يطرح الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى في هذا المقال سؤالا حول ما يسميه “التحالف الشيعي السلفي”، كاشفا عن التقاء تيارين، متخاصمين في مسائل كثيرة، على خطاب واحد ينتقص من المرأة. يناقش عيسى جذور هذا الموقف في التراثين السني والشيعي، ويفكك التناقض بين شعارات تكريم المرأة والتأويلات الفقهية التي تحقر عقلها ودينها، في مواجهة مباشرة مع روح القرآن وسياقه.
هذا النص مُعاد تحريره عن حلقة من برنامج إبراهيم عيسى على منصات “الحرة” الرقمية، مع الحفاظ قدر الإمكان على حرفية الطرح كما قُدم على الشاشة.
يدهشك هذا الإجماع الغريب بين سلفية السنة وبين الشيعة على الانتقاص من المرأة. فعلى الرغم مما بين الطرفين من خصام حاد، يصل أحياناً إلى درجة العداء المفرط والهوس بالخصومة، إلا أن هذين القطبين اللذين يقضيان معظم وقتهما في مهاجمة بعضهما، والتصارع، والتشاتم، واللعن، تجدهما متحالفين تماماً حين يتعلق الأمر بالمرأة. التراث السني السلفي يظهر هنا كحليف قوي جداً للتراث الشيعي في الموقف من المرأة، وفي الانتقاص من مكانتها، ومن دينها، وعقلها.
نحن أمام حالة واضحة من حالات “تبضيع” المرأة، أي تقديمها كبضاعة، رغم أن الطرفين يعيشان صخباً شديداً في الحديث عن أن الإسلام كرّم المرأة، وأنه تعامل معها باعتبارها كائناً مكرّماً، ويستشهد علماء الطرفين دائماً بعبارات من قبيل “رفقاً بالقوارير”، وأن النساء “شقائق الرجال”. لكنهم في الوقت نفسه، يصدرون الفتاوى والأحكام التي تنتقص منها، ويقرأون الدين والنص المقدس بتفسيرات تؤدي عمليا إلى تحقير المرأة. وهنا يحق لنا أن نسأل: “يا أخي، ارسِ على بر”، ما هذا الانفصام؟ عندما تقول لي إن المرأة ناقصة عقل ودين، فأين هو التكريم؟ أريد أن أفهم: أين التكريم في هذا الكلام؟ ثم إنهم ينسبون هذا كله إلى النبي الكريم، وكأنهم يتحدثون باسمه.
وعندما ننتقل إلى التراث الشيعي، نجد أنه يكاد يكون مرآة للتراث السني في هذا الموقف، رغم العجب الشديد هنا. فالمذهب الشيعي بأكمله يقوم على امرأة: السيدة فاطمة عليها السلام. العمود الفقري الذي يستند إليه المذهب الشيعي هو فاطمة وأبناؤها، فإذا بك، وأنت الذي يقوم مذهبك على هذا البناء الرمزي الصلب، تنشغل على الدوام بانتقاص المرأة وتحقيرها وإهانتها. إنه أمر غريب وغرائبي إلى حد بعيد، حتى إن مفهوم “الإمامة” في المذهب الشيعي تغيب عنه المرأة تماماً؛ فالمذهب قائم رمزياً على امرأة، لكننا لا نجد النساء حاضرات في مشهد الأئمة إطلاقاً.
تفكيك العقل النصي: مأزق “نهج البلاغة” وشروحه
سأعتمد في هذا السياق على كتابٍ مهم للباحث الأستاذ محمد الخباز بعنوان “صورة المرأة في التراث الشيعي: تفكيك لآليات العقل النصي”، وذلك فيما يتصل بالإحالات إلى التراث الشيعي وشروحه، وفي مقدمتها كتاب نهج البلاغة. وأول ما يلفت النظر هنا هو ما يرد في “نهج البلاغة” المنسوب للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فعندما تقرأ ما يُنسب إلى سيدنا علي، تجد مثلا خطبة تقول: “إن البهائم همها بطونها، وإن السباع همها العدوان على غيرها، وإن النساء همهن زينة الحياة الدنيا والفساد فيها”.
هل يمكن لعاقل أن يتخيل أن الإمام علي بن أبي طالب يقول هذا الكلام عن المرأة؟ نحن هنا أمام سياق يقارنها بالبهائم والسباع. وعندما نرى أحاديث في البخاري وغيره تنتقص من المرأة وتُنسب إلى النبي، ندرك أننا أمام حالة “تقوّل” وتزوير وتكاذب على النبي الكريم وعلى الإمام علي، عبر نسبة أفكار إليهما تخالف القرآن الكريم بشكل صريح. هل يعتقد أحد أن علي بن أبي طالب سيقول كلاماً لا يمت للقرآن بصلة؟ القرآن كرّم الإنسان، فكيف ينتقص من المرأة وهي إنسان؟
في شروح نهج البلاغة، يقول الشيرازي مثلاً إن “النساء نواقص الإيمان شرعاً، وذلك تبع لنقصان عقولهن”، ويدّعي أن الإيمان الكامل لا يصل إليه إلا الرجل. من قال لكم هذا الكلام؟ من قاله للسنة؟ ومن قاله للشيعة؟ ثم يأتي الموسوي في شرحه ليبين نقص إيمان المرأة بأنها تقعد عن الصلاة والصيام أيام الحيض. إنها القصة ذاتها، والوجه الآخر نفسه للسلفية. أنتم تتشاجرون على ماذا تحديداً؟ اجتمعوا وهاجموا المرأة، وأريحوا أعصابكم جميعاً.
