أزمة كبرى في طهران

"Freedom" in Persian

كل عام وأنتم بخير، و مرحبًا بكم مجددًا في نشرة MBN الخاصة بإيران، الإصدار الجديد من شبكة الشرق الأوسط للإرسال، المنصة العربية الرائدة في تقديم الأخبار والآراء المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط.

في عدد نهاية العام من هذه الإحاطة، أشرتُ إلى أنّه «في بلدٍ ومنطقةٍ تزخر بالمفاجآت، كلُّ شيءٍ ممكن». ولم أكن أعلم أنّنا على بُعد أيام قليلة فقط من احتجاجٍ صادم قاده تجّار البازار في طهران، وسرعان ما امتدّ إلى معظم أنحاء البلاد. سنواكب آخر التطورات في موجة الاضطرابات المتسارعة والمتنامية في إيران، وسنسعى إلى استشراف ما قد تحمله الأيام المقبلة، في وقت تتبدّل فيه الأخبار لحظة بلحظة.

شاركوني آراءكم وتحليلاتكم وتوقعاتكم عبر البريد الإلكتروني: ailves@mbn-news.com. وإذا وصلتكُم هذه النشرة عبر إعادة توجيه من صديق، ندعوكم إلى الاشتراك. يمكنكم قراءة النسخة الإنجليزية هنا، أو عبر موقعي «الحرة» الإخباريين بالعربية والإنجليزية.

اقتباس الأسبوع

«إن وجودكم في الشوارع في مختلف أنحاء إيران أشعل شرارة ثورة وطنية».

رضا بهلوي، ولي عهد إيران

إيران في عام 2026

تدخل إيران عام 2026 وهي أشبه ببيتٍ مشتعل—مجازًا حتى الآن. فالاضطرابات في الشارع بسبب انهيار الريال وغلاء المعيشة دفعت النظام إلى أكبر أزمة يواجهها منذ موجة احتجاجات 2022–2023. وتتعامل القيادة مع اقتصادٍ راكد، وأسئلةٍ ضاغطة حول الخلافة، ومنطقةٍ نووية «رمادية» محفوفة بالمخاطر، وبيئةٍ إقليمية لا تزال متأثرة بحرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو/حزيران 2025. وسيختبر العام المقبل مدى قدرة النظام على الاستمرار عبر القمع والتصعيد الخارجي المحسوب، قبل أن تتحول حلقة الاضطرابات والانكماش الاقتصادي والتغوّل الأمني إلى عبءٍ لا يمكن التحكم به.

مرصد الاحتجاجات

هذا الأسبوع، أطلق فقرة «مرصد الاحتجاجات»  لتكون ركنًا ثابتًا في إحاطة إيران من MBN  تتابع عن كثب مسار الاضطرابات وتحلل احتمالات التحول الجذري هناك.

دخلت الاحتجاجات الشاملة أسبوعها الثاني، متوسّعة من تمرّدٍ اقتصادي إلى تحدٍّ سياسي مباشر للجمهورية الإسلامية. وقد بدأت التظاهرات في 28 ديسمبر/كانون الأول احتجاجًا على التضخم المتصاعد وتأخر الأجور، ثم امتدت إلى ما لا يقل عن 27 محافظة من أصل 31، بمشاركة تجّار البازار، والعمّال الصناعيين، والمعلمين، والطلاب. وتقول منظمات حقوقية إن قوات الأمن صعّدت حملتها القمعية بشكلٍ حاد منذ خطاب المرشد الأعلى علي خامنئي في 3 يناير/كانون الثاني، الذي وصف المحتجين بـ«المخرّبين». وأطلقت قوات الأمن والشرطة النار على المتظاهرين ونفذت اعتقالات جماعية، بل حتى داهمت مستشفيات تعالج المصابين. وأُفيد بمقتل ما لا يقل عن 36 شخصًا واعتقال الآلاف.

وقد انخرط رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير من منفاه، في موجة الاحتجاج الحالية بصورةٍ أكثر مباشرة من أي وقتٍ مضى منذ انتفاضة مهسا (جينا) أميني في 2022–2023. ففي رسالة بتاريخ 2 يناير/كانون الثاني دعا إلى «ثورة»، وحثّ سكان طهران على تنظيم «حضور متزامن بمليون شخص» في أنحاء العاصمة، عبر قطع الطرق الرئيسية و«السيطرة على الشوارع» لإرباك قوات الأمن. وتلت ذلك بيانات وأنشطة إعلامية دعت إلى أساليب احتجاج منضبطة، من بينها هتافات مسائية منسّقة وإقامة متاريس في الشوارع.  من جهتها، دعت جماعات معارضة كردية إلى إضرابات عامة على مستوى البلاد.

داخل إيران، يقترب ناشطون في المجتمع المدني من الدعوة العلنية إلى انتقالٍ سياسي. فقد طالب بيانٌ مشترك وقّعه سبعة عشر ناشطًا سياسيًا واجتماعيًا—من بينهم الحائزة على نوبل نرجس محمدي والمحامي المسجون محمد نجفي—بـ«الانتقال بعيدًا عن الجمهورية الإسلامية»، وفق تعبيرهم. كما أصدرت منظمات للمعلمين والكتّاب والعمّال بيانات تؤيد الاحتجاجات. وتعهد الرئيس مسعود بزشكيان بالحوار حول أزمة غلاء المعيشة، لكن هامش حركته يبدو ضيقًا، فيما يشدد الجهاز الأمني قبضته. ترقّبوا التطورات—فهذا الحراك لن يخمد قريبًا.

إيران: خمسة أمور للمتابعة في 2026

إنه عام حافل بالفعل ولم يكد يمضى منه سوى ثمانية أيام. لكن بالنظر إلى الأمام، تتضح المحاور التي ستشكّل ملامح 2026. وهذه خمسة منها:

1. الاحتجاجات وردّ النظام

سيارة مقلوبة وعدة حرائق تشتعل بينما يهتف محتجون خارج مركز شرطة في محافظة لورستان بإيران.
الصورة: رويترز

مع موجة الاضطرابات الراهنة، تبرز ثلاثة أسئلة أساسية: هل سيواصل تجّار البازار وغيرها من القواعد التقليدية الانخراط؟ وهل يحافظ الطلاب والعمّال على إضرابات مستدامة؟ وإلى أي حدّ يستعد الجهاز الأمني للذهاب في قمع الاعتراض العلني؟

الجديد في 2026 هو أنّ هذا الغضب يتغذّى على تحوّلٍ أعمق وأبطأ في أنماط المعارضة. فقد طبّعت انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» أفعال التحدي اليومية، من خروج النساء غير المحجبات في شوارع المدن الكبرى إلى شبكات الأحياء التي تنظّم نفسها حول مطالب محلية.

وتجسّد هتافات تربط سبل العيش بالسياسة الخارجية—مثل «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران»—رفضًا أوسع لأولويات النظام ومشروعه الأيديولوجي طويل الأمد. فالغضب أعمق من أسعار الصرف والأسعار. لقد سئم الإيرانيون وفاض بهم الأمر.

يحاول النظام اعتماد نبرة تصالحية. إذ تقول المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن «إقامة آلية للحوار مع الناس… تشير إلى اعتراف الحكومة بهذه الاحتجاجات»، مضيفة أنها «فرصة لإصلاح وتعزيز القاعدة الاجتماعية بما يعزز أساس الحوار».

لكن الشارع لا يتجاوب. فالردّ على «آليات الحوار» يتمثل في قنابل مولوتوف، وإحراق المصارف، ورشق شرطة مكافحة الشغب بالحجارة.

إذا استمر الاضطراب بهذا الحجم أو توسّع، فسيضيّق خيارات النظام. فأي تعديل اقتصادي جدي سيكون مؤلمًا على المدى القصير، بينما التراجع قد يشجّع المحتجين، ما يزيد إغراء تصدير الضغط عبر اختبارات صاروخية أو هجمات بالوكالة أو مناورة نووية—كما في دورات سابقة.

أهم مايجب مراقبته في 2026: هل يواصل تجّار البازار والقواعد التقليدية التعبئة، أم يتراجعون مع استقرارٍ نسبي للعملة؟ هل ينتقل الطلاب والعمّال من احتجاجات متقطعة إلى إضرابات مستمرة مؤثرة؟ وهل يستقر خيار الدولة على قمعٍ دوري، أم تفرض في مرحلة ما إغلاقًا أمنيًا شاملًا؟

2. اقتصاد على حافة الانهيار

أشخاص يسيرون في سوق محلية بطهران مع تراجع حاد في قيمة الريال الإيراني.الصورة: رويترز

تواجه إيران أحد أعلى معدلات التضخم في العالم وعملةً آخذة في الهبوط. وتقدّر أرقام صندوق النقد الدولي وغيرها ارتفاع أسعار المستهلكين بأكثر من 40% في 2025، واستمرارها فوق هذا المستوى هذا العام، مع تصاعد أكبر في أسعار الغذاء. وتُظهر البيانات تضخمًا سنويًا يقارب 50% في خريف العام الماضي، بينما يحذّر بعض المحللين من إمكان اقترابه من 60% ما لم تحدث تغييرات كبيرة في السياسات.

وتنضم إيران اليوم إلى فئة التضخم المرتفع نفسها التي تضم السودان والأرجنتين وفنزويلا، وجميعها تعاني عملاتٍ منهكة وركودًا عميقًا.

ويمثل الانهيار الأخير للريال حلقة في مسار تراجعي طويل قضى على الأجور الحقيقية وقوّض أسس الإدارة الحكومية. وعلى مدى العامين الماضيين سجّل الريال أدنى مستوياته مرارًا في السوق المفتوحة، ما استنزف الدخول ودفع صغار التجار إلى حافة الإفلاس، حتى قبل إضرابات البازار الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، حوّلت ندرة المياه المزمنة، وانقطاعات الكهرباء، وتدهور البنية التحتية، كثيرًا من المدن الإقليمية إلى بؤر تتلاقى فيها المظالم الاقتصادية والبيئية والأمنية.

ولا تزال العقوبات المرتبطة بالبرنامج النووي والتدخلات الإقليمية تخنق الاستثمار والوصول إلى العملات الصعبة. ويحاول النظام الصمود عبر حلولٍ مرتجلة—كأسعار صرف متعددة، ودعمٍ عشوائي، وبيع نفطٍ خارج الدفاتر عبر وسطاء. قد تنتشل هذه الإجراءات النظام من الغرق إلى حين، لكنها تزيد فوضى الأسعار وتدفع مزيدًا من الاقتصاد إلى الظل، بما يشتري الوقت ويغذّي الفساد ويعمّق عدم المساواة.

مخاطر 2026 على النظام تكمن في فشل هذه المسكّنات، ما يفرض إما تصحيحًا فوضويًا، أو تشديدًا أكبر على المواطنين يغذّي حلقة السخط ويؤدي إلى مزيد من الاضطراب.

أهم ما يجب مراقبته في 2026: هل يتراجع التضخم إلى نطاق 20–30% أم يبقى عالقًا عند 40–50%؟ هل تتجه الحكومة إلى سعر صرف واحد أكثر شفافية، أم تواصل متاهة الأسعار الرسمية وشبه الرسمية والسوق السوداء التي تكافئ أزلام النظام وتربك الجميع؟ ومتى تتحول إخفاقات المياه والكهرباء والسلامة في الأقاليم إلى موجات احتجاج جديدة تعجز قوات الأمن عن تصنيفها كـ«شغب اقتصادي» معزول؟

3. شيخوخة وضعف في أعلى الهرم

المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يشارك في مراسم تأبين قادة عسكريين وعلماء إيرانيين قُتلوا خلال حرب إيران التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، في طهران. الصورة: رويترز.

لم تعرف الجمهورية الإسلامية سوى مرشدين أعلى منذ 1979. فالمرشد الحالي علي خامنئي، الذي يتولى المنصب منذ 1989، سيبلغ 87 عامًا في أبريل/نيسان. ورغم بقائه نشطًا، فإن الشائعات المتكررة حول صحته غذّت التكهنات بشأن الخلافة. ويجدر التذكير بأنه غاب عمليًا عن المشهد العام خلال معظم حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران الماضي، إذ تحصّن في ملجأ وتواصل عبر تسجيلات مصوّرة مسبقة. وقد أضرّ ذلك الغياب بصورة «القائد الأعلى» الحاضر دائمًا، حتى لدى بعض أنصاره.

يجلس خامنئي على قمة مؤسسة هرِمة بوضوح. فمجلس خبراء القيادة، المخوّل اختيار خليفته، تهيمن عليه شخصيات في السبعينيات والثمانينيات من العمر. أما الرئيس مسعود بزشكيان فقد أمضى عامه الأول يتأرجح بين الاعتذار عن محدودية صلاحياته ومناشدة المتشددين منحه هامشًا لتنفيذ وعود اقتصادية متواضعة. وقد عززت مكانته المقيّدة—العالقة بين جمهور غاضب ومراكز قوة غير منتخبة تتحكم بالأمن والقضاء والإعلام الرسمي وجزء كبير من الاقتصاد—الإحساس بالتيه في القمة بدلا من الاطمئنان إلى وجود خطة لما بعد خامنئي.

انتُخب مجلس الخبراء الحالي في 2024، وهو على الأرجح من سيختار خليفة خامنئي. وقد شُكّلت لجنة صغيرة لبحث الخيارات. وتبدو المماحكات بين قادة الحرس الثوري ورجال الدين ودوائر الداخل حقيقية ومعلنة؛ إذ أفاد تحقيق لوكالة «رويترز» العام الماضي بأن مكتب خامنئي وكبار قادة الحرس كثّفوا مناقشات الطوارئ بعد الحرب مع إسرائيل. ومن بين الأسماء المطروحة: مجتبى، نجل خامنئي.

ويرسم بعض المحللين خيارين عامّين: مرشدٌ أعلى قوي جديد على شاكلة خامنئي، أو شخصية أضعف محاطة بمجالس وقادة أمن يتخذون معظم القرارات. الاستمرارية الصلبة تعني مرشدًا ذا سلطات رسمية وغير رسمية واسعة، ومجلس خبراء يلتف سريعًا حوله، وحرسًا ثوريًا يقبل بسلسلة قيادة مألوفة مقابل ضمانات ببقاء ملفاته الاقتصادية والإقليمية. يوفّر هذا الخيار استقرارًا قصير الأمد، لكنه يرسّخ مركزية القرار والجمود الأيديولوجي اللذين أسهما في أزمات اليوم المتداخلة.

وهذا المنصب ليس شكليًا؛ فالمرشد الأعلى هو القائد العام للقوات المسلحة، ويتحكم بالبرنامج الصاروخي، وله سلطة إعلان الحرب. وداخليًا، يستطيع نقض قرارات أي رئيس أو برلمان أو محكمة متى شاء.

أما مسار «الشخص الواجهة» فيقوم على اختيار مرشد لأسباب إدارية أكثر منها كاريزمية، مع إحالة القرارات الجوهرية إلى لجنة قيادة مجلس الخبراء، ودوائر قيادة الحرس، والمجلس الأعلى للأمن القومي، حيث تُدار الأزمات اليومية بالفعل. وقد يجعل هذا المسار المساومات بين الفصائل أهم من كلمة شخص واحد، بما يفضي إلى شللٍ وصراعات نفوذ لغياب مركزٍ يتحمّل مسؤولية تصحيحات مؤلمة.

أهم ما يجب مراقبته في 2026: هل تقصر وتيرة ومدة ظهور خامنئي علنًا أم يضاعف فعاليات مُعدّة بإحكام لإظهار السيطرة؟ هل تُقدِم لجنة الخلافة في مجلس الخبراء على خطوات ملموسة تُضيّق القائمة إلى اسمين أو ثلاثة؟ هل تلوح تعديلات دستورية تنقل الصلاحيات من مرشدٍ واحد إلى مجالس متعددة؟ هل تصطف فصائل رئيسية في الحرس والمؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية علنًا خلف مرشحين بعينهم؟ وهل ينال مسعود بزشكيان هامشًا حقيقيًا لتشكيل السياسة الاقتصادية والأمنية، أم ينزلق إلى دور «كبش الفداء» لقرارات يتخذها آخرون؟

4. «المنطقة الرمادية» النووية

موظف يعمل داخل منشأة نووية في أصفهان، إيران. الصورة: رويترز

على الصعيد النووي، تتجاوز إيران حدود اتفاق 2015 لكنها لا تصل إلى برنامج مُعلن لصنع سلاح. فبحلول أواخر 2025، أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية وحكومات أوروبية بأن مخزون طهران من اليورانيوم المخصّب بلغ نحو 48 ضعف السقف الذي حدده الاتفاق، بما في ذلك أكثر من 440 كيلوغرامًا مخصّبًا بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة تقنيًا من مستوى بناء سلاح نووي. ويقول المفتشون إنهم فقدوا «الاطلاع المنتظم والمتواصل» على أجزاء من البرنامج بسبب قيود المراقبة وأسئلة بقيت من غير أجوبة حول أعمال نووية سابقة غير مُعلنة.

وأبرزت حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل مدى تقلب هذا الوضع. إذ يُقال إن ضربات إسرائيلية وأميركية أصابت عناصر من البنية التحتية النووية والصاروخية لإيران، ما دفع طهران إلى تحصين أصولها وتوزيعها أكثر، مع التأكيد على عدم التراجع عن التخصيب. ويقدّر خبراء مستقلون أن إيران لا تزال تحتفظ بكمية كافية من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، يمكن—إذا رُفعت نسبة تخصيبها—تحويلها إلى «كميات ذات دلالة» من يورانيوم صالح للاستخدام العسكري خلال فترة قصيرة نسبيًا.

في 2026، لن يكون السؤال تقنيا بقد ما هو سياسي: قرارات في طهران وواشنطن والعواصم الأوروبية. وقد لمح مسؤولون إيرانيون إلى «اتفاقات مصغّرة» محدودة تقيد أنشطة بعينها أو تعزز المراقبة مقابل تخفيفٍ انتقائي للعقوبات. وفي المقابل، تناقش إدارة ترامب وأوروبا تشديد الضغط عبر الأمم المتحدة أو التعايش مع «منطقة رمادية متحكم بها» تُبقي إيران قرب العتبة دون القنبلة. ويرتبط اختيار أي من هذه المسارات مباشرة بالصراع الداخلي، حيث يصوّر المتشددون أي تسوية كإذلال، بينما يحمّل كثير من المحتجين العزلة الناجمة عن العقوبات مسؤولية تدهور حياتهم.

وتشير تقديرات أيضًا إلى أن طهران تركّز على استعادة قدرات إنتاج الصواريخ الباليستية أكثر من إعادة بناء برنامجها النووي.

أهم ما يجب مراقبته في 2026: هل تُظهر تقارير الوكالة تباطؤًا أو تجميدًا أو تسريعًا لتخصيب يتجاوز نسبة 60% ونمو المخزون؟ هل ستسمح طهران للمفتشين بحرية الرقابة و«الاطلاع المتواصل المنتظم»؟ هل تتجه واشنطن وأوروبا إلى اتفاقٍ مصغّر محدد السقف أو إلى قرارات عقوبات جديدة؟ وكيف ينعكس أي تحرك نووي سريعًا في الشارع الإيراني باحتجاجات جديدة تُحمّل النظام والعقوبات معًا مسؤولية تدهور المعيشة؟

5. السياسة الخارجية بعد حرب الأيام الاثني عشر

الرئيس الفنزويلي آنذاك نيكولاس مادورو يصافح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة «بريكس» في قازان بروسيا، أكتوبر/تشرين الأول 2024. الصورة: رويترز

إقليميًا، خرجت إيران من حرب العام الماضي مع إسرائيل مكشوفةً ولكنها أجرأ في الآن نفسه. وقد أجبرت الحرب الخصوم على كشف أجزاء من «أساليبهم وأدواتهم»: مدى الاستعداد للضرب، وسرعة التدخل الأميركي، مثلًا. وتقول تحليلات عسكرية إن الحرب كشفت ثغرات في الدفاعات الجوية وأنظمة القيادة الإيرانية، وربما دفعت إلى إعادة التفكير في الردع.

شبكة الوكلاء الإيرانية صمدت على مدى عامين من هجمات واغتيالات سرية، لكنهم يبدون الآن مشتتين وأقل انضباطا. فقد تضرر «حزب الله» والميليشيات العراقية والحوثيون وفصائل فلسطينية موالية لطهران قبل الحرب وخلالها. أُصيبت أو كُشفت مواقع إطلاق ومنشآت لوجستية، وخفّفت بعض الجماعات من خطابها الناري مؤقتا أو صمتت، بينما خاضت أخرى اشتباكاتها الخاصة بمعزل عن رغبات طهران.

وما نتج عن عامٍ من الحرب الاستنزافية ليس محورًا منضبطًا يسير على إيقاع طهران، بل كوكبة أوسع من الجماعات التي لا تزال تعتمد المال والهوية الإيرانية، لكنها باتت تركّز على سياسات محلية واتقاء الضربات. وهذا يترك لطهران نفوذ ردع أقل مما كانت تتصور تجاه إسرائيل والولايات المتحدة.

وقد عقّد تركيز روسيا على أوكرانيا وتراجع موقعها في سوريا رقعة الشطرنج الإقليمية، لكن موسكو وبكين لا تزالان توفّران لطهران غطاءً اقتصاديًا ودبلوماسيًا مهمًا دون تحالف رسمي. وتوجد إيران ضمن «محور غير رسمي للدول الخاضعة للعقوبات»، بعقود نفط وسلاح ومقايضات مع روسيا والصين وكوريا الشمالية. غير أن تباين المصالح والعقوبات الثانوية الأميركية يُبقي هذه الشراكات في إطار المصلحة التعاقدية أكثر منها قائمة على الثقة.

قد تتبدّل الظروف بين ليلة وضحاها. فحتى صباح 3 يناير/كانون الثاني، كانت فنزويلا تُعدّ قاعدة إيران الأساسية في أميركا اللاتينية—لتسويق نفط خاضع للعقوبات، وبناء واختبار مسيّرات، ونقل أموال، وتوفير منصة شبه آمنة لشبكات مثل «حزب الله» بعيدًا عن الشرق الأوسط. ويهدد سقوط مادورو هذه المنظومة برمتها، محوّلًا مشاريع إصلاح المصافي المدعومة إيرانيًا، وصفقات مقايضة الوقود، ومصانع تجميع مسيّرات بتصميم إيراني، ومخططات التمويل السرية من أصولٍ محمية إلى التزامات مكشوفة، ومقلصًا قدرة طهران على إظهار القوة والالتفاف على العقوبات في نصف الكرة الغربي.

في 2026، ستتجاذب السياسة الخارجية الإيرانية ثلاثة ضغوط: استعادة الردع، والحفاظ على شركاء نشطين دون أن يصبحوا غير قابلين للضبط، والضرورة الداخلية لتجنب حرب لا يحتملها الاقتصاد. ومع نهج أميركي أكثر صرامة، وإبقاء إسرائيل الخيارات العسكرية على الطاولة علنًا، واستمرار دول الخليج في الموازنة بين المواجهة وخفض التصعيد—ناهيك عن جمهورٍ لا شهية له لمغامرات خارجية على حساب «الخبز اليومي»—سيكون هامش الخطأ ضيقًا للغاية.

أهم ما يجب مراقبته في 2026: هل تشير اختبارات الدفاع الجوي والصواريخ أو شن ضربات جديدة بعيدة المدى إلى اعتقاد طهران أنها عالجت ثغرات حرب الأيام الاثني عشر؟ هل يواصل «حزب الله» والميليشيات العراقية والحوثيون وجماعات مشابهة إطلاق النار بتنسيقٍ مع إيران، أم ينصرفون إلى صراعات وتسويات محلية خاصة؟ هل تعمّق روسيا والصين وشركاء آخرون خاضعون للعقوبات شرايين النفط والسلاح والتمويل لطهران، أم يخفّفون التعاون تفاديًا للضغط الأميركي، خصوصًا بعد صدمة سقوط مادورو في كاراكاس؟ وهل يتقبّل جمهور إيراني أفقر ومُرهَق من الحرب عامًا آخر من حافة الهاوية في الخارج، أم يبدأ بالتصدي لمغامرات تهدد ما تبقى من الاقتصاد في الداخل؟

الخلاصة

ما يجمع هذه الخيوط الخمسة هو ضيق هامش المناورة المتاح للنظام. فمجتمعًا أفقر وأكثر تواصلا وأشدّ تحديًا يصطدم بقيادة هرِمة، واقتصادٍ تُمسكه حلول مؤقتة، وبرنامجٍ نووي في المنطقة الرمادية، وسياسة خارجية تُبقي إيران على حافة حرب مفتوحة دون تجاوزها.

في 2026، لم يعد السؤال ما إذا كانت إيران قادرة على «التدبّر»، بل كم من هذه الضغوط يمكن أن يبلغ ذروته في آنٍ واحد قبل أن ينفلت شيءٌ ما.

 

أندريس إلفيس

أندريس إلفيس هو مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال. وتشمل خبراته الصحفية عقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading