مع توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، الثلاثاء، لاختيار الحكومة المقبلة، تتابع الصين الانتخابات عن كثب، بعد سنوات من الخلافات مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن الحرب في غزة والعمليات العسكرية ضد إيران.
ويخوض نتنياهو وزعيم المعارضة غادي آيزنكوت منافسة انتخابية هي الأولى على المستوى الوطني في إسرائيل منذ هجمات السابع من أكتوبر 2023، التي قادتها حركة حماس، والحروب التي أعقبتها في غزة ولبنان وإيران. وقد تحدد نتيجة الانتخابات ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية ستواصل عملياتها العسكرية مفتوحة الأمد، التي تعتبرها بكين تهديداً للاستقرار الإقليمي، وهو الاستقرار الذي تقول إنها تسعى إلى الحفاظ عليه.
وقد تؤثر نتائج الانتخابات أيضاً على توجهات إسرائيل حيال الأمن الإقليمي، وفي موقفها من علاقاتها الاقتصادية مع الصين، التي بدت واعدة في وقت سابق، وذلك في مرحلة جعلت فيها واشنطن، الحليف العسكري الرئيسي لإسرائيل، التكنولوجيا محوراً أساسياً في تنافس القوى الكبرى مع بكين.
بكين تصعّد انتقاداتها لنتنياهو
لم تتردد الصين في التعبير عن معارضتها للقرارات العسكرية التي اتخذها نتنياهو. فمنذ هجمات السابع من أكتوبر، التي أسفرت عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي، معظمهم من المدنيين، وما أعقبها من حرب في غزة، سعت بكين إلى تقديم نفسها بوصفها طرفاً يدعو إلى الاستقرار، وطالبت بوقف القتال وتغليب المسار الدبلوماسي.
وفي اليوم التالي للهجمات، دعت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إلى ضبط النفس ووقف الأعمال العدائية، من دون إدانة حماس صراحة. وأكدت الوزارة أيضاً أن “المخرج الأساسي” من الصراع يكمن في حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وواصلت بكين مساعيها لتقديم نفسها بوصفها “وسيطاً دولياً” طوال الحرب على غزة، فدعت مراراً إلى وقف إطلاق النار، بالتوازي مع انتقادها العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، بعد أيام من هجوم حماس المدرجة على قوائم الإرهاب الأميركية، إن “أفعال إسرائيل تجاوزت حدود الدفاع عن النفس”، وفق ما نقلته صحيفة تايمز أوف إسرائيل. وأضاف: “ينبغي لإسرائيل أن تصغي بجدية إلى دعوات المجتمع الدولي والأمين العام للأمم المتحدة، وأن توقف العقاب الجماعي لسكان غزة”.
وأثارت هذه المواقف استياء حكومة نتنياهو. ففي سبتمبر 2025، اتهم رئيس الوزراء الصين بالمساعدة في تنظيم حملة إعلامية تستهدف إسرائيل.
وقال نتنياهو، وفق ما نقلته صحيفة يديعوت أحرونوت: “هناك مساعٍ لفرض حصار على إسرائيل. وتتولى إدارة هذه المساعي القوى نفسها التي تدعم إيران وجهودها لفرض حصار عسكري علينا وخنقنا”.
وازداد الخلاف حدة بعدما شنت إسرائيل والولايات المتحدة عملية عسكرية مشتركة ضد طهران في 28 فبراير. وفي اليوم نفسه، أصدرت بكين بياناً عارضت فيه العمل العسكري.
وقال وزير الخارجية الصيني: “ينبغي احترام سيادة إيران وأمنها وسلامة أراضيها”. وأضاف: “تدعو الصين إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية، وعدم تصعيد التوتر، واستئناف الحوار والمفاوضات، وبذل الجهود للحفاظ على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط”.
كذلك، اتسمت تغطية وسائل الإعلام الرسمية الصينية بالانتقاد لنتنياهو. ففي يوم الاثنين، نشرت وكالة أنباء شينخوا عنواناً تساءلت فيه عما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي يضخّم التهديد الإيراني عشية الانتخابات المقررة في اليوم التالي، مشيرة إلى اتهامات منافسيه له بالمبالغة في تصوير هذا التهديد لتحقيق مكاسب سياسية. ولم تصدر الحكومة الصينية أي تعليق على المرشحين.
وقال تشين تيان، نائب مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في المعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة (CICIR) ، لإذاعة الصين الدولية، وفق ما أوردته وسائل إعلام صينية، إن نتنياهو يواجه تحدياً كبيراً، وقد يلجأ إلى خطوات “متطرفة ومحفوفة بالمخاطر” لتعزيز فرصه الانتخابية عبر استعراض القوة، بما في ذلك افتعال صراعات مع الفلسطينيين أو لبنان أو اليمن أو إيران.
وتشير تقارير إعلامية على نطاق واسع إلى أن المعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة مرتبط بوزارة أمن الدولة الصينية.
من شراكة واعدة إلى خلاف متصاعد
قال عساف أوريون، الباحث البارز في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والعميد السابق في الجيش الإسرائيلي، لـ”الحرة”: “أعتقد أننا نمر بإحدى أسوأ مراحل العلاقات الصينية الإسرائيلية في تاريخها”.
ومنذ عام 2011، شهدت العلاقات بين إسرائيل والصين تنامياً في التفاؤل، بلغ ذروته في مارس 2017 بتوقيع اتفاقية الشراكة الشاملة المبتكرة. وجعل الطرفان التعاون التكنولوجي إحدى الركائز الأساسية لعلاقتهما.
وفي عام 2013، وصف نتنياهو الجمع بين الابتكار الإسرائيلي والقدرات الإنتاجية ورؤوس الأموال الصينية بأنه شراكة مثالية تحقق مكاسب للطرفين، وفق ما أوردته مجلة ذا دبلومات.
لكن أوريون قال إن العلاقات شهدت تحولاً حاداً عام 2017، عندما أصدرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى استراتيجيتها للأمن القومي، محوّلةً تركيز واشنطن من الحرب العالمية على الإرهاب إلى التنافس بين القوى الكبرى، مع جعل التكنولوجيا محوراً أساسياً لهذا التنافس.
وأضاف أوريون أن ضربة كبيرة أخرى للعلاقات جاءت عندما أعلنت بكين موقفها المنتقد بشدة للحرب على غزة.
ومنذ ذلك الحين، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً حاداً في نظرة الإسرائيليين إلى الصين. فوفقاً لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2015، كان 55 في المئة من الإسرائيليين ينظرون إلى الصين نظرة إيجابية، بحسب الاستطلاع.
وبحلول عام 2024، انخفضت هذه النسبة إلى 33 في المئة، وفق بيانات استطلاع استشهد بها تحليل صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، ونشره المعهد في دراسة.
كما أظهر استطلاع أجراه المعهد في مايو 2024 أن 35 في المئة من المشاركين قالوا إن نظرتهم إلى الصين أصبحت أكثر سلبية منذ السابع من أكتوبر.
أي نتيجة تخدم مصالح الصين؟
قال أوريون إن الاستقرار الإقليمي يمثل مصلحة أساسية لبكين، وهو ما يدفعها إلى تفضيل حكومة إسرائيلية تتجنب الانخراط في صراعات طويلة الأمد.
وأضاف: “من المؤكد أن آيزنكوت لا يؤيد خوض حروب بلا نهاية، وهو ما أصبح سمة مميزة لنتنياهو”.
وأوضح أوريون أن آيزنكوت قال إن مسألة حماس ستُحسم خلال 18 شهراً، إما من خلال اتفاق سياسي أو عبر عمليات عسكرية حاسمة. وقارن أوريون هذا الموقف بتكرار نتنياهو الحديث عن تحقيق “نصر كامل” من خلال العمليات العسكرية، التي يرى أنها تفتقر إلى نهاية واضحة أو إلى ترتيبات سياسية فعالة تضمن تسوية الصراع.
والأحد، قال نتنياهو إنه أصدر تعليمات إلى جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) والجيش بإسقاط الحكومة الإيرانية، وفق ما أوردته إيران إنترناشيونال.
واعتبر أوريون أن هذا الهدف لا يتجاوز “التفكير القائم على التمنيات”، محذراً من أن السعي إلى تحقيقه قد يؤدي إلى تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي الذي تحاول بكين تجنبه.
وقال: “أعتقد أن نتنياهو بات يكتسب بصورة متزايدة مكانة وسمعة باعتباره عاملاً مزعزعاً للاستقرار في المنطقة”.
ومع ذلك، أوضح أوريون أنه رغم أن بيئة إقليمية أكثر استقراراً قد تخدم المصالح الصينية، فلا توجد أدلة مباشرة على تدخل بكين في الانتخابات الإسرائيلية.
أما ماكس مايزليش، نائب مدير مركز القوة الاقتصادية والمالية في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، المسؤول السابق في مكتب العقوبات التابع لوزارة الخزانة الأميركية، فيرى تناقضاً في النهج الصيني.
وقال لـ”الحرة”: “تريد بكين الوصول إلى التكنولوجيا والأسواق الإسرائيلية، لكنها تساهم أيضاً في الحفاظ على قدرة إيران على تهديد إسرائيل، من خلال شراء الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية وتزويد النظام بتكنولوجيات تدعم قدراته العسكرية”.
وأضاف مايزليش أنه، بصرف النظر عن الفائز في انتخابات الثلاثاء، ينبغي لإسرائيل أن تخضع الاستثمارات الصينية في القطاعات الحساسة لتدقيق أشد، وأن تنظر في فرض قيود على التعاملات مع الشركات الصينية المرتبطة بالجيش الصيني وبرامج الأسلحة الإيرانية.
وقال: “إن اهتمام بكين بالانتخابات الإسرائيلية لا يتعلق بهوية الفائز بقدر ما يتعلق بما إذا كانت إسرائيل ستواصل التعامل مع علاقتها الاقتصادية مع الصين باعتبارها منفصلة عن مصالحها الأساسية في مجال الأمن القومي”.