إن ادعاء أن المرأة ناقصة عقل ودين هو افتراء لم يقله النبي، ولا يمكن أن يقوله، لأن القرآن لا ينص على ذلك إطلاقاً. وحتى أحكام الميراث، والقوامة، والشهادة في القرآن كانت سياقات زمنية تاريخية؛ فالمرأة كانت تُعامل بوصفها متاعاً عند عرب الجزيرة، وكان على القرآن أن يسير بهم خطوات تدريجية وتوجيهية في ذلك الزمن. لكن إذا قرأت القرآن ككل، ستجد مساواة كاملة أمام الله سبحانه وتعالى. فمن أين جئتم بفكرة نقص العقل هذه؟ وحتى طبياً وعلمياً، العلم يقول إن هذا الكلام جهل محض، ولا يوجد أي نقصان عقلي يخص جنساً دون آخر.
بين ذكاء “الكيد” وتاريخية القيادة
إذا كنتم تحتجون بالتاريخ، فلننظر إلى تاريخ الإسلام الأول. أم سلمة، أم المؤمنين، حين أشارت على النبي الكريم في صلح الحديبية بأن يفعل شيئا ما ليطيعه الصحابة، بعد أن واجه صعوبة في إقناعهم؛ استمع النبي لنصيحتها بكل حكمة ونبوة، ونفّذها، فأطاعه المسلمون. إذا كانت المرأة ناقصة عقل، فكيف استشارها النبي وأخذ برأيها؟
وإذا كانت المرأة ناقصة عقل ودين، فلماذا خرجتم، يا أهل السنة والجماعة، وراء السيدة عائشة رضي الله عنها في موقعة الجمل؟ ولماذا تعظمون أيها الشيعة السيدة فاطمة عليها السلام وتضعونها في مصاف مريم وزوجة فرعون؟ الحقيقة أن نقصان العقل يخص الرجل المتعصب الذي يعجز عن رؤية الوقائع؛ فالحياة، والمجتمعات، والتاريخ كلها تقول غير ذلك. كم من زعيمة قادت دولاً وشعوباً؟ وكم من عالمة، وطبيبة، وجراحة، ومهندسة، وصانعة عظيمة غيّرت وجه التاريخ؟
أما حجة “نقص الدين” بسبب الحيض، فهي حجة واهية. الحيض ظاهرة طبيعية من صنع الله سبحانه وتعالى. وعندما لا تصلي المرأة أو لا تصوم بسببه، فهل هذا نقص في دينها؟ أنت أيها الرجل، حين تجامع زوجتك ولا يحق لك الصلاة إلا بعد الغسل، هل تكون في تلك اللحظة ناقص دين؟ وهل الدين عندك مجرد طقوس وشعائر، أم هو أعمق وأسمى من ذلك؟ المريض الذي يمنعه مرضه من الصيام، هل نسميه ناقص دين؟ ومريض السكري الذي يفطر بنصيحة طبيبه، هل نقص دينه؟ المرأة كذلك تقضي ما فاتها، فلماذا هذا الكيل بمكيالين؟
والأعجب ما يقوله الخوئي في شرحه لنهج البلاغة عن “كيد المرأة”، حين يستشهد بقوله تعالى “إن كيدكن عظيم”. يقول: “المقصود بذلك التحذير عنهن والتنبيه على كيدهن. حيث وصفه الله سبحانه في كتابه العزيز بالعظمة مع أنه جعل كيد الشيطان ضعيفا، حيث قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم. وقال إن كيد الشيطان كان ضعيفا. ولذلك قال أهل العرفان إن من النسوان أحذر من الشيطان”.
يا سيدي، إذا كان كيد المرأة عظيماً، فهذا دليل على ذكائها. الكيد العظيم يعني عقلاً حاضراً، ودراية، وخبرة، وقدرة على التخطيط والتمييز. فكيف تكون ناقصة عقل، ويكون كيدها عظيماً في الوقت نفسه؟ إلا إذا كنا أمام حالة انفصام حقيقي. الكيد العظيم هنا ليس إدانة، بل شهادة لعقل قادر على التدبير، بينما كيد الشيطان ضعيف لأنه يُواجه بالإيمان.
إن هذا السعي الحثيث والمحموم من سلفية السنة والشيعة معاً للانتقاص من المرأة، في الوقت الذي يخطبون فيه عن تكريم الإسلام لها، هو تناقض فاضح. انتبهوا لما تقولون، فأنتم ترددون خطاباً مزدوجاً ومختلاً، يصدر عن “ناقصي عقل” بالمعنى الحقيقي للكلمة. أما نقصان الدين، فلا أجرؤ على الحديث عنه، لأن الله وحده هو من يحكم على دين كل إنسان.


