لقد أدخل الصراع الأميركي–الإسرائيلي مع إيران الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة. فقد امتدت تداعيات الرد الإيراني عبر الخليج — من الدوحة ودبي إلى البنية التحتية الحيوية للطاقة، بما في ذلك مراكز الغاز الطبيعي المسال وحقول النفط والموانئ — كاشفة هشاشة المنطقة ومُحدثة اضطراباً في الأسواق العالمية. ويُعد هذا التصعيد، وهو الأهم منذ الهجمات التي نفذتها حماس ضد إسرائيل في السابع من أكتوبر، انقلاباً على افتراضات راسخة بشأن الردع والتحالفات والنظام الإقليمي. وعلى الرغم من إضعاف شبكة وكلاء إيران، فإنها لا تزال نشطة، فيما تتعرض منظومة الأمن في الخليج لضغوط متزايدة.
ولفهم ما قد يأتي لاحقاً، أجرت رئيسة تحرير شبكة الشرق الأوسط للإرسال، ليلى بزي، ومحرر شؤون إيران، أندرس إلفيس، مقابلة مع الدكتور أمين طرزي، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في كلية الحرب التابعة لقوات مشاة البحرية الأميركية، وأحد أبرز المحللين لشؤون إيران والجغرافيا السياسية الإقليمية — وهو الذي حذّر قبل أكثر من عقدين من أن الغزو الأميركي للعراق سيؤدي إلى زعزعة التوازن الإقليمي وتعزيز نفوذ إيران، وهو ما ثبتت صحته لاحقاً.
س: حذّرتم قبل حرب العراق من أن النظام الإقليمي سيتعرض للاهتزاز. هل نعيش اليوم لحظة تحول مشابهة؟
الدكتور طرزي: نعم — لكن هذه اللحظة أقل قابلية للتنبؤ. في ذلك الوقت، كان العراق وإيران يشكلان توازناً بينهما. ربما لم يكن ذلك مثالياً، لكنه فرض حدوداً على كل منهما. أطلقت الولايات المتحدة على ذلك «الاحتواء المزدوج». وبعد اختلال هذا التوازن، كانت النتائج قاسية — ولا نزال في كثير من الجوانب نعيش تداعياتها حتى اليوم. أما الآن، فلا يوجد هذا الوضوح. الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل السابع من أكتوبر لم يعد موجوداً. الهجمات، ورد إسرائيل، والحروب التي تلت، أعادت تشكيل المنطقة بشكل جذري. لن نعود إلى ما كان عليه الوضع.
هل نشهد انهيار منظومة الأمن في الخليج، أم أن ما يحدث لا يزال ضمن إطار ردع محسوب؟
الدكتور طرزي: كانت منظومة الأمن في الخليج قائمة إلى حد كبير على الدعم الخارجي. دول مثل السعودية والإمارات، وبدرجة أقل قطر، بنت قدرات عسكرية قوية، لكن مجلس التعاون الخليجي لم يكن يوماً تحالفاً دفاعياً فعالاً بحق، بل صُمم أساساً لمواجهة إيران. هذا الجانب لم يتحقق بالكامل، وكان يضعف بالفعل قبل هذا الصراع — إذ كشفت التوترات بشأن اليمن عن تصدعات واضحة.
اعتمدت هذه الدول بشكل كبير على الولايات المتحدة، ولم تُثمر محاولات تنويع الشراكات باتجاه الصين أو روسيا عن بدائل ذات معنى. واليوم، تعيد دول الخليج تقييم استراتيجياتها الأمنية داخلياً، وهو ما سيعتمد على الأرجح بشكل كبير على التنسيق بين السعودية والإمارات.
هل بدأت المظلة الأمنية الأميركية بالتفكك؟ وهل تدفع دول الخليج ثمن قرارات لم تدعمها بالكامل؟
الدكتور طرزي: المظلة الأمنية لا تزال قائمة. الأنظمة الدفاعية — وكثير منها مدعوم من الولايات المتحدة — حالت دون وقوع دمار واسع النطاق. لكن ما تراه العين ويدركه العقل مهم: فحتى ضربة ناجحة واحدة يمكن أن تكون لها تبعات اقتصادية واستراتيجية كبيرة، خصوصاً في مراكز مثل دبي. السؤال ليس ما إذا كانت المنظومة تعمل — فهي تعمل — بل ما إذا كان ثمن الاختراقات المحدودة مقبولاً. روسيا والصين ليستا بدائل واقعية، لذا يتعين على دول الخليج الاعتماد على إعادة التقييم الداخلي والتنسيق فيما بينها.
كيف يؤثر هذا الصراع على انتشار الأسلحة النووية في المنطقة؟
الدكتور طرزي: هناك تصور بأن السلاح النووي يوفر حصانة من التدخل الخارجي، وهو ما قد يدفع الاهتمام الإقليمي بهذا المجال. إيران حققت تقدماً كبيراً، إذ قامت بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات مرتفعة، لكن تحويل ذلك إلى سلاح عملية معقدة. تجربة إيران قد تشجع الانتشار النووي كما قد تثبطه — فالقدرة النووية لا تضمن الأمن، وقد تستجلب مزيداً من الضغوط.
