مرحبًا بكم مجددًا في النشرة الأسبوعية المختصة برصد وتحليل الشؤون الإيرانية والتي تصدر عن شبكة MBN، المنصة الأميركية الرائدة الناطقة بالعربية والمعنية بأخبار الشرق الأوسط وتحليلها.
في عدد هذا الأسبوع، نلقي نظرة على المواجهة الجديدة بين طهران والغرب. كما نتوقف عند الكيفية التي تصوغ بها طهران رسائلها الموجّهة إلى الجمهور العربي — وهو هدف محوري في “حرب القوة الناعمة” التي تخوضها الجمهورية الإسلامية لكسب العقول والقلوب في المنطقة.
شاركوني آراءكم وتحليلاتكم وتوقعاتكم عبر: ailves@mbn-news.com
وإذا وصلتك هذه النشرة عبر إعادة توجيه، فالرجاء الاشتراك. يمكنكم قراءة النشرة بالإنجليزية هنا، أو عبر موقعي قناة الحرة الإخباريين بالعربية والإنجليزية.
اقتباس اليوم
“سفكتم دماءنا. فعن أيُّ تفاوض تتحدثون؟”
—كتابة جدارية مجهولة المصدر من مدينة پرند قرب طهران
أهم الأخبار
خلال الأسابيع القليلة الماضية، تطوّرت تصريحات الرئيس ترامب بشأن إيران من التهديد بالرد على قمع المحتجين الإيرانيين إلى التحذير من عمل عسكري إذا رفض قادة الجمهورية الإسلامية تقديم تنازلات نووية. ومع وصول مجموعة حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” وأصول عسكرية أخرى إلى المنطقة، اعتمد البيت الأبيض مقاربة مزدوجة: إبقاء الحشد البحري ظاهرًا كورقة ضغط، مع إيفاد المبعوث الخاص ستيف ويتكوف للتفاوض مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول مخرج لأزمة الملف النووي.
وغالبًا ما تتجاوز العناوين التحول الأعمق في السياسة. فقد وعد ترامب في البداية بمزج مطالبه النووية بالضغط على شبكة إيران الإقليمية وسجلها في حقوق الإنسان. لكن التركيز انتقل الآن إلى هدف أضيق: إخراج الملف النووي من دائرة الصدام، إدارة مخاطر الحرب، وترك الملفات الأخرى لمرحلة لاحقة.
بالنسبة للإيرانيين الذين يتابعون من الشوارع أو من المنفى، فإن هذا التحول هو قصة الأسبوع الحقيقية. فطهران تتفاوض فيما تُصعّد في الوقت نفسه آلة القمع، بينما بات تركيز واشنطن منصبًا على مستويات تخصيب اليورانيوم وتخفيف العقوبات.

الصورة: المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي متحدثًا في طهران. رويترز.
يسير قادة إيران على مسارهم المزدوج الخاص، جامعِين بين التهديد والانفتاح المشروط. ففي خطاب ألقاه في طهران يوم الأحد، حذّر المرشد الأعلى علي خامنئي من أن «على الأميركيين أن يعلموا أنه إذا بدأوا حربًا، فستكون هذه المرة حربًا إقليمية»، متعهدًا بأن إيران «سترد بحزم على أي جهة تعتدي أو تستفز» البلاد. وفي يوم الثلاثاء، كتب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على منصة “إكس” أنه وجّه وزير خارجيته إلى السعي نحو «مفاوضات عادلة ومنصفة» مع الولايات المتحدة في أجواء «خالية من التهديدات والتوقعات غير المعقولة». وقد سمحت صياغة الرسالة لطهران باستكشاف اتفاق محتمل، مع الإصرار على أنها لم تنحنِ لإرادة الرئيس الأميركي.
مرصد النفوذ الصيني من MBN
منصة تفاعلية قائمة على البيانات ترصد تمدّد النفوذ الصيني الاقتصادي والسياسي والعسكري في الشرق الأوسط مقارنةً بالولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، تغيّرت قواعد اللعبة المحيطة بإيران. فقد اتفقت حكومات الاتحاد الأوروبي أخيرًا على إدراج الحرس الثوري الإيراني على قائمة التنظيمات الإرهابية، وهي خطوة لطالما اعتبرتها طهران تصعيدا خطيرا. وردّت إيران بتصنيفات مضادة رمزية تطال جيوشًا أوروبية، وبتهديدات جديدة بالانتقام.
أما كيف وأين وعن ماذا سيتحدث الغرب وطهران فما يزال أمرا غير محسوم. فالشكل والمكان والمشاركون وجدول الأعمال كلها مفتوحة: هل سيكون اللقاء موسعًا في إسطنبول بمشاركة دول إقليمية، أم محادثات في عُمان تقتصر على الولايات المتحدة وإيران؟ وهل ستنحصر الموضوعات في الملف النووي فقط، أم ستشمل أيضًا صواريخ إيران وميليشياتها الإقليمية؟ العالم يحبس أنفاسه.

الصورة: حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن”. رويترز.
وفي خضم هذا الغموض والتوتر، أسقطت مقاتلة أميركية من طراز “إف-35” انطلقت من على متن الحاملة “يو إس إس أبراهام لينكولن” طائرة مسيّرة إيرانية من طراز “شاهد 139” فوق بحر العرب يوم الثلاثاء، بعدما اقتربت «بشكل عدائي» من السفينة «وبنية غير واضحة»، وفق القيادة المركزية الأميركية. وكانت الحاملة تعمل على بُعد نحو 500 ميل من الساحل الجنوبي لإيران، وقالت القيادة إن المسيّرة واصلت الاقتراب رغم إجراءات «خفض التصعيد»، ما دفع المقاتلة إلى إسقاطها دفاعًا عن النفس.
ولا تزال مواقف واشنطن وطهران متباعدة في ثلاث قضايا جوهرية. فالولايات المتحدة تريد من إيران شحن أو تحييد مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، والقبول بحدود أقل في عمليات التخصيب وعمليات تفتيش أوسع لأي تخصيب يستمر داخل البلاد، وضمان أن يشمل أي اتفاق محتمل تقييد جزء من برنامج الصواريخ الإيراني وبعض أنشطته مع الجماعات المسلحة في المنطقة. في المقابل، تقول طهران إن التخصيب على الأراضي الإيرانية حق سيادي، وإن برنامجها الصاروخي «دفاعي» و«غير قابل للتفاوض»، وإنها لن تناقش دعمها لحلفائها الإقليميين تحت ضغط عسكري.
ومنذ مجازر منتصف يناير/كانون الثاني، تغيّر شكل القمع من القتل العلني إلى الخنق. تصف منظمة العفو الدولية ما يجري بأنه «عسكرة خانقة» للمدن الكبرى. وتترافق الاعتقالات الجماعية وحالات الإخفاء القسري مع دوريات مسلحة بكثافة، وحظر للتجول، ومنع للتجمعات. وتفيد منظمات حقوقية بأن عشرات الآلاف اعتُقلوا خلال الانتفاضة، ولا يزال كثيرون محتجزين في أماكن لا يعلم بها أحد ومن دون السماح لهم بالتواصل مع محامين أو عائلاتهم.
ويبقى خطر صدور أحكام إعدام جديدة مرتفعًا رغم هدوء الشوارع. ويصف دبلوماسيون من الأمم المتحدة والغرب الإعدامات بأنها أداة ترهيب دائمة لا موجة عابرة. ويشيرون إلى تقارير أواخر يناير تفيد بشنق العشرات من السجناء في الأيام التي تلت إطلاق النار، بينهم بعض المرتبطين بالاحتجاجات وآخرون سُرّعت قضاياهم عبر المحاكم. ووصف معتقل سابق تهديدات بالعنف الجنسي قائلًا: «عصبوا عينيّ وأمروني بخلع ملابسي، وقالوا إنني “مباح” للحراس. شعرت بأحدهم يلمسني. وضعوا حبل المشنقة حول عنقي وقالوا: بما أنك لن تكتب [اعترافًا]، سنُعدمك من دون محاكمة».
اقتصاديًا، لم يخفّ الضغط في الأيام الأخيرة. يواصل الريال تراجعه، وتظل توقعات التضخم مرتفعة، ولا يزال محللون يتوقعون أن يكون عام 2026 عامًا من العقوبات القاسية وارتفاع الأسعار — وهو ما دفع الناس إلى الشوارع أساسًا.

الصورة: مذيعة في قناة “العالم” الإيرانية الناطقة بالعربية.
ماذا تقول طهران للعالم العربي؟
بالنسبة للجمهورية الإسلامية، يشكّل العالم العربي الساحة التي تحاول فيها ترويج خطابها الدفاعي إلى الخارج بمساعدة حلفائها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهي تحتاج إلى جيوب من التعاطف لمعادلة العداء العميق من الحكومات العربية — ومن الرأي العام أيضًا.
لطالما شكّل الرأي العام العربي السردية الإقليمية لإيران. فقد بنت الجمهورية الإسلامية قوتها الناعمة المبكرة عبر دعم فلسطين ومهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنها اكتشفت لاحقًا أن تدخلاتها المباشرة في سوريا واليمن تركت أغلبيات واسعة في دول مثل العراق واليمن ولبنان تنظر إلى القيادة الإيرانية بسلبية.
وأظهر استطلاع “غالوب” العالمي لعام 2022 في ثلاث عشرة دولة ذات أغلبية مسلمة مستويات مرتفعة جدًا من الرفض للقيادة الإيرانية. وكما ذكرت غالوب: «الدول التي كان لإيران فيها أكبر نفوذ منحت طهران بعضًا من أدنى التقييمات. أغلبيات كبيرة ترفض القيادة الإيرانية في العراق (86%) واليمن (80%) ولبنان (73%)».
وبالمثل، أفاد “مؤشر الرأي العام العربي” في استطلاعات 2022–2024 التي أجراها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بأن أغلبيات في معظم الدول المشمولة وصفت إيران بأنها مصدر لعدم الاستقرار الإقليمي، وأشارت إلى دعمها لفاعلين مسلحين من غير الدول وسياساتها الطائفية كأسباب رئيسية للنظرة السلبية. وقد تآكل التعاطف السابق مع مواقف إيران المناهضة للولايات المتحدة والمؤيدة لفلسطين.
لذلك ليس مستغربًا أن تستثمر طهران بكثافة في الإعلام العربي، والشبكات الدينية، والخدمات الاجتماعية في أماكن مثل بيروت والنجف وصنعاء، حتى مع تراجع جاذبيتها. فبدون موطئ قدم في الفضاء المعلوماتي العربي، تخاطر رواية «محور المقاومة» بأن تبدو احتلالًا أجنبيًا لا قضية مشتركة.
وتُعد هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية(IRIB) ، التي تدير قناة “العالم” الإخبارية العربية إلى جانب منصات بلغات أجنبية أخرى، أكبر أداة دعائية منفردة بفارق كبير. وتقدّر مشروعات قوانين الموازنة الأخيرة وتحليلات مستقلة مخصصاتها السنوية من الدولة بما بين 200 و260 مليون دولار. وإلى جانبIRIB ، تضخ طهران مئات ملايين الدولارات الإضافية في شبكات دينية وثقافية تعمل عبر الدول العربية، من مشاريع إعادة إعمار المراقد في العراق وسوريا إلى مؤسسات وحوزات مرتبطة بحزب الله وشركاء آخرين. وإلى جانب البث بالعربية، تبث إيران أيضًا تلفزيونًا بالإسبانية والأوردو، ولديها محتو ى بأكثر من عشرين لغة أخرى، بينها الآشورية والعبرية واليابانية.
فما هي رسالة طهران إلى الجمهور العربي، ولا سيما في وقت تبدو فيه في مواجهة مباشرة متجددة مع واشنطن؟ سألتُ زميلتي في MBN رندا جباعي، التي تتابع إيران عن كثب، عن قراءتها لخطاب الجمهورية الإسلامية في العالم العربي. فقالت لي: «المسؤولون الإيرانيون الكبار يصوغون الآن رواية موحّدة: أي صراع مقبل في المنطقة سيكون بطبيعته واسعًا، متعدد الساحات، ويستحيل احتواءه».
وتشير إلى أن المرشد الأعلى علي خامنئي شدد على هذه الرسالة تحديدًا في بيان بتاريخ 1 فبراير/شباط، حين حذّر من أن أي حرب جديدة في المنطقة ستتحول حتمًا إلى حرب «إقليمية النطاق». كما لفتت إلى أن علي شمخاني حذّر من أن أي عمل عدائي سيُقابل بـ«رد متناسب وفعّال ورادع»، مشيرًا صراحة إلى ضربات تمتد «عميقًا داخل إسرائيل». والأهم أن شمخاني قدّم توسّع الصراع باعتباره خطرًا إقليميًا مشتركًا، لا تهديدًا إيرانيًا أحاديًا.
وتضيف جباعي: «في الوقت نفسه، حرص المسؤولون الإيرانيون على الإقرار بالمواقف الأكثر حذرًا التي اتخذتها بعض الدول العربية». فقد رحبت طهران بدعوات خفض التصعيد الصادرة عن السعودية وقطر وعُمان، وقدّمتها بوصفها دليلًا على تنامي الوعي الإقليمي بأن الأمن لا يمكن تفويضه لقوى خارجية.
وخلاصة القول، بحسب جباعي، إن «طهران لا تقدم نفسها كمن يسعى إلى الحرب، بل تؤكد أن أي صراع يُفرض على المنطقة سيتوسع أفقيًا وعموديًا، مستدرجًا أطرافًا وساحات متعددة» — وهي رسالة تعيد وسائل الإعلام الإيرانية تعزيزها بلا توقف وعلى جميع المستويات.
الخاتمة
كما أشرتُ في أحدث أعداد “إيجاز MBN عن إيران”، فإن وراء أرقام آلاف القتلى على يد النظام أسماءً وحيوات. وسأواصل هنا تسليط الضوء على بعضٍ منهم.

روبينا أمينيان، طالبة أزياء في الثالثة والعشرين من عمرها، قُتلت—وفقًا لعائلتها—برصاصة أُطلقت من مسافة قريبة في مؤخرة رأسها. مُنعت والدتها من دخول المشرحة، لكنها شقت طريقها إلى الداخل، واستعادت جثمان ابنتها، وحملته خارجًا.

وكذلك محمد صالح ظريف مقدم، 28 عامًا، الذي قُتل برصاص عناصر من ميليشيا الباسيج، وهي قوات شبه عسكرية تطوعية تخضع لإشراف الحرس الثوري الإيراني. وبحسب ما أُفيد، سقط أرضًا مصابًا، قبل أن يُقدم عناصر الباسيج على إطلاق النار عليه في الرأس.
وهما يمثلان آلافًا غيرهما. وتُقدّر وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان، وهي منظمة حقوقية مقرها الولايات المتحدة، عدد القتلى بنحو 6,800 شخص، مشيرة إلى أن هذا الرقم مرشح للارتفاع.

أندريس إلفيس
أندريس إلفيس هو مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال. وتشمل خبراته الصحفية عقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.


