“تصحيح لمسار تاريخي،” بهذه العبارة وصف السفير الفلسطيني في لندن، حسام زملوط، اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين، هذا الأسبوع.
وبالنسبة للفلسطينيين عموما، قد يمثل اعتراف مزيد من الدول الغربية بدولة فلسطين التقاءً نادرا بين الذاكرة والقانون والسياسة.
بعد أكثر من قرن على “وعد بلفور”، الذي شرّع عام 1917 قيام دولة إسرائيل، عادت بريطانيا لتقف على طرف المعادلة الآخر.
قد تكون الخطوة رمزية لكنها تضع تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أمام امتحان جديد.
يعود تاريخ إعلان دولة فلسطينية إلى عام 1988. وحصلت منظمة التحرير الفلسطينية، صاحبة الإعلان، سريعا على اعتراف واسع من دول الجنوب. اليوم، أكثر من 150 دولة تعترف بفلسطين، لكن عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة ما زالت رهينة الفيتو الأميركي.
فمنذ 2012 تتمتع فقط بصفة “دولة مراقب”، تمارس عبرها سلطة محدودة في الضفة الغربية، فيما تظل غزة تحت سيطرة حماس منذ 2007، ما يعكس انقسام الداخل أمام زخم الاعترافات الدولية.
لكن، لم تكن بريطانيا الدولة الوحيدة التي تعترف بدولة فلسطين. كندا سبقتها بإعلان مماثل، معتبرة أن القرار يعكس “جهودا منسقة دوليا للحفاظ على إمكانية حل الدولتين”. والتحقت البرتغال وأستراليا بهذا الحراك أيضا، فيما يُنتظر أن تتوسع الدائرة لتشمل دولا أخرى.
هذه الاعترافات الغربية، غير المسبوقة منذ عقود، تعيد فلسطين إلى دائرة الاهتمام الدولي، وتعزز موقعها خصوصا أمام المحافل القانونية والدبلوماسية.
ووصف الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الاعتراف بـ”المحطة التاريخية”. وفي لندن، ذهب السفير زملوط إلى القول “اليوم يتم الاعتراف بوجودنا وإنهاء إنكارنا”، بينما اعتبرت إسرائيل الخطوة “خطأ فادحا”، وشدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أن “أي دولة فلسطينية لن تقوم غرب نهر الأردن”، أما وزير الخارجية جدعون ساعر فقال إن القرار “لن يقربنا من السلام”.
وبدت واشنطن حذرة في تصريحات مسؤولها الذين أكدوا أن “الاعترافات الأحادية لن تغيّر شيئا” من دون مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ماذا يعني الاعتراف؟
وفق اتفاقية مونتيفيديو (1933)، تتطلب الدولة أربعة عناصر: سكان دائمون، إقليم محدد، حكومة، والقدرة على إقامة علاقات دولية. فلسطين تملك معظم هذه العناصر، لكن غياب السيطرة الموحدة على الأراضي ـ بين سلطة في الضفة وحركة حماس في غزة ـ يجعل الاعتراف القانوني الكامل معقدا. هنا يظهر البعد السياسي، إذ إن الاعتراف قرار سيادي أكثر مما هو تطبيق صارم للقانون الدولي.
تعني الخطوة فتح الباب أمام تمثيل دبلوماسي أوسع، وافتتاح سفارات فلسطينية رسمية في عواصم غربية كبرى، إضافة إلى تعزيز موقع فلسطين في المحافل الدولية، خاصة المحكمة الجنائية الدولية التي تنظر في قضايا على الأراضي الفلسطينية منذ 2015. لكن المسار نحو عضوية كاملة في الأمم المتحدة يظل محكوما بقرارات مجلس الأمن، حيث تمتلك واشنطن حق النقض.
مع ذلك،يعيش الحلم بدولة فلسطين اليوم لحظة رمزية غير مسبوقة، فهي أقرب من أي وقت مضى إلى اعتراف دولي واسع النطاق. لكنها ما زالت بعيدة عن أن تتحول إلى دولة كاملة العضوية، قادرة على ممارسة سيادتها الكاملة والمشاركة الفعلية في المنظمات الدولية.

رندة جباعي
رندا جباعي صحافية استقصائية تتمتع بخبرة مهنية تزيد على عشرين عامًا في العمل الإعلامي. انضمت عام 2020 إلى فريق التحقيقات في قناة الحرة كمراسلةاستقصائية، حيث نال عملها في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN) جوائز عدة في مسابقات دولية مرموقة، من بينها AIB وNew York Festivals TV & Film Awards وTelly Awards. شغلت سابقًا مناصب متعددة، منها منتجة في تلفزيون المستقبل، ومراسلة في صحيفة السفير، ورئيسة تحرير لعدة مواقع إلكترونية ومجلات ومقدمة برامج في إذاعة صوت لبنان. تحمل درجتي ماجستير في الحقوق من الجامعة اللبنانية وفي الصحافة من جامعة باريس 2 بانتيون–أساس.


