معضلة التراث

ماذا نفعل بالتراث الديني؟ هذا ما يناقشه إبراهيم عيسى في حلقته لهذا الأسبوع على منصات “الحرة”.

يعرض الكاتب والصحافي المصري الجدل القائم حول التراث الديني بين الداعين إلى الحفاظ عليه وتبينه كما هو، والمطالبين بإزاحته تماما. ويعرض رأيه الخاص في هذه القضية الخلافية.

النص التالي يعرض أهم ما جاء في الحلقة، بعد إعادة تحريره لتسهيل القراءة:

سيقال لك كثيرا إن التراث الديني أو التراث الإسلامي، لا بد من الحفاظ عليه تماما لأنه جزء من الحضارة الإسلامية العظيمة، بل هو الحضارة ذاتها، لذلك لا يجب أبداً أن يُمس هذا التراث. وعلى الناحية الثانية، هناك من يقول لك إن التراث لابد من إزاحته لأنه معطل كبير للتقدم والتجديد، سواء تجديد الفكر أو حتى تجديد الفقه. يرى هؤلاء أن الحل الوحيد هو إزاحة التراث خارج المشهد.

بين هذين الاتجاهين، يوجد اتجاه ثالث يقول: لا، نحن نفعل الأمرين معاً؛ نقرأ التراث ونعيشه وندرسه ونحترمه، لكن دون أن نقدسه أو نبجله أو نمجده أو نعظمه، أو حتى نتعبد به في ديننا. ومن جهة أخرى، ننتج من هذا التراث أفكاراً مغايرة ومتجددة وإصلاحية تزيح ما هو مظلم ومعتم داخل هذا التراث. نحن بهذا نحافظ على التراث وفي نفس الوقت نجدد ونغير فيه.

إذن، نحن أمام ثلاث رؤى: رؤية تقول إن التراث يبقى كما هو، نقدسه ونتعامل به كما جاء وكما نُص عليه، وهؤلاء هم السلفيون والتقليديون. وهناك شخصيات ثورية جداً في مفهومها للدين وللتجديد الديني، ترى أن إزاحة التراث ورمي عبئه عن أكتاف المسلمين هو الذي سينقذ مشهد المستقبل والحاضر. وهناك البعض “التوفيقي” – الذي يتهمه البعض الآخر بأنه “تلفيقي”- ورأيه هو الجمع ما بين التراث وبين القراءة العصرية؛ فلا يمكن استبعاد هذا التراث أو القطيعة معه إطلاقاً، لأنه تراث إنساني وتراكم بشري وعقلي وفكري وتاريخي.

بين “النمل” و”النحل”

يتعامل أصحاب الرؤية التوفيقية مع التراث باعتباره “منجماً”. والمنجم تدخل إليه لتأخذ من الصخور وتستخلص ذهباً أو نحاساً أو معادن؛ فالتراث هو الصخر الذي بداخلة أشياء ثمينة يمكن استخلاصها من هذا الحجر أو هذا الجبل. لكن قبل ذلك، ما هو التراث أصلاً؟

على سبيل المثال، الشيخ بن باز – شيخ السلفية الوهابية الكبير- يعتبر أن القرآن نفسه تراث. يقول إنه لا يعلم مانعاً من تسمية القرآن والسنة النبوية “تراثاً إسلامياً”، لأن الرسول ورثنا إياهما، والله سمى القرآن “إرثاً” في قوله: “ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا”؛ فالإرث هو البقية التي أبقاها لنا نبينا. هذا هو كلام بن باز.

لكن في حقيقة الأمر، لا يمكن اعتبار الكتاب المنزّل المنزه الموحى به من الله عز وجل كتاباً للتراث أو جزءاً من التراث؛ فالكتاب إلهي ومقدس. أما التراث، فهو كل ما تعلق بهذا الكتاب من مفاهيم إنسانية: تفسير، حديث، فقه، وكل المشروع الديني الذي جاء بعد ذلك. كل هذا اسمه تراث أورثتنا إياه تلك الأجيال التي أنتجته أو دونته أو تناقلته، ونحن نرث هذا الإرث، لكن علينا أن نعي تماماً أنه ليس هو “الدين”، بل هو مفهوم هذه الأجيال عن الدين.