ماذا يحدث لشبكة وكلاء إيران — حزب الله والحوثيون وغيرهم؟
الدكتور طرزي: بعد السابع من أكتوبر، نجحت إسرائيل في تصفية جزء كبير من قيادة وكلاء إيران، لا سيما حزب الله. أما الحوثيون، فالتزموا إلى حد كبير بتفاهم غير معلن مع الولايات المتحدة. كما تم ردع مجموعات أخرى، بما في ذلك الميليشيات العراقية. فهذه الجماعات لها أيضا نشاط سياسي ولا يمكنها المخاطرة بإلحاق دمار واسع بالمجتمعات التي تنشط فيها. مستقبلاً، نتوقع تكتيكات مبتكرة وأكثر تركيزا ً: خلايا، وضغوط داخلية، وعمليات محدودة بدلاً من هجمات واسعة النطاق.
هل ستسعى إيران لزعزعة الاستقرار الداخلي داخل في دول الخليج؟
الدكتور طرزي: نعم. فعندما تتراجع القدرات واسعة النطاق، تتكيف الجهات الفاعلة. ولا تزال إيران بحاجة إلى إظهار قوتها، وهذا يعني تنفيذ عمليات صغيرة ومحددة داخل دول الخليج — بما يكفي لإثبات حضورها دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
إلى أي مدى يعتبر مضيق هرمز آمنا؟ وهل يمكن حمايته؟
الدكتور طرزي: المضيق نقطة اختناق، ما يمنح إيران نفوذاً. لكن إيران تعتمد عليه اقتصادياً، وكذلك دول الخليج. توجد بدائل — مثل خطوط الأنابيب أو مسارات قنوات محتملة عبر الإمارات — لكنها تتطلب استثمارات ووقتاً. على المدى القصير، يعتمد الاستقرار أكثر على القرارات السياسية منه على الإجراءات العسكرية.
من يتخذ القرارات داخل إيران حالياً؟
الدكتور طرزي: السلطة موزعة، خصوصاً داخل الحرس الثوري. النظام يتسم بتعدد مستويات القيادة — فإذا أُزيح قائد، يتقدم آخر. وقد تظهر القيادة من أماكن غير متوقعة، وليس بالضرورة من الشخصيات الأكثر بروزاً.
هل يمكن لشخصيات معارضة أو قادة في المنفى التأثير في مستقبل إيران؟
الدكتور طرزي: في هذه المرحلة، تفتقر شخصيات المعارضة إلى دعم تنظيمي داخلي. أي انتقال للسلطة سيتطلب دعماً من مراكز القوة داخل البلاد، خصوصاً الأجهزة الأمنية. ومن المرجح أن يأتي القادة الأكثر قابلية للحكم من داخل المؤسسة العسكرية أو من داخل النظام القائم.
ما الدور الذي يمكن أن تلعبه الصين بعد هذا الصراع؟
الدكتور طرزي: من المرجح أن تلعب الصين دوراً مهماً في إعادة الإعمار، خصوصاً في إيران. ومع مرور الوقت، قد يوسع ذلك نفوذها في المنطقة، ليس بالضرورة من خلال استراتيجية واضحة، بل عبر ملء الفراغ حيث يتردد الآخرون أو يعجزون.
من هم الشخصيات الرئيسية من أمثال محسن رضائي، وهل لديهم فعليا دور في مستقبل إيران؟
الدكتور طرزي: تتردد تقارير عن شخصيات مثل محسن رضائي أو محمد رضا بهلوي الابن، لكنها تفتقر إلى دعم تنظيمي داخلي. القيادة المستقبلية ستنبثق على الأرجح من شخصيات عسكرية أو من شخصيات مقبولة لدى الفصائل الداخلية، وربما تحظى بدرجة من الاعتراف الخارجي.
سؤال أخير — ماذا ينبغي أن نتوقع في المرحلة المقبلة؟
الدكتور طرزي: المنطقة بحاجة إلى مساحة للتعافي. عقود من الصراع تركت آثاراً عميقة. ما سيأتي لاحقاً سيتوقف على وجود قيادات مستعدة لإعطاء الأولوية للاستقرار، حتى وإن كان غير مثالي. هذا ليس مضموناً، لكنه ضروري.
هذه المقابلة مترجمة عن الإنجليزية.

ليلى بزي
ليلى بزي هي رئيسة التحرير في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال حيث تقود العمل الصحفي والتحريري والإبداعي لقناة الحرة ومنتجاتها الرديفة.

أندريس إلفيس
أندريس إلفيس هو مدير المبادرات الاستراتيجية في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال. وتشمل خبراته الصحفية عقدين في بي بي سي وراديو أوروبا الحرة.


