في قلب المشهد الأمني والسياسي الإسرائيلي يبرز اسم جونين بن يتسحاك بطلّ حكاية تجسد التناقضات التي يعيشها المجتمع الإسرائيلي.
أشرف المحامي، الضابط السابق في جهاز الأمن العام، الشاباك، على أحد أخطر الملفات الأمنية حين تولى متابعة مصعب حسن يوسف، نجل القيادي البارز في حركة حماس، الشيخ حسن يوسف. لكن يتسحاك سرعان ما تحول إلى معارض شرس لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو.
وأسس حركة “كرايم مينستر” التي حشدت منذ 2018 تظاهرات واسعة ضد الفساد الحكومي، ولا تزال تشارك في الاحتجاجات على إدارة الحرب في غزة.
يقول بن يتسحاك في حوار مع “الحرة” إن اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين كان اللحظة المفصلية التي زرعت فيه شعورا عميقا بالمسؤولية، ودفعته أولا إلى العمل المخابراتي دفاعا عن بلده، قبل أن يقوده المسار لاحقا إلى المواجهة العلنية مع السلطة.
من البحرية إلى أزقة رام الله
وُلد جونين بن يتسحاك في مدينة نيس زيونا داخل أسرة عسكرية؛ والده كان ضابطا في الجيش الإسرائيلي، وخدم، هو نفسه، في سلاح البحرية. بعد إنهاء الخدمة، اتجه لدراسة علم النفس في جامعة بئر السبع، وانخرط في حركة الكشافة.
مسار يبدو عاديا في ظاهره، لكن خلف تلك التفاصيل اليومية كانت تتشكل بذور التحول. فاغتيال رئيس الوزراء إسحاق رابين عام 1995 شكّل، كما يصفه بن يتسحاك، صدمة شخصية وهزة وطنية عميقة، دفعت شابا يافعا للبحث عن وسيلة للتأثير في مستقبل بلاده. لم يكن يعرف كيف أو أين، لكنه وجد ضالته في جهاز الأمن العام، الشاباك. وكان قراره الالتحاق بالجهاز “مدفوعا بالكامل بذلك الحدث الصادم،” وفق تعبيره.
في عام 1998 بدأ بن يتسحاك خدمته ضابطا في منطقة رام الله. يقول في حديثه إلى “الحرة” “لم أكن أعرف كلمة واحدة بالعربية عندما دخلت الجهاز”. اعتراف يحمل أكثر من معنى. من جهة، يعكس الفجوة بينه وبين البيئة التي كُلّف بالتغلغل فيها، ومن جهة أخرى تبرز رهانات الشاباك على القدرة على التكيف والتعلم أكثر من الاعتماد على الخبرات المسبقة. تلك القدرة بالتحديد، كما سيظهر لاحقا، هي التي مكنت بن يتسحاك من بناء واحدة من أكثر العلاقات حساسية في تاريخ الجهاز مع “الأمير الأخضر”.
الأمير الأخضر
عمل مصعب حسن يوسف لصالح الشاباك الإسرائيلي من 1997 إلى2007، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة وأعلن اعتناقه المسيحية، وأصدر في 2010 سيرته الذاتية “ابن حماس” التي تحولت في العام 2014 إلى فيلم وثائقي بعنوان “الأمير الأخضر”.
شكّلت علاقة جونين بن يتسحاك بمصعب، حجر الزاوية في مسيرته الاستخباراتية، بل وفي رؤيته للعالم. التقى به في رام الله حيث كان يؤدي خدمته في الشاباك.
بدأت القصة عام 1997 حين اعتُقل مصعب بتهمة التخطيط لعملية عسكرية، فُطرح عليه خيار التعاون مع الجهاز. ما لم يكن بن يتسحاك يعرفه آنذاك أن مصعب كان يخطط في البداية لقتل الضابط الذي سيجلس أمامه.
يصف بن يتسحاك انطباعه الأول عن مصعب بأنه كان “أكثر شخصية حمساوية إرهابية” صادفها في حياته. لكن سرعان ما تغيّر هذا الانطباع جذريا. “اكتشفت شابا ذكيا، واسع الأفق، كأنه وُلد ليكون جيمس بوند”، يقول بن يتسحاك.
يقر بن يتسحاك بأن مصعب لم يكن مجرد عميل يمد الشاباك بالمعلومات. “هو الذي علّمنا عن حماس، كيف تعمل وكيف تجند الناس،” يقول الضابط الإسرائيلي السابق، موضحا أن الشاباك في تلك الفترة لم يكن يملك فهما دقيقا لطبيعة الحركة.
تجاوزت العلاقة بين الرجلين حدود المعلومة الاستخباراتية لتتحول مع السنوات إلى صلة شخصية عميقة. “لقد أصبح أخي، جزءا من عائلتي”، يروي بن يتسحاك، مشيرا إلى أنه ما زال على تواصل دائم مع مصعب حتى اليوم: “نتحدث كل يومين أو ثلاثة”. بالنسبة إليه، لم يعد “الأمير الأخضر” مجرد عميل سابق، بل شريكا في رحلة غيرت مسار حياته بأكمله.
من أمن الدولة إلى نقدها
بعد خروجه من جهاز الشاباك، لم ينسحب جونين بن يتسحاك إلى الظل كما فعل كثير من زملائه، بل اتجه إلى الشارع السياسي ليصبح أحد مؤسسي حركة “كرايم مينستر” (Crime Minister) التي قادت احتجاجات واسعة ضد بنيامين نتانياهو. هذا الانتقال من دهاليز الأمن إلى ساحات المظاهرات لم يكن وليد لحظة عابرة، إنما نتج عن قناعة ترسخت لديه بأن الفساد يهدد إسرائيل من الداخل أكثر مما تهددها الأخطار الأمنية.
يستعيد بن يتسحاك في حديثه إلى “الحرة” تجربة قديمة حين أخبره أحد عملائه الفلسطينيين بأن السلطة لم تعد “مشروعا وطنيا”، بل “مشروعا اقتصاديا لزعمائها”. اليوم، يرى أن العبارة تنطبق بحذافيرها على الحكومة الإسرائيلية، التي يصفها بأنها “مشروع فساد على الطرف الآخر”. بالنسبة له، الخطر لم يعد في أنفاق حماس أو صواريخ غزة، بل في قيادات إسرائيلية تحيط بها ملفات قضائية واتهامات بالفساد.
ويشير صراحة إلى وزراء بارزين في الحكومة الحالية مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، مؤكدا أن كثيرين من الطبقة السياسية الحاكمة لديهم ملفات مفتوحة أمام الشرطة أو القضاء. هكذا، بات بن يتسحاك يرى أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على حدود إسرائيل، بل في صميم مؤسساتها.
يوجه جونين بن يتسحاك نقدا لاذعا للحرب الجارية على قطاع غزة، معتبرا أن قرار بنيامين نتانياهو إدخال القوات البرية لم يكن هدفه إعادة المختطفين، بل “قد يؤدي عمليا إلى مقتلهم جميعا”.
ويذهب أبعد من ذلك، إذ يرى أن الهدف الحقيقي هو “تفريغ غزة من سكانها وتهجير الفلسطينيين”، وهو ما يصفه بأنه “جريمة يحظرها القانون الدولي”. بالنسبة له، ما يجري اليوم في القطاع ليس مجرد عملية عسكرية، بل “جرائم” تنفذها مؤسسة عسكرية لم تعد تشبه الجيش الذي عرفه في سنوات خدمته.
ويعزو بن يتسحاك هذا التحول في سلوك الجيش الإسرائيلي إلى انقلاب أيديولوجي أصاب المؤسسات الأمنية في إسرائيل. فخلال السنوات الماضية، كما يقول، ازداد نفوذ المتدينين والمستوطنين داخل الجيش والمخابرات حتى صاروا يحتلون المناصب العليا. “الناس الذين يشبهونني تركوا الأجهزة واتجهوا إلى التكنولوجيا، والفراغ ملأه المستوطنون والمتدينون”، يوضح.
هذا التحول، في نظره، ليس مجرد تغيير ديموغرافي في البنية المؤسسية، بل هو “انقلاب أيديولوجي عميق” يهدد الأسس التي قامت عليها الدولة الإسرائيلية نفسها.
“قطر غيت”..
يبدي جونين بن يتسحاك مخاوف عميقة إزاء تعيين الضابط العسكري دافيد زيني رئيسا لجهاز الشاباك.
يقول إن خبرة زيني لا تؤهله لقيادة جهاز استخباراتي مدني معقد، بل تجعل صاحبه أكثر عرضة ليكون أداة سياسية في يد السلطة. “زيني لا يفهم شيئا في المخابرات”، يقول بن يتسحاك، معتبرا أن التعيين جاء لأن نتانياهو “بحاجة إلى شخص يطيع أوامره ويكسر التحقيق” في قضية “قطر غيت”، المتعلقة بالتحقيقات حول تلقي مقربين من نتانياهو أموالا من قطر.
وفق تحليل بن يتسحاك، فإن هذا القرار يخدم مصالح نتانياهو على أكثر من مستوى: فهو يمنحه سيطرة مباشرة على أحد أهم الأجهزة الأمنية في إسرائيل، كما يرضي شركاءه في اليمين المتطرف، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، عبر فرض شخصية موالية على رأس الشاباك. بذلك، يتحول الجهاز من مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة إلى ذراع سياسية إضافية بيد رئيس الوزراء.
بعد هذه التحولات التي شهدها عن قرب، من ضابط في الشاباك إلى ناشط سياسي معارض، لا يخفي بن يتسحاك تشاؤمه حيال مستقبل إسرائيل.
“الخطر الأكبر على مستقبل إسرائيل ليس حماس ولا إيران، بل بنيامين نتانياهو”، يقولها بنبرة رجل خبر دهاليز المؤسسة الأمنية من الداخل، ثم انقلب عليها محذّرا من المسار الذي تسلكه.