لهذا أميل للنظرية التوفيقية التي تنظر للتراث ولما فيه من أفكار وفتاوى وكتابات ورؤى، وتخرج منه الأثمن والأفضل والأوفق مع القرآن والعقل والعصر، لننتج نحن تراثنا الجديد الذي يكون ابن هذا العصر. وهذه النظرية هي ما نسميها – وهي ليست نظريتي وحدي – “نظرية النمل والنحل”.

لقد تحدث الدكتور زكي نجيب محمود في كتابه العظيم “قيم تراثنا” عن فكرة التعامل مع التراث بطريقة النمل أو بطريقة النحل. النمل ينقل قطعة السكر من مكان إلى مكان التخزين بشكل طابور منتظم، وهي عملية معقدة وآلية ومنضبطة جداً، لكنها لا تُحيل المنقول إلى شيء آخر؛ فهو يحمل السكر ويصل به إلى مشواره دون تغيير. هذه هي طريقة النمل: حمولة لا تغير في المحمول.

أما طريقة النحل، فهي تذهب للأزهار والرياحين وتستخلص منها ما تريد؛ النحلة لا تأخذ الزهرة وتطير، بل تأخذ من الزهرة والوردة رحيقها لتنتج عسلاً. هذا هو مفهوم النحل الذي يجب أن نتبعه مع التراث، بينما السلفيون يعملون بطريقة “النمل”.

جناية التزييف

مشكلتنا الكبرى تكمن في تحويل التراث إلى مرجعية مطلقة ومقدسة ومبجلة لمجرد أنه مكتوب منذ ألف سنة أو أكثر. قد يكون هذا الكلام المكتوب متخلفاً جداً ومظلماً ومعتماً، وكونه تراثاً لا يعني أن يقدّر، بل أحيانا يجب أن يُلقى ويُرمى من العقول.

هناك أيضا مسألة مهمة: البعض يعتقد أن فكرة “تنقية التراث”، تعني إحضار الكتاب التراثي وحذف الكلام الذي لا يعجبنا منه.

هذا ما فعلته بعض المؤسسات الدينية في مصر عندما طلب الرئيس السيسي تجديد الخطاب الديني؛ ذهبوا للمناهج التي يُدرسونها في المعاهد والكليات وقاموا بحذف فتاوى، مثل “حلال أكل لحم الأسير إذا لم يوجد طعام”، وأشياء غرائبية وخرافية أخرى. لكن هذا ليس تجديداً؛ فلا يوجد شيء اسمه “تنقية التراث” بمعنى أن أشطب ما لا يعجبني من الكتاب.

المفروض هو الحفاظ على الكتاب والتراث باعتباره قيمة تاريخية؛ يبقى الكتاب كما هو، والأفكار كما هي، والوثيقة كما هي. أنا ضد هذه التنقية تماماً. لأن هناك أيضاً “تنقية عكسية” حدثت؛ فكل ما هو مستنير تم حذفه من كتب ابن تيمية عندما أعيد طبعها بالشكل السلفي الوهابي. ابن تيمية لديه جوانب غرائبية وعجائبية، وفي بعض الأشياء هو متنور جداً، وفي أشياء أخرى هو شديد الظلامية والدموية والعنصرية والتعصب. السلفيون قاموا بحذف الجوانب “المتنورة” من كتبه وأعادوا طباعتها لتعميم نسختهم الخاصة من ابن تيمية.

