العيش في زمن الحرب

في كلّ صباح، تفتح هدى هاتفها قبل أن تعدّ قهوتها. تتوالى على الشاشة رسائل عاجلة من مجموعات إخبارية على تطبيق “واتساب”: بيانات، تحليلات، فيديوهات وأخبار عن قصف واغتيالات. تتنهّد وتهمس: “لم نعد نستطيع العيش بشكل طبيعي ليوم واحد. كلّ إشعار يمكن أن يكون بداية حرب”.

لم يكن صباح الخميس الماضي مختلفاً عمّا سواه، سوى أن الأخبار كانت أثقل من المعتاد. بيان جديد لحزب الله، يرفض فيه أيّ مفاوضات مع إسرائيل ويؤكد تمسّكه بسلاحه. بالنسبة لكثيرين، بدا البيان بمثابة إعلان تعبئة، أو ما يشبه إعلان حرب، فاشتعلت النقاشات، وتزايدت المخاوف، وارتفع منسوب القلق لدى اللبنانيين.

في المقابل، لم يتأخّر الردّ الإسرائيلي. إنذارات بالإخلاء طالت مبان في قرى جنوبية وتسببت بنزوح عدد من السكان، تبعتها غارات جويّة أدت إلى تدمير هذه المباني.

تقول هدى، التي تقيم في قرية طير دبا في جنوب لبنان، إن “الجنوب يعيش على إيقاع الإنذارات والانفجارات. أحد الإنذارات كان يخصّ مبنى قريباً من بيتنا. فتحنا الأبواب والنوافذ، وجلسنا نترقّب الضربة. الكلمات لا تكفي لوصف الرعب”.

تتوقف لحظة، ثم تستكمل حديثها لموقع “الحرة”: “تذكّرت حينها صباح 23 سبتمبر 2024، حين صعّد الجيش الإسرائيلي ضرباته على الجنوب خلال ما سمّاها حزب الله حرب الإسناد لغزة. يومها هرعت وعائلتي إلى شمال لبنان بلا متاع، واستغرق وصولنا 12 ساعة بسبب الازدحام المروري”.

في بيت هدى، كما في بيوت كثيرة من لبنان، لم تعد الحرب احتمالاً، بل ظلّا دائماً يخيم على تفاصيل الحياة اليومية، كما الطائرات المسيّرة الإسرائيلية التي لا تغادر أجواء الجنوب، والاغتيالات التي تطال عناصر ومسؤولي حزب الله.

أحلام معلّقة

كانت هدى تترقّب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في نوفمبر 2024، علّه يمنحها فسحة أمل لتبدأ مشروعها التجاري الصغير. غير أن الحلم بقي معلّقاً نتيجة الأحداث الأمنية.

تقول بأسى إن “لبنان لم يعد يشجّع على الحلم”.

هدى ترى في استمرار السلاح خارج إطار الدولة مصدراً دائماً للخطر: “بدلاً من أن يُسلّم الحزب سلاحه للجيش اللبناني كي ينعم اللبنانيون بالسلام، يتمسّك به غير آبه بالمخاطر التي يضعنا بها”.

الخوف في الجنوب لم يعد حدثاً عابراً، بل صار جزءاً من روتين الحياة. رشا، طالبة جامعية من مدينة النبطية في جنوب لبنان، تحاول أن توازن بين دراستها وقلقها المتصاعد. تجلس بين كتبها وأخبار الحرب. تحاول أن تحفظ سطراً وتنسى خبراً، لكن القلق يتسلّل من بين الصفحات ويعكّر سكونها.

تقول لموقع “الحرة” إن “الهاتف صار عدوّي وصديقي في الوقت نفسه. أصبحنا نعيش على الأخبار العاجلة. لا أستطيع التركيز. طوال الوقت تصلني أخبار وفيديوهات تشي بأن الحرب ستندلع عمّا قريب”.

لكن أكثر ما يثقل قلب رشا هو خوفها على والدتها المريضة التي بالكاد تستطيع الحركة. تهمس: “أعرف أننا، لو وقع الخطر، لن نستطيع التحرك بسرعة”.

ذاكرة الحرب حاضرة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، تعيش ميادة، بدورها، في ظلّ القلق الدائم.

تقول لموقع “الحرة” أنه “كلما سمعت طائرة مسيّرة، أعتقد أن استهدافاً سيحصل”.

بالنسبة لها، مشاهد الدمار المحيطة ليست مجرّد ذكريات، بل حضور يومي يذكّرها بأن الحرب لم تنتهِ فعلاً. تعتبر أن “المنازل المدمّرة في الغبيري وحارة حريك والشياح وغيرها شاهدة على حرب لم تُطوَ صفحتها بعد. منزلنا في الشياح تضرّر جزئياً، وهو مهدّد بالدمار في أيّ لحظة، طالما لا توجد ضمانات بأن الضاحية لن تتعرّض مجدداً للقصف”.

الوضع الاقتصادي يزيد الطين بلّة. فزوج ميادة، كما تروي، “لا يستطيع استئجار منزل في منطقة أكثر أماناً. بالكاد نؤمّن أقساط المدارس لأولادنا الثلاثة. فعلاً لم نعد نحتمل”.

القلق من عملية عسكرية إسرائيلية واسعة ينسحب على البقاع أيضاً. يقول علي، أحد أبناء بلدة شمسطار في قضاء بعلبك، التي تعرّضت أطرافها لغارات إسرائيلية أخيراً: “نحن في حالة ترقّب دائمة. بين الشائعات المتناقلة عبر القنوات ووسائل التواصل، والهدير المستمر للطائرات المسيّرة في السماء، نعيش تحت ضغط نفسيّ لا يفارقنا”.

تسلّل الخوف والقلق إلى تفاصيل حياة اللبنانيين يترك، كما تقول مديرة جمعية “مفتاح الحياة”، الأخصائية النفسية والاجتماعية لانا قصقص، أثراً عميقاً على الصحة النفسية، فهو “يولّد أفكاراً تلقائية وسلبية، مثل الاعتقاد بأن الحرب حتمية، وانه لا يوجد أمان أو مستقبل”.

أما على مستوى المشاعر، فتلفت  قصقص إلى أن القلق المستمر يولّد إحساساً بالعجز وفقدان السيطرة: “يشعر الناس بعدم الأمان، ويُترجم ذلك جسدياً من خلال شدّ في العضلات، واضطرابات في النوم أو الشهية، وأحياناً نوبات هلع حادّة”.

أهداف إسرائيل

يوضح الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن توجيه إسرائيل أخيراً إنذارات لسكان جنوب لبنان لمغادرة مبانٍ محددة قبل قصفها، يهدف إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للإسراع بنزع سلاح حزب الله.

“التصعيد تزامن مع اجتماع الحكومة اللبنانية، حيث عرض الجيش تقريراً أشار فيه إلى أنه أنهى 90% من وجود الأسلحة والمسلحين جنوب الليطاني، لكن إسرائيل تشكّك في هذه المعطيات، مهددة بتولّي ضبط الوضع بنفسها إذا لم يقم الجيش اللبناني بذلك” يؤكد ملاعب.

وعن احتمال اندلاع حرب واسعة بين حزب الله وإسرائيل، يرى ملاعب في حديث لموقع “الحرة” أن إسرائيل لا تجد ضرورة لخوض حرب شاملة أو توغّل بريّ طالما أنها تحقق أهدافها عبر الضغط العسكري والتصعيد المحدود.

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد هدد باستهداف العاصمة بيروت، في حال حاول حزب الله إطلاق النار على المستوطنات في شمال إسرائيل.

وفي مقابلة عبر القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية، أكّد كاتس أنّه نقل هذه الرسالة إلى المبعوثيْن الأميركييْن توم برّاك ومورغان أورتاغوس.

وبدوره، يرى رئيس جهاز التواصل والإعلام في حزب “القوات اللبنانية” شارل جبور، في حديث لموقع “الحرة” أنه “من الطبيعي أن تواصل إسرائيل ضرباتها ما دامت تعتبر أنّ هناك تهديداً عسكرياً على الأراضي اللبنانية”.

ويلفت إلى أن قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، والذي اتخذته في 5 أغسطس الماضي، أسقط آخر ورقة توت عن الحزب”.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading