يطرح الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى سؤالا إشكاليا طالما قوبل بغضب وحساسية: هل كانت أميّة النبي محمد تعني بالضرورة عدم معرفته القراءة والكتابة؟ في هذا المقال، يناقش عيسى المفهوم لغويا وتاريخيا ودينيا، ويفصل بين إلهية القرآن والسجال حول أميّة النبي.
هذا هو نص حلقة من برنامج إبراهيم عيسى على منصات “الحرة” الرقمية أُعيد تحريره ليناسب القراءة مع الاحتفاظ قدر الإمكان بحرفية النص كما قدمه على الشاشة.
لا أفهم هذا الغضب الشديد الذي ينتاب كثيرين حين يخرج رأي من هنا أو هناك، يقول إن النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن أميا.
وهذا الرأي ـ بالمناسبة ـ قديم، عمره مئات السنين، وليس رأيا حديثا ولا وليد هذا العصر. لكن بمجرد أن يقول به شخص ما تنطلق حمم من الغضب والدفاعات الشرسة التي تكاد تعصف بصاحب الرأي، فيتهم بالتلاعب بالدين، أو التشكيك في تاريخ الإسلام، أو الطعن في النبي، أو حتى التشويش على القرآن.
هناك إصرار وتصميم شديدان لدى كثيرين لإثبات أن النبي كان أميا؛ بمعنى أنه لم يكن يقرأ أو يكتب. وهذا أمر غريب جدا. فمجرد القول إن النبي لم يكن أميا، أو كان يعرف القراءة والكتابة، يصبح عند البعض تشكيكا مباشرا في القرآن، رغم أنه رأي قديم جدا، وموجود في قلب كتب التراث نفسها، بل عند أئمة كبار ناقشوا المسألة، وبعضهم رجّح ببساطة شديدة، وبثقة كبيرة، أن النبي كان يعرف القراءة والكتابة.
ما معنى “الأمي”؟
هل معنى “الأمي” هو فقط أنه لا يعرف القراءة والكتابة؟ نعم، هذا معنى ممكن وجائز. لكن هناك معنى آخر، وهو أنه لم يدرس، أو لم يتلقَّ تعليما نظاميا. وهناك معنى ثالث وهو النسبة إلى “أم القرى”، أي مكة، فيكون أميّاً بمعنى أنه منسوب إلى أم القرى، كما نقول: هذا دمشقي، وهذا مصري.
وهناك أيضاً تفسير يقول إن “الأمي” هو الذي ليس من أهل الكتاب، أي ليس من الأمم التي نزلت عليها كتب سماوية. ومن هنا يكون “الأميون” هم بقية الأمم التي لم تنزل عليها كتب، ويكون “الأمي” وصفا جماعيا ثقافيا ودينيا لتلك الأمم، لا توصيفا فرديا تعليميا.
أنت هنا أمام معانٍ متعددة، ولك أن تختار منها ما تشاء، إذ لا يوجد معنى واحد ملزم بالضرورة.
سيقول قائل: لا، هناك إجماع على أن النبي كان أمياً بمعنى لا يقرأ ولا يكتب، والآية الكريمة تقول: “وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ”. لكن هل تفسير هذه الآية يعني بالضرورة أن النبي لم يكن يعرف القراءة والكتابة؟ ممكن، لكن ليس هذا أمراً قطعياً. قد يكون معناها أنه لم يكن مشتغلاً بالكتب، ولا معنياً بالقراءة والكتابة، ولا معروفاً عنه التأليف أو الخط، حتى لا يجد المبطلون سبيلاً للريبة.
ثم سؤال آخر: لماذا هذا الخوف؟ لماذا نخاف من أن يكون النبي يعرف القراءة والكتابة؟ ما المشكلة؟ هل يشكك هذا في صحة القرآن؟
يقال إن النبي كان تاجراً، والتاجر يملك دفاتر وحسابات، ويسافر في قوافل، ومن والمحتمل أن يعرف القراءة والكتابة. ويُردُّ على ذلك بالقول إن كثيراً من التجار عبر التاريخ كانوا أميين وناجحين. وهذا صحيح أيضا. فلا هذا دليل حاسم، ولا ذاك.
ويُقال أيضاً إن قريش كانت تودع عند النبي أماناتها، ومن الطبيعي أن تُكتب هذه الودائع. ويرد آخرون بأن النبي يمكن أن يكلف من يكتب له. كل هذه احتمالات، ولا شيء فيها قاطع. لا شيء فيها يؤكد أن النبي كان أميا، ولا شيء فيها ينفيه أيضا.
منطق الوحي والواقع التاريخي
يرد في السيرة أن النبي أجاب جبريل بعبارة “ما أنا بقارئ” عندما قال له: “اقرأ”، فهل يعني ذلك أنه لا يعرف القراءة؟ ليس بالضرورة، بل قد تكون تعبيراً عن الدهشة: “ما أنا بقارئ؟”، أي “أقرأ ماذا؟ لا يوجد بين يدي شيء لأقرأه”. نحن دائماً أمام احتمالات وتأويلات، لا يقينيات مانعة للنقاش.
في بعض المرويات، حتى في الفكر الشيعي، يقال إن النبي كان يعرف القراءة والكتابة، بل وقيل إنه يعرف لغات متعددة.
على الجانب الآخر، يقول الواقع التاريخي إن من يعرفون القراءة والكتابة من المسلمين في مكة كانوا قلة قليلة، يُقال إنهم 17 فقط. وفي 13 سنة من الدعوة في مكة، لم يتجاوز عدد من آمن وهاجر 150 شخصاً. هذا السياق يجعل احتمال أمية النبي التعليمية أيضا أمراً منطقياً جداً.
إلهية القرآن ليست رهينة بأمية النبي
لكن السؤال الأهم: ماذا لو كان النبي يعرف القراءة والكتابة؟ ماذا يعني ذلك؟ هل يعني أن القرآن مؤلف بشرياً؟ هنا تظهر المشكلة الحقيقية.
حين تُعلّق إيمانك بإلهية القرآن على كون النبي لا يقرأ ولا يكتب، فأنت في الحقيقة تبني إيمانك على أساس هش. القرآن أعمق وأبعد من هذا بكثير.
بالنسبة لي، حتى لو كان النبي يقرأ ويكتب، بل حتى لو كان شاعراً ـ وهو ليس كذلك ـ بل حتى لو كان أعظم شعراء العرب، لما استطاع أن يأتي بهذا القرآن. لأن النبي لا يكذب، ولا يزوّر، ولا يدّعي. ولأن القرآن، من أول قراءة، لمن له قلب حي، يُدرك أنه كتاب إلهي.
القرآن كتاب شديد التركيب، بالغ التعقيد، متفرد في لغته وبنائه وروحه. التحدي ليس في آية أو سورة فقط، بل في كتاب كامل نزل على مدى 23 سنة، متماسكاً، حاضراً، مؤثراً، حيّاً في وجدان الناس.
وكما قال طه حسين: اللغة العربية نثر وشعر وقرآن. القرآن جنس مستقل، لا هو شعر ولا نثر، بل وحي.
فلا تخض معركة إثبات أميّة النبي فقط لتثبت أن القرآن إلهي. إن كان التاريخ يرجّح أمية النبي، فمرحباً. أما إن كان دافعك هو الخوف على قدسية القرآن، فاطمئن: القرآن إلهي سواء قرأ النبي أو كتب، أو لم يفعل ذلك.


