استراتيجية الكونغرس تجاه الشرع: لا شيك على بياض

من أروقة العاصمة واشنطن، وفي أجواء سادها الحذر داخل لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، بدأت ملامح الاستراتيجية الأميركية تجاه سوريا ما بعد الأسد تتبلور بوضوح أكبر. الرسالة لم تكن دبلوماسية ناعمة، بل سياسية مباشرة: تخفيف العقوبات ليس مكافأة، بل أداة ضغط قابلة للسحب.

وكما قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية لـ الحرة: “تخفيف العقوبات ليس تطبيعاً. إنه تخفيف مشروط مرتبط بخطوات قابلة للتحقق”.

الجلسة التي حملت عنوان “سوريا عند مفترق طرق: تحديات السياسة الأميركية بعد الأسد” لم تكن استعراضاً أكاديمياً، بل رسمت إطاراً واضحاً لما تريده واشنطن من حكومة أحمد الشرع. النائب الجمهوري براين ماست افتتح النقاش بسؤال مباشر حول مدى التزام دمشق بـ”نقاط الانخراط الخمس” التي وضعتها إدارة ترامب، وفي مقدمتها استئصال النفوذ الإيراني، وضمان الهزيمة الدائمة لتنظيم داعش، وحماية الأقليات، ودمج القوى المسلحة تحت سلطة الدولة.

لكن الإشارة الأوضح جاءت من الربط الصريح بين إعادة الإعمار والسلوك السياسي. فمع تقديرات تصل إلى 216 مليار دولار لإعادة بناء سوريا، شدد السفير السابق جيمس جيفري على أن الدعم الاقتصادي يجب أن يكون “مرتبطاً مباشرة بنجاح الحكومة السورية” في تنفيذ المطالب الدولية. وفي السياق ذاته، قال المسؤول الأميركي لـ “الحرة”: “إذا تحولت سوريا إلى بيئة ميسّرة لإسقاط القوة الإيرانية، فلا يوجد مسار للاستقرار”.

هذه النقطة كانت محورية في النقاش. فالنائب توماس كين جونيور سأل صراحة عن كيفية استخدام “جزرة” الانفتاح الاقتصادي لضمان الخروج النهائي لإيران. وجاء الرد واضحاً: إخراج إيران وميليشياتها ليس بنداً ثانوياً، بل شرطاً تأسيسياً لأي علاقة مستقرة مع واشنطن.

أما في ما يتعلق بإعادة بناء السلطة داخل سوريا، فقد برز قلق آخر. بعض أعضاء اللجنة حذروا من أن إعادة تمركز الدولة بالقوة، أو إعادة دمج الفصائل المسلحة شكلياً، لن تقنع واشنطن ولا الممولين الدوليين.

المسؤول في الخارجية الأميركية لخص ذلك بعبارة حاسمة لـ الحرة: “لا يمكن لسوريا أن تفرض مركزية السلطة عبر الإكراه وتتوقع تمويلاً لإعادة الإعمار”.

هذا التحذير تلاقى مع شهادة الباحث أندرو تابلر الذي نبه إلى أن الاستقرار التنفيذي لا يعادل شرعية سياسية، ومع تحذير نادين ماينزا من أن حماية الأقليات يجب أن تكون جزءاً من شروط أي تخفيف للعقوبات.

النائب غريغوري ميكس أكد بدوره أن إلغاء قانون قيصر ليس خطوة دائمة، ما يعني أن العقوبات يمكن أن تعود سريعاً إذا انحرفت دمشق عن المسار. أما الباحثة مارا كارلين فاختصرت المشهد بقولها إن سوريا “تتحرك في الاتجاه الصحيح، لكن مسارها ليس مضموناً”، مشددة على ضرورة إبقاء أدوات الضغط قائمة.

الخلاصة التي خرجت بها الجلسة كانت واضحة: العقوبات لم تعد مجرد وسيلة لمعاقبة نظام سقط، بل تحولت إلى أداة هندسة سياسية للمرحلة المقبلة.

واشنطن مستعدة لتقديم حوافز اقتصادية، لكن مقابل نتائج قابلة للقياس في ثلاث ملفات أساسية: إخراج إيران، تفكيك البنية المسلحة غير الخاضعة للدولة، وضمان حماية الأقليات. وأي انزلاق في هذه المسارات قد لا يعني فقط تجميد التمويل، بل إعادة سوريا سريعاً إلى دائرة العزلة.

رامي الأمين

كاتب وصحافي لبناني يعيش في الولايات المتحدة الأميركية. حائز درجة ماجستير في العلاقات الإسلامية والمسيحية من كلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف في بيروت. صدر له ديوان شعري بعنوان "أنا شاعر كبير" (دار النهضة العربية - 2007)، وكتيب سياسيّ بعنوان "يا علي لم نعد أهل الجنوب" (خطط لبنانية - 2008)، وكتاب عن مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان "معشر الفسابكة" (دار الجديد - 2012) وكتاب بعنوان "الباكيتان- سيرة تمثال" (دار النهضة العربية- ٢٠٢٤)


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading