع حلول الذكرى السنوية الخامسة لاتفاقات أبراهام بين إسرائيل ودول عربية يبدو التباين واضحا بين ما قبل 7 أكتوبر وما قبله. مشاريع وُلدت بوعود كبرى، من ربط القارات إلى ربط دول المنطقة ومن ضمنها إسرائيل، تواجه اليوم اختبار واقع تحدده المسيرات والصواريخ.
سرعان ما عطّل هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر عجلات التطبيع، وأغلق الطريق أمام انضمام مزيد من الدول إلى اتفاقات أبراهام، وكان من أبرز العوامل التي عرقلت ممر الهند عبر الشرق الأوسط إلى أوروبا، وفق بعض المراقبين.
“الاحتمالات شبه المؤكدة هي أن افتعال عدوان السابع من أكتوبر كان منسّقا له مع إيران لإفشال هذا المشروع، وقد نجحوا في ذلك، لكننا نأمل أن يكون عند القيادات العربية الحكمة التي نثق بها، ويستأنفون العمل عليه،” يقول عضو مركز حزب الليكود الإسرائيلي مندي الصفدي لـ”الحرة”.
الجدوى الاقتصادية
على الورق، يعتبر المشروع ممرا حيويّا مهما يربط جنوب آسيا بالقارة الأوروبية عبر مسار متكامل يمتدّ من الهند إلى الخليج العربي بحرا، ومن السعودية إلى الأردن وإسرائيل عبر شبكة سكك حديدية، وصولا إلى ميناء حيفا، ومنه بحرا إلى الموانئ الأوروبية مثل مرسيليا وبيرايوس وترييستي.
ويشمل المشروع نقل البضائع والطاقة، ويقلّص زمن الشحن بين الهند وأوروبا بما يصل إلى 40% مقارنة بالمسار التقليدي عبر قناة السويس. ويشمل خططا لإنشاء أنابيب للهيدروجين الأخضر لتلبية الطلب الأوروبي على الطاقة المتجددة، إضافة إلى شبكات كهرباء وكابلات بيانات لتعزيز الربط الرقمي بين الدول المعنية وبين القارات.
ومن المفترض أن ينافس هذا المشروع “مبادرة الحزام والطريق” الصينية، التي طرحتها الصين قبل أكثر من عقد من الزمن، وما تزال تصطدم بمخاوف الدول المشاركة فيها من أن تكون ممرّاً لهيمنة بكين عليها، لكنه “لا يشكّل بديلا عنها، كونها تشمل 150 دولة، وقد تم تنفيذ مشاريع بقيمة تريليون دولار بالفعل،” كما يقول آفاق حسين، زميل أوّل غير مقيم في المجلس الأطلسي، مدير مكتب أبحاث الصناعة والأسس الاقتصادية.
ومن المعلوم أن حجم التبادل التجاري بين الهند والاتحاد الأوروبي يتجاوز 120 مليار دولار سنويّاً، وتصل التجارة بين الهند ودول الخليج إلى نحو 161 مليار دولار، ما يجعل المشروع ذا أهمية اقتصادية كبيرة لدعمه حركة التجارة وتوسيع مسارات الإمداد العالمية.
تحتاج الهند إلى مسارات تجارية أسرع وأكثر أمانا، وترغب أوروبا في تقليل اعتمادها على قناة السويس التي يمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية وحوالي 30% من شحنات الحاويات، وبينهما تبقى دول الممر، ولاسيما منطقة الخليج العربيّ، محوريّة في أيّ ترتيبات تجارية.
ويرى الاقتصادي السعودي عبد العزيز المقبل أن “دول الخليج تتمتع بموقع جغرافيّ استراتيجي مهم، وأنها في حال استطاعت تأسيس بنى تحتية لوجستية، تسهل مرور البضائع والسلع إلى شتى الجهات الاستهلاكية في العالم،” ما يؤهلها لتكون جزءا مهما من المشروع وبالتالي نيل حصة معقولة من فوائده.

تحديات كبيرة
رغم الزخم الذي حظي به عند الإعلان عنه، لا يزال العمل على تذليل الصعوبات التي قد تعترض الممر بين الهند وأوروبا متواضعا.
بحسب الباحث آفاق حسين، يفتقر المشروع إلى خطة واضحة وتمويل وبنية تحتية.
ويقدّم حسين مثالا لتوضيح حجم التحدي: “تنقل السفينة الواحدة ما بين 10 و15 ألف حاوية من الهند إلى دبي. إذا كان المطلوب تفريغها كلها ثم إعادة شحنها بالقطار، فهذا يعني الحاجة إلى مئة قطار لسفينة واحدة فقط. تخيّل حجم البنية التحتية المطلوبة لذلك”.
وفضلا عن الحاجة إلى استكمال بناء آلاف الكيلومترات من السكك الحديدية، فإن تنفيذ المشروع يتطلّب تأهيل عدد من الموانئ بما فيها الأكثر أهمية، مثل ميناء حيفا، الذي لا تزيد سعته حاليّاً عن 1.5 مليون حاوية TUS، كما يطلق عليها تقنيّاً. زد على ذلك أن الأمر يتطلّب توسعة عدد من الطريق السريعة والجسور، واستكمال الربط العابر للحدود عبر الأنابيب والكابلات التي تصل بين “دول الممر”.
التهديدات الأمنية
تشكّل المخاطر عقبة مهمة أمام تنفيذ مشروع الممر الذي يجتاز العديد من دول الشرق الأوسط.
في البحر الأحمر، تستمر هجمات الحوثيين على سفن تجارية، رغم انحسارها أخيرا، ما ينعكس على حركة الملاحة والتجارة العالمية.
لكن مندي الصفدي يرى أن التطورات السياسية مقترنة بهجمات الحوثيين على طرق الملاحة، تجعل من الممر اليوم أكثر أهمية مما كان عليه في السابق، ويضيف: “إن تواجد الحوثي كعامل مهدد للملاحة البحرية يحث على المباشرة بمبادرة الخط البري الخليجي إلى إسرائيل، رغم ذلك أقول، إنه من الضروري أن تتعاون الدول المتضررة لردع هذا التهديد، وإزالته نهائيّاً من المشهد”.
وقد أظهرت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر دور “الصدمات الأمنية” في تعطيل طرق الملاحة، وفق ما يرى محمد زريق، زميل ما بعد الدكتوراه في جامعة صن يات سين.
“كما يمكن أن يتسبب اندلاع جديد للعنف أو تجدد النزاع عبر الحدود في تعطيل النقاط البرية، والتأمين، واهتمام المستثمرين على طول IMEC نفسه،” يضيف.
ويظهر هذا الأمر الحاجة إلى التنبؤ التنظيمي بالمخاطر، والاستعداد لأيّ طارئ، وطمأنة الشركات وتوفير التأمين المالي لها.
المشروع رهن “التطبيع”
في سبتمبر عام 2020، تمت إقامة مراسم توقيع اتفاقات أبراهام لتطبيع العلاقات بين إسرائيل من جهة والإمارات والبحرين من جهة أخرى في واشنطن. بعدها انضم المغرب والسودان إليهما.
وبما يتجاوز ما ورد في اتفاقات السلام بين إسرائيل وكلّ من الأردن ومصر، فإن اتفاقات أبراهام توسّعت أكثر في الحديث عن تعزيز التعاون الاقتصادي والتبادل الثقافي بين الدول الموقّعة.
كانت واشنطن تأمل في انضمام دول عربية أخرى، أبرزها السعودية إلى هذه الاتفاقات، إلا أن الرياح سارت في الاتجاه المعاكس.”السعوديون يريدون فوائد أمنية وسياسيّة مجرّبة، وتعطّل الممر (عدم التنفيذ) يقلل من عنصر المردود الاقتصادي، الذي قد يساعد على القبول الشعبي للتطبيع”، يقول مندي الصفدي.
ويضيف أن “تعثّر المشروع يقلّص هذا الحافز الاقتصادي الملموس، الذي كان يُعرض كمكافأة عملية للتقارب الدبلوماسي، وفشل التنفيذ قد يمنح المنتقدين داخل الدول العربية حججاً جديدة بأن التطبيع لم يجلب منافع حقيقية بعد”.
وبالطبع جاءت هجمات السابع من أكتوبر لتجمّد مسار “التطبيع العربي” مع إسرائيل بالكامل، مضيفة عقبة جديدة أمام المشروع.
ويرى الباحث محمد زريق أن التحدي الدبلوماسي الأبرز يتمثّل في العلاقة بين إسرائيل وبعض حلفائها العرب. فقد أوضحت واشنطن والرياض أن أيّ تطبيع مع السعودية يجب أن يقترن على الأقل بتهدئة في غزة وخطوات جدية على المسار الفلسطيني، فيما بقيت علاقات الأردن مع إسرائيل متوترة منذ أواخر 2023.
مستقبل المشروع
في 2 أكتوبر 2023، قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي: “إن الممر سيصبح أساس التجارة العالمية لمئات السنين”، فيما وصف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في فبراير عام 2025 الممر بأنه “أحد أعظم طرق التجارة في التاريخ”.
ورغم أنه لم يتم إنجاز الكثير في المشروع بين هذين التاريخيْن، ثمة دول معنية تحرّكت في هذا الاتجاه، ومن المقرر أن تُباشر الإمارات والهند قريبا العمل على الجزء الخاص بهما بقيمة تقارب الـ 20 مليار دولار. ويركز هذا الجزء على إنشاء منصة رقمية لتبادل المعلومات بين الموانئ بهدف تعزيز كفاءة التجارة وربطها بشكل أكثر مرونة.
وتقدّم هذه الخطوة مثالا واحدا على تأخّر في تنفيذ المشروع، أكثر من موته. كما أن الواقع والتطورات العالمية يمكن أن يصبّا في صالحة، وإن بعد حين، إذا يلفت عبد العزيز المقبل إلى أن “أهم معايير نجاح الممرات اللوجستية هو حجم التجارة المتوقع مرورها عبر هذه الممرات. ومع التوقعات بأن يشكّل النمو الاقتصادي للصين والهند نصف النمو الاقتصادي العالمي، فإن هذه الممرات ستكون ذات أهمية كبيرة للدول المستضيفة لها،” كما يقول عبد العزيز المقبل.
رغم أن الممر طُرح بوصفه مشروعا استراتيجيا قد يغيّر قواعد التجارة العالمية، يبقى مساره محاطا بالتعقيدات: من ألغام السياسة وتقلبات أمنية، إلى فجوات البنية التحتية وتمويل لم يتأمن بعد. وبين وعود الهند وأحلام أوروبا وحسابات الخليج، يبقى السؤال قائما: هل سيولد الممر فعلا من رحم الأزمات، أم يظل حبرا على ورق حتى إشعار آخر؟
سكينة المشيخص
كاتبة و باحثة و مقدمة برامج سعودية



