على المستويين الرسمي والشعبي، يحتدم الجدل في لبنان بشأن مصير خطة الجيش اللبناني لنزع سلاح حزب الله، ومدى قدرته على تنفيذها.
ويزيد الانقسام بشأن الخطة، التي تبنتها الحكومة في سبتمبر الجاري، من حماوة المشهد، وتثير الطريقة التي سيتم اعتمادها لتطبيقها مخاوف من احتمال انزلاق البلاد إلى مواجهة مسلّحة مباشرة بين الجيش وحزب الله.
يتمسّك رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة بمواقفهما من ضرورة إنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي وفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها، ويشدد رئيس مجلس الوزراء نواف سلام على أنه “لا تراجع عن القرارات”، لكنه يلفت إلى أن الجيش بحاجة إلى مساعدات إضافية نظراً للمهام الكثيرة الملقاة على عاتقه”.
ويحظى الجيش بالغطاء الشرعي من الحكومة اللبنانية من أجل تنفيذ خطته، بيد أنه يواجه معضلة ضعف الإمكانيات اللوجستية والعسكرية، ما يضعه في موقع بالغ الحساسية بين ضرورة إظهار الجدية في فرض الخطة وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
كما يتمتّع الجيش بدعم عسكري وسياسيّ من قبل واشنطن وعدد كبير من الدول الغربية والعربية والخليجية. وقد شكّل مطلب نزع سلاح الحزب بنداً رئيساً في خطة أميركية، قدّمها المبعوث توم براك للحكومة اللبنانية، وتضمّنت خطوات متبادلة بين لبنان وإسرائيل لنزع سلاح حزب الله وانسحاب الأخيرة من لبنان.
وقال براك أخيراً إن لبنان يخشى أن يؤدي نزع سلاح حزب الله (بالقوة) إلى حرب أهلية، مشيراً إلى أن الحزب يعيد بناء قدراته.
على الجهة المقابلة، يؤكّد الحزب رفضه التخلي عن سلاحه باعتباره ركناً أساسيّاً في “معادلة الردع” بوجه إسرائيل، ويدعو إلى انسحاب الأخيرة من لبنان، ووقف استهدافها لعناصره ومسسؤوليه، والإفراج عن الموقوفين اللبنانيين لديها، وبدء عملية إعادة إعمار المناطق التي تضررت بسبب الحرب، قبل النظر في مسألة نزع سلاحه.
كما يرى أن أيّ محاولة للمساس بسلاحه تعد استهدافاً مباشراً لدوره ووجوده السياسي والعسكري.
وكان وزراء الحزب وحركة أمل قد انسحبوا من الجلسة التي خصصت لمناقشة وإقرار خطة نزع السلاح التي قدّمها الجيش في سبتمبر 2025.
وتدعم إيران حزب الله، وتؤكد معارضتها قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاحه، وترجّح أن تبوء المساعي الحكومية بالفشل.
كلّ ذلك طرح تساؤلات مهمة عن مصير نزع سلاح الحزب، ووضع المؤسسة العسكرية أمام تحدّ مزدوج: تنفيذ الخطة على الأرض، والتعامل مع احتمالات التمرد المباشر أو غير المباشر من جانب حزب الله، مع كلّ ما يعنيه ذلك من احتمالات الصدام المسلّح بين الطرفين.
الخطة وقدرات الجيش
تتضمّن خطة نزع سلاح حزب الله خمس مراحل. أولّها تمتدّ لثلاثة أشهر، وتنتهي بحلول نهاية نوفمبر 2025.
وأوضح وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي أن المرحلة الأولى تقضي بـ”إنهاء وجود السلاح جنوب نهر الليطاني، بما يشمل المخازن والمقاتلين وأيّ مظاهر مسلحة”، على أن يترافق ذلك مع إجراءات أمنية في مختلف المناطق اللبنانية لمنع نقل السلاح، وتشديد الحواجز دون مداهمات أو مصادرة للمخازن.
وتشمل المراحل الأربع الأخرى البقاع وبيروت وضواحيها وبقية الأراضي اللبنانية، وهي مراحل بقيت من دون مهل زمنية محددة في الخطة التي تخضع للسرّية.
ويمتلك الجيش اللبناني القدرة العسكرية للتعامل مع مواقع وجود السلاح خارج سلطة الدولة، كما يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب “غير أن نجاح خطة حصر السلاح بيد الدولة يحتاج إلى توفّر شروط أساسية، بينها الحصول على تجهيزات هندسية متقدمة قادرة على التعامل مع المخازن المعقدة لترسانة حزب الله وعربات مدرعة وطائرات مسيّرة وأنظمة مراقبة واتصالات مشفّرة” يضيف.
كذلك، يستلزم هذا الأمر إمكانيات عسكرية وقدرات متخصصة نظراً لطبيعة أماكن تخزين السلاح في الأنفاق المحصّنة بالألغام والحراسة المشددة في المناطق الجبلية.
وكان عدد من الجنود اللبنانيين قد قتلوا وأصيب آخرون أثناء محاولتهم تفكيك محتويات مخزن أسلحة تابع لحزب الله في جنوب لبنان في أغسطس 2025.
ويعاني الجيش اللبناني من ضعف العتاد والدعم اللوجستيّ والتقني، بما في ذلك وسائل النقل والقدرة على الانتشار السريع. كما يعاني من عدم وجود موازنة تشغيلية كافية لتغطية الانتشار، والقيام بالعمليات الميدانية المتزامنة في مناطق مختلفة.
ويعتمد الجيش على المساعدات والهبات العسكرية من دول غربية وعربية من أجل تأمين ما يحتاجه من سلاح، يمكنه من القيام بدوره في حماية الحدود، وحفظ الأمن في الداخل.
وقد أعلنت وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أخيراً عن موافقتها على حزمة مساعدات أمنية للبنان بقيمة 14.2 مليون دولار، تشمل قدرات على تسيير الدوريات وإزالة الذخائر غير المنفجرة والتعامل مع مخابئ أسلحة حزب الله.
لكن سلام شدد على حاجة الجيش إلى دعم أميركيّ أكبر على صعيد العتاد والتمويل”.
سيناريوهات تنفيذ الخطة
يرى مراقبون أن حزب الله يستطيع عرقلة أو إبطاء تنفيذ الخطة عبر أدواته العسكرية والأمنية والسياسية والاجتماعية في مناطق نفوذه، ويضعون ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار تنفيذ خطة نزع سلاحه.
السيناريو الأوّل: نجاح الجيش في تطبيقها بدعم أميركيّ وخليجيّ، ما يؤدي إلى ضبط الترسانة غير الشرعية، ويمكّن الدولة من بسط سيادتها على كامل أراضيها.
السيناريو الثاني: انفجار الأوضاع الأمنية في الداخل، واندلاع مواجهة مسلّحة على وقع انقسامات داخل الجيش.
السيناريو الثالث: شن إسرائيل عملية عسكرية كبيرة لنزع سلاح الحزب وزيادة الضغوط على الحكومة اللبنانية لانجاز ذلك.
النائبة غادة أيوب تؤكد لموقع “الحرة” أن الحديث عن “حرب أهلية” نتيجة تطبيق خطة الجيش غير دقيق، لأن “المواجهة الأهلية تعني اقتتالاً بين اللبنانيين. أمّا اليوم فالمسألة مختلفة، إذ إن الدولة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية هي التي اتخذت القرار في 5 و7 أغسطس بنزع السلاح غير الشرعي، وكرّسته في 5 سبتمبر عبر إقرار الآلية العسكرية لتنفيذه. وبالتالي، نحن أمام قرار سيادي بتطبيق اتفاق الطائف، لا أمام نزاع داخلي بين فئات لبنانية”.
التوافق اللبناني الداخليّ الممكن بشأن تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله، تقابله مخاوف من عرقلة أطراف خارجية الخطوة التي دخلت بالفعل مدار التنفيذ الهادىء، كما يقول المحلل السياسي إلياس الزغبي لموقع “الحرة”، مضيفاً: “هذا هو السيناريو الأرجح، إلا إذا أقدمت إيران على تخريب الخطة عبر حزب الله، فيشكل عندها هذا التخريب ذريعة لإسرائيل كي تنزعه بالقوة العسكرية”.
ومن حين لآخر، يقوم الجيش اللبناني بتفكيك منشآت تابعة لحزب الله، ولاسيما جنوب نهر الليطاني، ويصادر أسلحة له.
“يتم إحراز تقدم ملموس جنوب نهر الليطاني، لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب القيام به بشأن ترسانة الأسلحة”، يقول الدكتور ماثيو ليفيت، مدير “برنامج راينهارد لمكافحة الإرهاب والاستخبارات” في معهد واشنطن.
براك ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. قال أخيراً إن كلّ ما يفعله لبنان بشأن الحزب يقتصر على الكلام من دون أيّ خطوات عملية، وأن الأخير يعيد بناء قوته ويتلقّى في هذه الفترة ما يصل إلى 60 مليون دولار شهريّاً.
وفي المقابل، رفض رئيس مجلس النواب اللبناني تصريحات براك وقال إن “الجيش اللبناني لن يكون حرس حدود لإسرائيل وسلاحه ليس سلاح فتنة”.
وترتبط إعادة بناء قدرات الحزب أو عدم نزع سلاحه بالسيناريو الثالث، فالأمران قد يفتحا الباب أمام تحرّك عسكريّ إسرائيليّ واسع في لبنان.
لكن الباحث السياسي اللبناني الدكتور مكرم رباح يستبعد شن إسرائيل عملية عسكرية شاملة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة بالفعل لأن “الحزب لم يسلّم سلاحه، رغم أن الاتفاقية التي رعاها المبعوث الأميركي آموس هوكستين، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، كانت واضحة لجهة الآلية التنفيذية لتفكيك القدرات الحربية للحزب”.
عواقب الفشل في تنفيذ الخطة ومصيرها
يشكّل نزع سلاح حزب الله مدخلاً لتنفيذ مضمون “مذكّرة براك”، وتمديد اتفاق “وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل”، وانسحاب الأخيرة من النقاط التي تتواجد فيها قواتها في الجنوب اللبناني.
من هنا تظهر أهمية تنفيذ خطة الجيش، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد.
على المستوى اللبناني، بات عدد كبير من الأحزاب والقوى السياسية، مثل القوات اللبنانية والكتائب، يطالب بنزع سلاح حزب الله، وانضمت أحزاب وقوى أخرى كانت حليفة أو قريبة من حزب الله، مثل التيار الوطني الحر، إلى هذا المطلب باعتبار أن وظيفة هذا السلاح قد سقطت، وأن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان أثبتت عدم جدواه.
وتعلّق أيوب على ذلك بإن “الشريحة الأكبر من الشعب اللبناني تدعم مسعى الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة” وتضيف: “إن الجيش هو التعبير الأوضح عن وحدة اللبنانيين والتفافهم حول دولتهم، في حين أن حزب الله بات يمثل حالة انقسامية”.
وتزيد المواقف والدعوات إلى نزع سلاح الحزب الضغوط عليه داخليا، لكن المرجّح ألّا يذهب التمسّك بها إلى ما هو أبعد من حدود الاختلاف السياسي، إذ يرى رباح أن “الأمر سيبقى في إطار الصدام السياسي بين الحزب والدولة ومحاولات حزب الله دفع الجيش إلى مواجهة مباشرة ستبوء بالفشل”.
أما على المستويين العربي والدولي، فتتزايد الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتحضر أكثر عند الحديث عن المساعدة في إعادة الإعمار. وبينما ينظر الحزب إلى هذه الدعوات على أنها شروط وضغوط خارجية تنتهك السيادة اللبنانية، تؤكد الحكومة أن نزع سلاح الحزب شأن لبناني ترفض التدخل فيه.
فيما يتعلّق بهذا البعد الدولي تحديداً، يرى الزغبي أن مخاطر الفشل في تطبيق الخطة “تكمن في احتجاب المساعدات العربية والدولية، وإلغاء المؤتمرات الثلاثة الموعودة التي يسعى لبنان إلى عقدها بدعم فرنسيّ وعربيّ وأميركيّ لإعادة الإعمار. فالواضح أن هذا الدعم الثلاثي مرهون بنجاح المراحل التنفيذية”.
ومع تمسّك كلّ طرف بموقفه، تتزايد خشية اللبنانيين من أن يتحوّل هذا السلاح من حجة للدفاع عنهم إلى وقود لاقتتال داخلي أو تدخّل عسكريّ إسرائيليّ واسع، ومن ذريعة لـ”حراسة ازدهار البلاد” إلى أمر يحول دون إعادة إعمارها.

أسرار شبارو



