الإسلام والسيف

كيف انتشر الإسلام في إفريقيا؟ بالسلم أم بالسيف؟ وكيف تحولت إفريقيا من واحة للتعايش إلى بؤرة للجماعات المتطرفة؟ وما علاقة السلفية والنفط؟

كل تلك الأسئلة يجيب عنها إبراهيم عيسى، الصحافي المصري المعروف، في حلقته الأسبوعية الجديدة على منصات “الحرة” الرقمية.

النص التالي يعرض أهم ما جاء في الحلقة، بعد إعادة تحريره لتسهيل القراءة:

الإسلام انتشر بالسيف.. “يا نهار أسود”! هل يُعقل هذا؟ هل بلغت بك الجرأة والتجاسر حد أن تصرح بأن الإسلام انتشر بحد السيف؟ الحقيقة أننا إذا كنا ننوي التكاتف على التخاذل، فأهلاً بك، ولنمضِ سوياً لنعيش في كذبة كبرى. لكن، إذا أردنا أن نتصادق ونتصارح فعلينا بالصدق.

دعني أوضح لك ما الذي يعنيه “الانتشار بالسيف”! المعنى ببساطة هو أن المسلمين الأوائل خرجوا كعرب من قلب الجزيرة العربية لغزو الدول والممالك المحيطة بها. والحقيقة التاريخية تقول إنه لم تكن هناك أي دولة أو مجتمع يحيط بالجزيرة العربية قد اعتدى على المسلمين أو ناصبهم العداء أو آذاهم، سواء في العراق أو فارس، أو في دمشق ومن خلفها البيزنطيين، أو حتى في مصر التي كان يسيطر عليها الروم.

لقد اتخذ العرب المسلمون قراراً بالخروج لغزو تلك البلاد المحيطة، وهو أمر كان يمثل سياق العصر آنذاك؛ فهذه القرون لم تكن تعرف سوى الغزو والاحتلال، ولم يكن مثل هذا السلوك محل استهجان في وقته. لكن حين خرجوا، أعلنوا أن هدفهم هو نشر الدين. والسؤال: كيف نُشر هذا الدين؟ لقد دخلوا إلى تلك المجتمعات غزاة ومحتلين، وهزموا جيوشها؛ إذ امتلكوا القوة العسكرية والاعتقادية اللازمة، في وقت كانت فيه الممالك المحيطة تعيش حالة من الهشاشة السياسية والعسكرية، فانتهز العرب هذه الفرصة التاريخية.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن كونك كنت قوياً في لحظة معينة وتمكنت من احتلال تلك الأمم لا يعني نهاية التاريخ؛ فقد دارت الدائرة وجاءت عصور كان فيها “التتار” أقوى منك فغزوك، ثم جاء “الأتراك” فكانوا الأقوى فسيطروا عليك؛ فهي الأيام دول يداولها الله بين الناس.

كان الفاتحون يضعون الشعوب أمام خيارات محددة؛ إما الدخول في الإسلام -وهو دين لم يكن الطرف الآخر يعرف عنه شيئاً غالبا ولا يفقه لغته العربية- فكيف يُطلب من إنسان اعتناق ما لا يفهم؟ تخيل أنني مثلا أعيش في مدينة الإسكندرية سنة 18 هجرية، وتأتي لتطالبني بالإسلام، فكيف أفهمك وأنا أحتاج لمترجم لفك رموز كلامك؟ الخيار الثاني كان دفع “الجزية” كإتاوة مالية مقابل الحماية. والمفارقة هنا: تحميني من ماذا وأنت الذي غزوتني؟ أنا لم أطلب حمايتك، ومع ذلك فرضت عليّ الدفع وإلا فالقتال.

إن هذا الفكر، للعلم، هو إنتاج بشري محض ولا صلة له بالقرآن؛ بل كان نظاماً سارياً في كل المجتمعات القديمة. فحين كان الروم يغزون بلداً، كانوا يفرضون “الخراج” والجزية، وهو أمر اعتاد عليه الناس. بل إن المسلمين أنفسهم دفعوا الجزية للروم في فترات ضعفهم، وظلت مصر تدفع الجزية للدولة العثمانية حتى قيام ثورة يوليو 1952.

أما الخيار الثالث فكان القتل، وهذه الخيارات هي ما شكل ملامح الوجود الإسلامي في أغلب المناطق التي دخلها الإسلام يومها، بما فيها شمال إفريقيا.

التجارة والتصوف

 على النقيض تماماً، نجد أن الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء انتشر بمسار مختلف كلياً؛ حيث يمكننا الجزم هنا بأن الإسلام كعقيدة تغلغل بالسلام، لا عبر الحروب أو الغزوات. لقد اعتمد نشر الدين هناك على ثلاث ركائز أساسية، خلت تماماً من لغة السلاح.

الركيزة الأولى كانت التجارة؛ فقد كان التجار المسلمون الذين تعاملوا مع القبائل والإمارات الأفريقية، على ما يبدو، على درجة عالية من الرقي الأخلاقي. تميزوا بالتقوى والصدق، ويبدو أن طريقتهم في المعاملات المالية والإنسانية كانت تمثل صدمة إيجابية ومختلفة عما كانت تعيشه تلك القبائل من صراعات أو غياب للقوانين المنظمة.

لم يتوقف الأمر عند البيع والشراء، بل بدأ هؤلاء التجار في المصاهرة والتزوج من النساء الأفريقيات اللواتي اعتنقن الإسلام، فنشأت أجيال ومجتمعات مسلمة جديدة. لم تكن الدعوة هناك خطباً منبرية، بل كانت “سلوكاً” يراه الناس فينجذبون إليه. ومع مرور العقود، بدأ التعرف على اللغة العربية يزداد، وحين كان يقتنع زعيم قبيلة بالإسلام، كانت قبيلته تتبعه وفق الأعراف القبلية، مما خلق حالة من الاستقرار الديني العميق.

أما الركيزة الثانية فكانت الطرق الصوفية؛ وهي حركات روحية واسعة قدمت في معظمها من بلاد المغرب العربي وانتشرت في عمق القارة. ذهب المتصوفة بزهدهم وسماحتهم، وجذبوا القلوب عبر طقوس الوجد وحلقات الذكر التي لامست الروح الأفريقية. لقد لعبت الصوفية دوراً محورياً وتاريخياً في تحويل الملايين إلى الإسلام.

وهكذا، تشكل المشهد من مزيج من التجارة والتصوف. ثم جاءت الركيزة الثالثة متمثلة في الهجرات العربية؛ فحين رأت القبائل العربية استقرار الإسلام في تلك الربوع الأفريقية، بدأت تتدفق هجرات عربية نحو وسط وغرب القارة، مما عزز الوجود الإسلامي هناك.

الغزو الوهابي

لكن السؤال الصادم اليوم: ما الذي حول إسلام أفريقيا إلى حركات ذبح وقتل وإرهاب؟ لقد وقعت انتقالة مخيفة؛ فبعدما كانت منطقة الصحراء والساحل معقلاً للصوفية والتعايش السلمي، نجدها اليوم مرتعاً لجماعات “بوكو حرام” و”نصرة الإسلام والمسلمين” والقاعدة وغيرها.

باتت هذه التنظيمات الإرهابية تبسط سيطرتها على مساحات شاسعة، وتنفذ عمليات وصلت إلى حد حصار عواصم كبرى مثل “باماكو” عاصمة مالي. نحن نشهد تغولاً هائلاً للقوى المتطرفة في دول الساحل وغرب أفريقيا. انظر إلى “بوكو حرام” التي يعني اسمها “التعليم الغربي حرام”؛ لقد بدأت بمجموعة من الطلاب تبنوا فكر التشدد، ثم تحولوا إلى وحوش يخطفون الأطفال ويذبحون الطالبات في المدارس.

وزاد الطين بلة دخول البعد القبلي في الصراع؛ حيث أصبحت الجماعات المتشددة ترفع راية القبيلة المسلمة في مواجهة قبائل مسيحية، فامتزج الحقد الديني بالصراع القبلي. اليوم، تعيش نيجيريا دوامة من المذابح التي لا تنتهي، ومثلها النيجر ومالي والصومال والسودان، حيث يتمدد الإرهاب تحت مسميات “داعش” و”القاعدة” و”بوكو حرام”، مخلفاً وراءه إبادة لقرى كاملة.

لماذا تحولت أفريقيا المسلمة من واحة تسامح إلى منجم لـ “التوحش باسم الدين”؟ الأسباب خلف هذا الدم المسفوك كثيرة. أولها، دون أدنى شك، هو ما عُرف بـ “الصحوة الإسلامية” في السبعينيات، والتي تزامنت مع الثورة الإيرانية وحرب أفغانستان التي استُدرج إليها الشباب المسلم تحت مسمى “الجهاد”.

هنا بدأت اللحظة الأولى لما يمكن وصفه بـ “الغزو الوهابي والسلفي” للقارة الأفريقية، مدعوماً بمراكز ممولة بمال النفط لنشر نسخة متشددة وحنبلية وجامدة من الإسلام. لقد سقطت المنطقة تحت وطأة غزو نفطي يستخدم الدين كأداة اختراق، وتم تمويل حركات سلفية كانت بمثابة “المدرسة الإعدادية” للإرهاب.

الحزام الإرهابي

هذه الموجة السلفية الجهادية شنت حرباً لا هوادة فيها على التصوف، وكفّرت الطرق الصوفية. لقد عمدوا إلى تحطيم هيبة الصوفية وتفكيك جماعاتها وهدم مساجدها، وصولاً إلى تصفية رموزها جسدياً. تزامن ذلك مع حالة من الضعف والترهل والصراعات الداخلية التي كانت تعاني منها الطرق الصوفية أصلاً، مما سهل على الجماعات المتشددة الانقضاض عليها.

علاوة على ذلك، استغلت بعض الحكومات الأفريقية هذه الجماعات الإرهابية ووظفتها عبر التمويل لضرب استقرار دول مجاورة ومنافسة، وتصفية حسابات حدودية أو قبلية. كما دخلت أجهزة مخابرات دولية على الخط، مستخدمة هذه التنظيمات كأوراق ضغط على الأنظمة السياسية لتمرير أجندات معينة تخدم مصالح تلك القوى الخارجية.

والنتيجة أن أفريقيا وقعت ضحية التنظيمات المتطرفة والمصالح السياسية معا، حتى تحولت تلك الجماعات إلى جيوش مستقلة تسيطر على أقاليم كاملة في دول الساحل والصحراء. لقد أصبحنا اليوم أمام تهديد وجودي للقارة؛ حيث تشكل “حزام متطرف” يمتد من الصومال في الشرق إلى قلب غرب أفريقيا.

هذا الحزام الإرهابي “يشطر” القارة الأفريقية حرفياً، ويمثل إرهاصاً خطيراً لزحف مرتقب نحو الشمال؛ حيث يلتقي هؤلاء مع بؤر الإرهاب وجماعات الإسلام السياسي في شمال أفريقيا. نحن أمام خطر داهم؛ فأفريقيا التي كانت يوماً بستاناً للإسلام الهادئ، أصبحت اليوم منجماً ينفجر بالإرهاب.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading