إعلان دمشق، على لسان وزير خارجيتها أسعد الشيباني، في منتدى حوار المنامة، إجراء نقاشات حول إمكانية الانضمام إلى حلف مكة، يفتح باب التكهنات حول الأهداف التي يمكن أن تحققها سوريا المثقلة بملفات عدة، أبرزها ترتيب البيت الداخلي وإعادة الإعمار.
وفي كلمته أما المشاركين في منتدى حوار المنامة، قال الشيباني إن سوريا” غادرت خندق الصراعات لتأخذ مكانها ومكانتها على طاولة صناعة الأمن الإقليمي، مشددا على أن الأمن الحقيقي يتجسد في دول قادرة على حماية شعوبها، وجيران يحفظون سيادة بعضهم”.
فهل تسعى سوريا إلى إنشاء مظلة دفاعية تعزز قدرتها على مواجهة العمليات العسكرية الإسرائيلية على أراضيها؟ أم ترغب في الوقوف إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات التي تطال دول الخليج، وفي مقدمتها هجمات الحوثيين؟
تعتقد أستاذة العلوم السياسية في جامعة “لانكستر” في المملكة المتحدة، رهف الدغلي، أن احتمال انضمام دمشق للحلف ” لا يجب اختزاله في مواجهة إسرائيل أو دعم السعودية في مواجهة الحوثيين، وإنما في إطار إعادة تموضع في ظل ضغوط إقليمية متزايدة”.
وتربط الدغلي في حديث لـ”الحرة” بين الرغبة السورية للانضمام إلى “حلف مكة” وبين التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي توم باراك، “والتي بدت “أكثر سلبية” تجاه سوريا، بعد توقعات أميركية “لم تتحقق” بأن تلعب دمشق دورا أكثر فاعلية في مواجهة حزب الله، أو أن تتحول سوريا، على الأقل، إلى “منطقة عازلة تحول دون تمدد الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران”.
دمشق تعرض خبرتها بمواجهة الميليشيات.. هل تؤهلها لدور في حلف مكة؟
لم يتردد الشيباني، خلال كلمته في منتدى حوار المنامة، في عرض استعداد بلاده للانخراط في أي “ترتيبات تحمي استقرار المنطقة”، وسط تحديات “الميليشيات العابرة للحدود”، مؤكدا أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن بلاده.
واستعرض الشيباني ما وصفها بالتجربة السورية الناجحة في “طرد الميليشيات من سوريا” وإمكانية نقلها إلى الدول التي تعاني من التحدي ذاته.
لكن الخبير العسكري و الاستراتيجي السعودي اللواء المتقاعد د. محمد القبيبان، يشكك بقدرة سوريا في الوقت الراهن على أداء دور فاعل في الحلف، الذي يقوم على مبدأ الدفاع المشترك، بعيدا عن تحقيق “مكاسب سياسية”، مشيرا إلى أن سوريا لا تزال في مرحلة “استعادة عافيتها وإعادة بناء مؤسساتها المدنية والعسكرية”.
وتسائل القبيبان عن قدرة سوريا في تقديم دور على المستوى الدفاعي، في وقت لا تزال فيه تتعرض لعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة داخل أراضيها، “ولذلك فإن انضمام سوريا إلى التحالف يرتبط بمدى قدرتها على تجاوز هذه التحديات، واستعادة قدر معقول من الاعتماد على نفسها، بما يؤهلها للمشاركة الفاعلة في أي تحالف دفاعي”.
ولا يأتي التوجه السوري بمعزل عن التقارب المتنامي بين دمشق والرياض، إذ بحث الرئيس السوري أحمد الشرع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، خلال لقائهما الأخير في الرياض، ملفات الاستثمار والأمن الإقليمي، في وقت تسعى الرياض الى حشد الدعم وتوسيع شبكة شراكاتها الدفاعية في مواجهة تصاعد هجمات الحوثيين.
فيما يعتقد رئيس مركز “أوان” للدراسات، الكاتب السعودي خالد دراج، أن الانضمام إلى اتفاق دفاعي متعدد الأطراف “لا تحكمه الرغبات السياسية وحدها، بل يرتبط بضوابط ومعايير سياسية وعسكرية وفنية، وبمدى توافق الدولة الراغبة في الانضمام مع أهداف الاتفاق والتزاماته وآلياته التنفيذية”.
إسرائيل وحسابات سوريا
ومن الصعب فصل النقاش حول إمكانية انضمام سوريا إلى “حلف مكة” عن واقع العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، خصوصا أن الشيباني نفسه ربط بين الحديث عن ضبط الحدود وحصر السلاح بيد الدولة وبين ما وصفه “بالانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة للسيادة السورية”.
وأشار الشيباني إلى تعرض الأراضي السورية لأكثر من “ألف اعتداء إسرائيلي خلال أقل من عامين”.
ويحذر الكاتب والباحث المقيم بسام سليمان من دمشق، في حديثه لـ”الحرة” من أن انضمام سوريا لهذا الحلف وتفعيله دفاعيا، “سيهدد بإشعال حرب إقليمية، “خاصة أن الخاصرة الجنوبية لسوريا مستباحة وتتوغل إسرائيل فيها بشكل متكرر، ولن تتردد في ضرب سوريا”.
ويعتقد دراج أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية “يمثل أحد الاعتبارات المهمة التي قد تدخل في تقييم أي انضمام سوري إلى اتفاق دفاعي مشترك، إذ يعتمد الأمر بالدرجة الأولى على طبيعة الاتفاق ونطاق تطبيقه، والتعريفات المعتمدة للاعتداءات” التي تستوجب تفعيل آليات الدفاع المشترك.
ويقول” أعتقد أن تحالف مكة سيأخذ في الاعتبار طبيعة التحديات الأمنية التي تواجه سوريا، بما فيها العمليات الإسرائيلية، عند بحث أي ترتيبات مستقبلية، وبما يحقق التوازن بين حماية سيادة الدول وتعزيز الردع الإقليمي وتجنب توسيع دائرة المواجهات العسكرية”، يقول دراج.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن انضمام سوريا إلى تحالف يضم السعودية وتركيا وباكستان قد يضيف بعدا جديدا إلى حساباتها الأمنية، خصوصا إذا تطور التعاون بين هذه الدول إلى تنسيق عسكري واستخباري أو تدريبات وقدرات دفاعية مشتركة. وقد تنظر إسرائيل إلى هذا التقارب باعتباره تحولا في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها، لا سيما إذا ترافق مع تعزيز قدرات الجيش السوري.
ويقول يقول يعقوب عميدرور، رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي سابقا، إن إسرائيل تراقب التطورات الأمنية والسياسية داخل سوريا وفي محيطها بغض النظر عن احتمال انضمام دمشق إلى اتفاقية مكة، مؤكدا أن إسرائيل “لا ينبغي أن تولي اهتماما مفرطا للتحالفات التي تريد سوريا المشاركة فيها”.
ويؤكد في حديث لـ”الحرة” أن عضوية سوريا في الاتفاقية “لا تعني تلقائيا أن الدول الأعضاء فيها ستتدخل عسكريا للدفاع عن سوريا في حال اندلاع مواجهة مع إسرائيل أو أي طرف آخر”.
ويستبعد عميدرور أن تتجه السعودية أو باكستان إلى “إنقاذ سوريا”، معربا عن شكوكه في نجاعة العمل المشترك لهذا الحلف، باعتبار أن السعودية وباكستان، حسب أقواله، “لن تتسرعا في خوض معركة لصالح سوريا”. أما تركيا، فيشير عميدرور إلى أن هناك “علامة استفهام حول كيفية تصرفها”.
ويرى أن مصالح إسرائيل الأساسية في سوريا تتمثل في أمرين: أولا، “منع أي نشاط معاد لها” من الأراضي السورية، وثانيا، “الدفاع عن الطائفة الدرزية وضمان عدم تعرض الدروز في سوريا لهجمات أو اعتداءات واسعة من نظام أحمد الشرع”.
وبشأن العمليات الإسرائيلية داخل سوريا، يعتقد عميدرور أن إسرائيل “لا تقوم بتحركات تتجاوز هذين الهدفين”، مشددا على أنها أصبحت “أكثر حذرا، وتتجنب شن ضربات كالتي كانت تنفذها خلال فترة التموضع الإيراني” في الأراضي السورية، حيث كان يشكل الوجود الإيراني تهديدا لأمن إسرائيل.
ويرى عميدرور أن السؤال الأهم بالنسبة لإسرائيل هو ليس ما إذا كانت سوريا ستنضم إلى الترتيبات الأمنية الخاصة باتفاقية مكة، بل طبيعة نشاطات النظام السوري وسياساته واتجاهاته وتصرفاته تجاه دولة أسرائيل.
ويقول إن الاختبار الحقيقي لا يكمن في التحالفات التي قد تشارك فيها سوريا، بل في المناهج التعليمية التي تدرس في المدارس والمؤسسات التربوية والتعليمية في البلاد، مشيرا إلى أهمية المضامين والنصوص الواردة في هذه المناهج حول إسرائيل، “والصورة التي ستقدم إلى الجيل الجديد عن إسرائيل”.
سيادة الحدود
قد تعكس المناقشات السورية للانضمام إلى “حلف مكة”، أيضا، رغبة سورية في الانخراط بشكل فاعل في حماية الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وحماية سيادتها الحدودية، ولا سيما إثر الضربات الأردنية على درعا جنوب سوريا، والتي أوقعت ضحايا مدنيين، وما أعقبها من بيان سوري أردني مشترك تبنى رواية وجود خلايا مرتبطة بتنظيم داعش في الجنوب.
وفي تصريحاته في منتدى حوار المنامة، أكد الشيباني أن أمن الحدود مسؤولية ثنائية تعتمد على الطرفين، مشيرا إلى وجود تعاون كبير بين سوريا والعراق ولبنان والأردن لضمان أمن واستقرار الحدود. وأكد عدم وجود أي مناوشات مع الأردن، بل هناك “علاقة متكاملة” في القطاعين الأمني والعسكري.
ومن خلال السعي للانضمام إلى “حلف مكة”، تعتبر الدغلي أن سوريا تسعى إلى فرض سيادتها على الحدود، في ظل الخشية من أن تتحول “سردية مكافحة الإرهاب إلى إطار لتبرير التدخلات العسكرية العابرة للحدود، أو لإعادة تعريف الجنوب السوري بوصفه منطقة تهديد أمني إقليمي”.
ويقول النائب الأردني الأسبق واللواء المتقاعد محمد فلاح العبادي، إن الأردن “لا يرغب بالتدخل بالشأن السوري، ولا يوجد أي مبرر للتخوفات من الأردن تدفع سوريا إلى الانضمام إلى حلف مكة”.
وفي حديثه لـ”الحرة” يعتقد العبادي أن حلف مكة “لن يفيد سوريا” في ضبط الحدود وسط وجود التنظيمات الإرهابية وشبكات التهريب، كواقع يعيشه الأردن يوميا، ناهيك عن “غموض طبيعة أهداف الحلف وحدود المساحة التي يتحرك فيها”.