القلب أم العقل؟

هذا النص مُعاد تحريره عن حلقة من برنامج الكاتب الصحفي، إبراهيم عيسى، على منصات “الحرة” الرقمية، مع الحفاظ قدر الإمكان على حرفية الطرح كما قُدم على الشاشة.

من العبارات المنتشرة جدًا في كلامنا اليومي ومفاهيمنا الشعبية جملة تتكرر دائمًا بين الناس: “ربنا عرفوه بإيه؟” فيجيب الآخر فورًا: “بالعقل”، وكأن المسألة محسومة: الله يعُرف بالعقل.  لكن أنا أقول لك بوضوح: الله لا يُعرف بالعقل. بمعنى أدق: الإيمان ليس بالعقل، الإيمان بالقلب.

سيدنا إبراهيم، أبو الأنبياء، طلب من الله آية تطمئن قلبه. فقال له الله: “أوَلم تؤمن؟”، فأجاب: “بلى، ولكن ليطمئن قلبي”.
لاحظ هنا: ليطمئن قلبي، وليس ليطمئن عقلي، لأن الإيمان مكانه القلب. القلب هو الذي يتلقى الإيمان ويشعر به ويعيشه. أما العقل فله دور لاحق.

ولو فكرنا ببساطة: هل الله موجود أم غير موجود؟ هل يوجد دليل عقلي قاطع ونهائي على أي من الطرفين؟
لا يوجد دليل عقلي حاسم يثبت وجود الله، ولا يوجد أيضًا دليل عقلي قاطع ينفي وجوده. لماذا؟ لأن هذا المجال هو مجال القلب.
الهداية تكون للقلوب، والتوجه إلى الله يكون بالقلب، والإيمان بالله يكون بالقلب.

بعد أن يستقر الإيمان في القلب، يأتي دور العقل. هنا يبدأ العقل في العمل: في حياتك اليومية، في إدارة شؤونك، في فهمك للدين، في تفسير النصوص، في ممارسة الشعائر. وإذا تحدثنا عن الإسلام، فإن فهم القرآن، السنة، الفقه، التفسير، التأويل… كل هذا يتم بالعقل. أما الإيمان نفسه: مصدره وعمقه وجذره، فمكانه القلب فقط.

وفي الوقت نفسه، يجب أن تكون الأمور واضحة: الإيمان غير الدين. الإيمان هو البداية والأصل. تؤمن أولًا، ثم تنتقل إلى الدين وتتعامل معه بعقلك. وهنا يظهر النقاش الدائم حول “العقل والنقل”، ذلك الصراع الذي يُراد به إقناع الناس أن عليهم التسليم دون تفكير، والطاعة دون فهم، وعدم استخدام العقل في الدين.
وهذا هو جوهر الفكر السلفي: “لا تجادل”، “لا تناقش”، “لا تفسر”، “لا تؤوّل”… وكأن العقل لا حق له في فهم النص الديني.

وهنا نصل إلى العبارة المشهورة:” لا اجتهاد مع النص” يرددها كثير من الإسلاميين والتقليديين، وكأنها حقيقة مطلقة. لكن ما معناها؟ هل معناها إلغاء العقل عند وجود نص؟ طيب، كيف نفهم النص أصلًا إن لم نفهمه بالعقل؟

إذن لا بد من الاجتهاد. والاجتهاد معناه: بذل الجهد في فهم النص وتفسيره وتأويله والعمل به. فكيف يقال: لا اجتهاد مع النص؟
بالعكس، لا يمكن فهم أي نص دون اجتهاد، وإلا كيف نطبقه أو نفسره أو نفهم مقصده؟

نفس الإشكال يظهر في قضية الحديث النبوي: السند والمتن. السند هو سلسلة الرواة، والمتن هو نص الحديث نفسه. أصحاب “النقل” يقولون: طالما السند صحيح فالحديث صحيح. لكن أصحاب العقل يقولون: السند وحده لا يكفي. يجب فحص المتن: هل يتفق مع القرآن؟ هل ينسجم مع العقل والمنطق؟ هل يتوافق مع الأخلاق والضمير؟

وبمجرد أن تقول هذا، تُتّهم بإنكار السنة أو الطعن في الحديث! مع أنك تقول بوضوح: أنا أقدّر السند، لكن لا أقبل النص دون عرضه على العقل. العقل هنا ليس خصمًا، بل أداة فهم.

المفارقة أن من يقولون “لا اجتهاد مع النص” هم أنفسهم أكثر الناس اجتهادًا. لكن ضد النص القرآني. يستندون إلى أحاديث ليعطلوا أحكامًا قرآنية واضحة. مسألة الوصية مثلا، سيقال لك: “لا وصية لوارث”، رغم وجود نص قرآني واضح في الوصية.

وعندما تعترض، يقال لك: “أنت لم تفهم الآية، الآية تفهم هكذا”. فهمهم للآية في حد ذاته اجتهاد. فلماذا يُسمح لهم بالاجتهاد ويُمنع عن غيرهم؟

ومثال آخر: قوله تعالى: “النفس بالنفس”، النص واضح (هذا بغض النظر عن الموقف من عقوبة الإعدام). لكنهم يقولون: المسلم يختلف عن غير المسلم، والرجل غير المرأة، والحر غير العبد. من أين جاء هذا التقسيم؟ هذا اجتهاد بشري مرتبط بسياقه التاريخي، وليس نصًا إلهيًا. فلماذا يجتهدون أمام آية، ولا يجوز لغيرهم الاجتهاد أمام حديث.

وكذلك مسألة الدية، سيقولون لك إن دية المرأة نصف دية الرجل، رغم عدم وجود نص قرآني بذلك.

المشكلة أن هناك من يتمسك بالتراث والروايات، ويقف ضد العقل والمنطق. فيقال مثلًا إن الزوج غير ملزم بعلاج زوجته المريضة، أو غير ملزم حتى بكفنها. ويقولون لك: هذا هو الدين. أي دين هذا؟ هل يُعقل أن ينسب مثل هذا الكلام إلى النبي الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق؟

الأئمة أيضا قالوا إن مدة الحمل قد تصل إلى أربع سنوات. هذا كان فهمًا في زمن لم يعرف الطب الحديث ولا العلم. لكن أن يُعاد طرحه اليوم وتبريره، فهذا إلغاء للعقل والعلم معًا.

ونفس الأمر في زواج القاصرات، حيث تُستخدم روايات تاريخية لتبرير زواج الأطفال اليوم. هذا إسقاط مريض لسياق تاريخي على واقع مختلف تمامًا، وتبرير لانتهاك إنساني خطير باسم الدين.

الخلاصة أن بعض المتعصبين يريدون دينًا بلا عقل. مع أن الحقيقة الواضحة هي: الإيمان أصله القلب، لكن الدين لا يقوم إلا بالعقل.

إبراهيم عيسى

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading