واشنطن العاصمة 01:55 AM

"شحنة المتفجرات".. هل تشمل الملاحقات قادة في حزب الله؟

هل تتجاوز الملاحقات القضائية في قضية شحنة متفجرات ضهر البيدر منفذي عملية النقل لتصل إلى مستويات قيادية داخل حزب الله؟

· 5 دقيقة قراءة
قوى الأمن اللبناني تفتش سيارة على أحد الحواجز الأمنية- رويترز
قوى الأمن اللبناني تفتش سيارة على أحد الحواجز الأمنية- رويترز

دفعت الادعاءات القضائية على 13 شخصا من حزب الله في قضية شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر شرقي لبنان، الملف إلى مرحلة جديدة، وسط اتساع دائرة الملاحقات واستمرار الخلاف الحكومي بشأن إحالته إلى المجلس العدلي.

ويتمسك حزب الله، الذي تصنفه الولايات المتحدة منظمة إرهابية، بموقفه الرافض لمحاكمة المدعى عليهم، مطالبا بـ “تكريمهم بدلا من ملاحقتهم”، على حد تعبير النائب في كتلة الحزب حسين الحاج حسن.

وادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، القاضي كلود غانم، على ثمانية أشخاص معروفين بأسمائهم، بينهم الموقوفان علي الكردي وهيثم أمهز، وخمسة آخرين معروفين بألقابهم، بتهم ارتكاب جرائم شملت الاعتداء على أمن الدولة الداخلي، ومخالفة قرارات الحكومة، وحيازة الأسلحة والمتفجرات، وتأليف جمعيات غير مشروعة تهدف إلى النيل من سلطة الدولة وهيبتها، وفق ما أفادت به الوكالة الوطنية للإعلام.

وتصل العقوبات المنصوص عليها في المواد المدعى بها إلى الأشغال الشاقة مدة 10 سنوات. وأحال غانم الملف إلى قاضية التحقيق العسكري الأولى غادة أبو علوان لاستكمال التحقيقات.

ورغم اتساع دائرة المدعى عليهم، إلا أن السؤال الأبرز في القضية: هل تصل التحقيقات إلى الشخص الذي أصدر الأوامر بنقل الشحنة داخل حزب الله؟

يؤكد الصحفي المتخصص في الشؤون القضائية يوسف دياب، أن المعطيات المتوافرة من التحقيقات الأولية لا تزال محصورة بالأدوار المعروفة في عملية النقل، وفي مقدمتها دور “ساجد” في تسليم المتفجرات في بعلبك، و”ذو الفقار” الذي كان من المقرر أن يتسلمها في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ويستبعد دياب، في حديث لـ”الحرة”، أن تمتد الملاحقات إلى مسؤولين أعلى داخل الحزب، ما لم تظهر اعترافات مفاجئة أو أدلة غير متوقعة، مرجحا أن تكون التحقيقات الأولية قد رسمت حدود الملاحقات القضائية حتى الآن.

خيوط قيد التحليل

وتعود القضية إلى الشهر الماضي، حين ضبطت الأجهزة الأمنية شاحنة على حاجز ضهر البيدر، كانت متجهة من البقاع نحو منطقة بيروت الكبرى، وعلى متنها مئات الكيلوغرامات من المتفجرات، بينها مادتا C4   وTNT  شديدتا الانفجار.

وأقر النائب عن حزب الله، حسن فضل الله، بأن الشحنة تعود إلى الحزب، مؤكدا أنها كانت مخصصة للاستخدام ضد القوات الإسرائيلية في الجنوب، وأن الجهات المعنية في الحزب أبلغت الأجهزة الأمنية والقضائية بملكيتها منذ توقيف الشاحنة.

وطالب فضل الله بالإفراج عن الموقوفين وإعادة الشاحنة وحمولتها، معتبرا أن السلطات تسعى إلى “حرمان اللبنانيين من حق مقاومة الاحتلال”، على حد تعبيره.

لكن الإقرار بملكية الشحنة لا يحسم المسؤولية الفردية للمدعى عليهم، ولا يكشف وحده الجهة التي اتخذت قرار نقلها، وهذا الجانب لا يزال رهن استكمال التحقيقات.

ويشير دياب إلى أن هاتفي الموقوفين لا يزالان قيد التحليل لدى شعبة المعلومات، في انتظار ما قد توفره محتوياتهما من معطيات إضافية، إلى جانب احتمال ظهور اعترافات جديدة أمام القضاء العسكري.

غير أن مسار التحقيق لا يواجه تحديات تتعلق بالأدلة وحدها. فحزب الله يرفض التعاون مع القضاء، ولم يسلم أيا من المدعى عليهم الذين كشفت هوياتهم، فيما يقتصر التوقيف حتى الآن على الشخصين اللذين ضبطا مع الشحنة.

ولا يستبعد دياب تنفيذ توقيفات إضافية إذا تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد أماكن المطلوبين، لكنه يرجح أن يظل توقيف مسؤولين في مستويات أعلى احتمالا ضعيفا في ظل غياب تعاون الحزب.

إحالة معلقة

وبالتوازي مع التحقيقات، يتواصل الخلاف داخل الحكومة اللبنانية بشأن إحالة القضية إلى المجلس العدلي، بعدما قاطع وزراء القوات اللبنانية جلسة مجلس الوزراء، الخميس، احتجاجا على عدم اتخاذ قرار بهذا الشأن.

وتنطلق المطالبة بالإحالة من “اعتبارات وطنية لا سياسية، نظرا إلى خطورة القضية وما تشكله من تهديد للأمن القومي وهيبة الدولة وسلامة اللبنانيين”، وفق ما أفاد به عضو تكتل “الجمهورية القوية”، النائب غياث يزبك، في حديثه لـ”الحرة”.

ويقول إنه “لا مرجعية قضائية أخرى يمكن أن تحل محل المجلس العدلي في قضية من هذا النوع”، موضحا أن المطالبة بالإحالة لا تعني التشكيك في التحقيقات الجارية أو الانتقاص من عمل القضاء، إذ إن المجلس العدلي سيستند بدوره إلى نتائج التحقيقات التي تجريها الضابطة العدلية.

ويؤكد يزبك استمرار مقاطعة وزراء “القوات اللبنانية” جلسات الحكومة ما دامت القضية لم تحل إلى المجلس العدلي، ويشدد قائلا: “هذا هو قرارنا حتى الساعة”.

وكان وزير العدل عادل نصار قد كشف، في مقابلة تلفزيونية، أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام أيدا اقتراحه بإحالة الملف إلى المجلس العدلي، لكنهما اختلفا معه بشأن توقيت اتخاذ القرار.

وأكد نصار أنه سيواصل طرح القضية في جلسات الحكومة، معتبرا أنها تمس الأمن القومي، وأن اعتراض حزب الله لن يوقف مسار حصر السلاح بيد الدولة.

ولا تقتصر أهمية الإحالة على تغيير الجهة القضائية التي تنظر في الملف، بل تمتد إلى طبيعة التحقيق وصلاحيات الجهة التي تتولاه.

ويعني بقاء ملف القضية أمام القضاء العسكري أن الملاحقة والتحقيق ستبقى تحت إشراف النيابة العامة العسكرية وقاضي التحقيق العسكري، يشرح أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس، محيي الدين الشحيمي، الذي يقول إن إحالة الملف إلى المجلس العدلي، تعني انتقاله إلى مسار قضائي استثنائي.

ويضيف الشحيمي، في حديث لـ”الحرة” أن إحالة الملف تعني أن النيابة العامة التمييزية ستتولى تحريك الدعوى، وسيقود التحقيق محقق عدلي يعينه وزير العدل بموافقة مجلس القضاء الأعلى، على أن تجري المحاكمة أمام هيئة المجلس العدلي.

ويوضح الشحيمي الفارق في صلاحيات المحقق العدلي، الذي “يستطيع إصدار مذكرات التحقيق التي يقتضيها الملف من دون طلب مسبق من النيابة العامة”، ولديه صلاحية “تمكنه من أن يضع يده على الدعوى بصورة موضوعية، ويستجوب كل من يظهر التحقيق مساهمته في الجريمة، حتى لو لم يكن اسمه وارداً في الادعاء الأولي”.

ويلفت إلى أن المجلس العدلي مرجع قضائي استثنائي مستقل، له تشكيله وإجراءاته الخاصة، وتصدر عنه أحكام لا تخضع لطرق المراجعة المعتادة، باستثناء الاعتراض وإعادة المحاكمة وفق الشروط القانونية.

ولا يرى الشحيمي أن خطورة الشحنة وحجمها يكفيان وحدهما لإحالة القضية، لكنه يقول إن “ثمة عناصر جدية” تبرر إحالة القضية إلى المجلس العدلية، مضيفا أنه ” يشترط توافر عناصر جريمة تدخل في نطاق المادة 356  من قانون أصول المحاكمات الجزائية، وصدور مرسوم الإحالة عن مجلس الوزراء وفق المادة 355″.

صدام المواقف

في مقابل الدعوات إلى توسيع الملاحقات وإحالة القضية إلى المجلس العدلي، يرفض حزب الله المسار القضائي من أساسه.

فقد اعتبر عضو “كتلة الوفاء للمقاومة”، النائب حسين الحاج حسن، أن الادعاءات القضائية تتعارض مع الميثاق الوطني وشرعة حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، التي تكفل “الحق في مقاومة الاحتلال”، على حد تعبيره.

واعتبر حسن أن الإجراءات القضائية “تخضع لإملاءات سياسية”، وهو ادعاء رفضه النائب يزبك، في حديثه لـ”الحرة”، مشيرا إلى أن خطاب حزب الله “لم يعد يستوجب الرد، لأنه لا يمت بصلة إلى المنطق، أو الوطنية، أو احترام المؤسسات ، أو مقتضيات الاستقرار والانتظام العام”.

وشدد رئيس الحكومة نواف سلام على ضرورة كشف الجهات التي تقف خلف الشحنة وتحديد أهدافها، وعدم الاكتفاء بملاحقة الأشخاص الذين تولوا نقلها، مؤكدا أن الحقيقة والمحاسبة تشكلان أساس متابعة القضية.

وأعاد ضبط شحنة ضهر البيدر إلى أذهان اللبنانيين سلسلة الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان عام 2005، عندما استهدفت تفجيرات شخصيات سياسية وإعلامية بارزة.