أنا ضد الأمرين معاً؛ يجب أن يبقى الكتاب كما هو، كوثيقة تاريخية، لكن نناقش هذا الكلام ونقول إنه مظلم ولا ينتمي للعقل ولا يتفق مع القرآن. لا ننقي، ولا نحذف. الخطر يكمن في الخلط ما بين الديني والتاريخي؛ فالتراث منتج إنساني بشري، بينما الشيء الوحيد الذي هو منتج ديني إلهي هو القرآن الكريم. الآية القرآنية إلهية، أما تفسير الطبري، أو ابن كثير، أو الزمخشري، أو سيد قطب فهو تفسير بشري، وأنا ملزم بالآية وليس بالتفسير البشري.

المثلث الأسود

عندما نتحدث عن التراث، فنحن لا نتحدث فقط عن فكر وفقه، بل نتحدث أيضاً عن تاريخ وصل لدرجة التقديس والتبجيل، ويُقدم باعتباره “مدينة فاضلة” أو نموذجاً مثالياً. مشكلتنا مع السلفيين والتقليديين الذين يدعون الوسطية في تقديس التراث هي أنهم يصنعون لنا “المثلث الأسود”.

هذا المثلث الأسود له ثلاثة أضلاع معتمة:

الضلع الأول: هو اعتبارهم أن الماضي كان عظيماً ومجيداً وفاضلاً ومثالياً وعلى درجة من النقاء والطهارة، وأنه “ماض ذهبي”. وهذا ليس حقيقياً إطلاقاً ولا صلة له بالحقيقة؛ فالماضي كان إنسانياً بشرياً فيه المشرق وفيه الدموي والأسود والرهيب في بشاعته. لكن تمجيد التراث يجعل هذا الضلع يبدو طاهراً ومبجلاً.

لضلع الثاني: إذا كان الماضي عظيماً، فلا بد أن يعود. ومن هنا تأتي فكرة “السلفية” والعودة للسلف الأول، تحت دعوى “ما صلح به أوله يصلح به آخره”. أي “عصر أول” يتحدثون عنه؟ الصحابة حاربوا بعضهم وقتلوا بعضهم بالآلاف في فتن وصراعات. يتحدثون عن عظمة التراث وتاريخ فيه “مذبحة البرامكة” و”كربلاء”، واستباحة المدينة المنورة لثلاثة أيام في عصر يزيد حتى قيل إن ألف امرأة حملت سفاحاً. هذا هو الماضي الذي يصرون على عودته.

الضلع الثالث: إذا كان هذا الماضي العظيم يجب أن يعود، فيجب أن يعود حتى “ولو بالقوة”، وهنا يظهر الإرهاب. الإرهابي يريد العودة لهذا الماضي الذي قيل له في التراث إنه عظيم، ويمجد الأئمة والفقهاء وعصور الغزوات والاحتلال التي سميناها “فتحاً” وكانت تعتمد على قوة عسكرية مهيمنة.

الكارثة السوداء هي تقديم التراث كشيء مقدس بكل فروعه وتفاصيله وتاريخه، مما يؤدي للتجمد عند هذه الأفكار القديمة وتمني العودة إليها.

الحل هو أن نعود للتراث لنقرأه ونميز ما فيه من ضوء وما فيه من عتمة، ونحدد ما يناسبنا وما لا علاقة له بنا. التراث فعل إنساني نحترم فيه الاجتهاد البشري، لكنه لا يساوي لدينا مثقال حبة خردل أمام القرآن والعقل.

علينا أن ننتج مشروعنا الجديد الذي يطور ويقدم، ويكون التراث “المنير” في خلفيته، وحتى التراث “المظلم” يكون داخل رؤيتنا لنتجنبه ونتجاوزه وننقضه ونخلعه من وجداننا ودماغنا. العودة للتراث مطلوبة، لكن السؤال هو: أي عودة؟ وبأي طريقة؟ هل سنختار طريقة النمل أم النحل؟ بالنسبة لي: إنه النحل يا عزيزي.

إبراهيم عيسى

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading