مع دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسبوعها الرابع، بدأ الاهتمام يتحول من كيفية خوض هذا الصراع إلى كيفية فهمه.
في واشنطن، صُوِّرت الحرب في السردية السائدة على أنها حرب استنزاف، وقدرات يتم تدميرها، وخصم يزداد ضعفًا بشكل مطّرد. لكن الجنرال الأميركي المتقاعد مارك كيميت قدّم، في حديثه مع ليلى بزي رئيسة تحرير شبكة الشرق الأوسط للإرسال، تفسيرًا مختلفًا، مفاده أن إيران تخوض حرب صمود قائمة على الصبر ومرونة رد الفعل.
والأهم من ذلك، أنه يصف ما يسميه “قطع الرأس الاقتصادي”: أي استخدام مضيق هرمز للضغط على أسواق النفط العالمية، حيث يمكن حتى للغم واحد أو صاروخ واحد أو زورق سريع واحد أن يخلّف عواقب استراتيجية. ومع تصاعد الحديث عن سيناريو النهاية المحتمل، يبرز سؤال محوري: إذا كان الطرفان يخوضان حربين مختلفتين، فماذا يعني الانتصار؟
نسمع منذ بعض الوقت أن إيران تنهار. السؤال الأول: هل هذا صحيح؟ وكيف يمكن تفسير الفجوة بين السردية العلنية وواقع ساحة المعركة؟
مارك كيميت: الأمر بسيط جدًا، وقد كتبت عن هذا. أعتقد أننا أمام نوعين من الحروب. الولايات المتحدة تخوض حربًا من نوع ما نسميه حرب الاستنزاف، حيث يعتقدون أنه عبر تقليص عدد منصات إطلاق الصواريخ، وتقليص عدد الدبابات، وتقليص عدد الرادارات، فإن إيران تزداد ضعفًا كلما انخفضت هذه الأعداد. لكن هذه ليست الحرب التي تخوضها إيران. إيران تخوض حرب مقاومة كلاسيكية. وفي هذا النوع من الحروب، وسأخطئ ربما في نطق هذه الكلمات، هناك عنصران في هذه الحرب، هما المقاومة والصبر. وكما ترون في لبنان، فإن اللبنانيين فقط ينتظرون الإسرائيليين حتى يتعبوا. تتذكرون في 2006، عندما أُُنهك الإسرائيليون وانسحبوا، خرج حسن نصر الله من مخبئه، وأقاموا عرض نصر رغم أن البلاد كلها كانت مدمرة. وفي هذا النوع من الحروب، ليس هناك سوى نوعين من الناس: هناك الشهداء الذين ماتوا، وهناك المقاومون الذين ما زالوا على قيد الحياة. تنظر إلى كل الدمار من حولك، فتراه مجرد تجسيد مادي للمقاومة. في النهاية، كل شيء يعود إلى الصبر. الولايات المتحدة ليست صبورة على عكس الإيرانيين.
يعجبني هذا التشبيه الذي قدمته. إذًا ما تفعله إيران الآن، ومع عودة حزب الله أيضًا للعمل من لبنان، هو فقط استنزاف الصبر. فإذا لم يكن هناك رابح ولا خاسر، وهم يؤمنون بالمقاومة والشهادة، فالمسألة إذًا تقوم على إنهاك الطرف الآخر، أي الولايات المتحدة وإسرائيل.
مارك كيميت: الأميركيون يخوضون حرب استنزاف يعتقدون فيها أن الأمر كله يتعلق بالأرقام. أما الإيرانيون فيخوضون حرب إنهاك، وهم فقط ينتظرون حتى يتعب الأميركيون من هذا ويرحلوا، كما فعلنا في أفغانستان، وكما فعل الإسرائيليون في لبنان، وكما فعلنا نحن في فيتنام.
حسنًا، هذا يقودني إلى السؤال الآخر بشأن مضيق هرمز. يبلغ عرضه نحو 21 ميلًا، وفي أضيق نقاطه تنحصر الممرات الملاحية في ممرات أضيق حتى. كيف تحد الجغرافيا من أي خيارات عسكرية أميركية مستقبلية؟
مارك كيميت: في الواقع، هي لا تحد من الخيارات. لكن المشكلة أن الولايات المتحدة لا تملك الآن القدرة على إبقائه مفتوحًا. هناك قدرة عسكرية، وهناك قدرة تجارية. وحتى لو استطاعت الولايات المتحدة إبقاءه مفتوحًا عسكريًا، فقد لا يكون ذلك كافيًا لشركات التأمين التجاري كي تستمر في التأمين على تلك الناقلات، بالنظر إلى احتمال تعرضها للاستهداف. أنت أصغر من أن تتذكر، لكن بين عامي 1981 و1988 خاض العراق وإيران حربًا كبيرة. ونحن نسميها حرب الناقلات، لأن الولايات المتحدة دخلت على الخط بوصفها طرفًا غير مقاتل، لكنها كانت تعرف مدى أهمية النفط آنذاك. ولذلك أعادت تسجيل الناقلات الكويتية، وجعلتها ناقلات أميركية، وأخذتها عبر مضيق هرمز. خلال تلك الفترة، عبر نحو 22 ألف سفينة مضيق هرمز. أُصيبت نحو 500 منها، وغرقت نحو 63. لذا، حتى مع كون الولايات المتحدة طرفًا غير مقاتل، كانت تلك عملية مكلفة. فبإمكانك أن تتخيلي مدى الصعوبة إذا كان الأميركيون هذه المرة طرفًا مقاتلًا فعليًا. وحتى إذا توصلنا إلى حل عسكري، فقد لا يكون ذلك حلًا تجاريًا كافيًا لإعادة السفن إلى المرور من جديد.
من منظور عسكري، تسيطر إيران على الساحل الشمالي لمضيق هرمز، وبفضل قربها الجغرافي لديها خطوط رؤية مباشرة إلى الممرات الملاحية الرئيسية. وبالنظر إلى القدرات العسكرية الأميركية، هل هناك أي سيناريو واقعي يمكن أن تفكر فيه واشنطن في إرسال قوات برية لحل هذه المسألة؟
مارك كيميت: أولًا، أعتقد أنه من المهم أن نفهم أن الجغرافيا، في كثير من الحالات، ليست عاملا مهما إلا إذا كانت المسافة فعلا لا تتجاوز 20 ميلًا. لكن التهديد الأكبر للسفن لا يتعلق بالجغرافيا، بل يتعلق بالقدرات التي يمتلكها الإيرانيون. يمكنهم زرع الألغام، والأهم من ذلك أنهم يستطيعون استخدام الصواريخ. والأكثر أهمية أيضًا أنهم يمتلكون أسطولًا هائلًا من الزوارق السريعة، نسميها أحيانًا Boston whalers أو cigarette boats ويمكن لكل واحد منها أن يندفع نحو السفينة ويطلق صواريخه، كما حدث مع المدمرة الأميركية يو إس إس كول. لذا، فإن التهديد الحقيقي للملاحة يتمثل من ناحية في الصواريخ، لكنه يتمثل بدرجة كبيرة أيضًا في الألغام والزوارق السريعة. فكيف تهزم كل هذه الوسائل؟ الأسهل هو هزيمة الصواريخ، لأن لدينا دفاعات مضادة للصواريخ. والأصعب هو الزوارق السريعة، لأن لديهم الآلاف منها، ونحن بحاجة إلى عين استخباراتية دائمة لا ترمش حتى نعرف متى تتحرك. أما بالنسبة للألغام، فالمشكلة كبيرة لأن الولايات المتحدة لا تملك القدرة الكافية على تنفيذ عمليات إزالة الألغام. لدينا عدد قليل جدًا من السفن، أربع فقط تحديدًا، تمتلك هذه القدرة، بينما نحتاج إلى عدد أكبر بكثير. وقد انتهيت للتو من كتابة مقال عن سبب حاجتنا إلى الحلفاء، ونحن بحاجة إليهم أساسًا لأن لديهم سفن نزع الألغام.
هذه نقطة مثيرة جدًا للاهتمام، أي الحاجة إلى الحلفاء في هذا الجانب. هل يمكن أن توضح ذلك أكثر؟
مارك كيميت: بالتأكيد. أولًا، السفن الأميركية هي في معظمها سفن حربية. أما سفن إزالة الألغام أو مكافحتها فينبغي أن تكون ذات هيكل خشبي كي لا تجذب اللغم مغناطيسيًا إليها. وكان لدى البحرية الأميركية 14 سفينة من هذا النوع خلال حرب الناقلات. أما الآن، فلم يعد لدينا سوى أربع، ثلاث منها موجودة في اليابان. الألمان والفرنسيون والبريطانيون لديهم أعداد كبيرة جدًا من هذه السفن، وهي لا تكتفي فقط بتحديد مكان الألغام، بل يمكنها أيضًا تنفيذ إجراءات المواجهة لتفجيرها وإبعادها وما إلى ذلك. لدينا مروحيات تستطيع التحليق فوق المياه وتحديد مواقعها، لكن ليس لدينا سوى سفينة أو اثنتين تستطيعان، بعد تحديد مكانها، الاقتراب بما يكفي لإزالتها من دون أن تتعرضا هي أيضًا للتفجير. إذًا، نحن أمام نوع من العمليات العسكرية التي تتطلب تقنيات معقّدة. غالبا ما يقال إن الجيش الأميركي قوي، ولكنه في الواقع يفتقر إلى القدرات التي يحتاجها لإبقاء مضيق هرمز مفتوحًا عسكريًا بمفرده.
سؤال أخير، وأشكرك كثيرًا على وقتك. كيف يبدو النصر في مكان يمكن فيه لصاروخ واحد، أو لطائرة مسيّرة واحدة، أو حتى لإنذار كاذب، أن يحرك أسعار النفط العالمية؟
مارك كيميت: النصر بالنسبة إليّ يعني أن نتمسك بأهدافنا الأصلية في هذه الحرب، وهي القضاء على البرنامج النووي، والقضاء على برنامج الصواريخ الباليستية، والقضاء على شبكة الوكلاء. لكن الإيرانيين كانوا أذكياء جدًا في هذا الأمر. لقد نقلوا الحرب من تلك القضايا الجوهرية المهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وقالوا: لن نتحدث عن ذلك، ولن نقاتلكم وفق شروطكم، بل سنقاتلكم وفق شروطنا نحن. وهذا يعني إغلاق مضيق هرمز. وأنت محقة: صاروخ واحد، زورق سريع واحد، أو لغم واحد، يمكن أن يعطل إمدادات النفط الدولية. نحن نتحدث عن حرب قطع الرأس التي اعتاد الإسرائيليون خوضها عبر استهداف القادة الأساسيين. هم يخوضون حرب قطع رأس النظام، بينما الإيرانيون أذكياء؛ فهم الآن يخوضون حرب قطع الرأس الاقتصادي عبر السيطرة على مضيق هرمز وممارسة الضغط على أسعار النفط العالمية.
حسنًا، ما تقوله مثير جدًا للاهتمام، لأنني أرى أنهم قتلوا معظم القادة في إيران. لكن هل بناء هيكل بناء النظام الإيراني أفقي أم عامودي؟
مارك كيميت: أعتقد أن أفضل مقارنة هنا هي ما فعله الإسرائيليون بحزب الله. لقد اتبعوا العملية نفسها. أزالوا الطبقة العليا، باغتيال حسن نصر الله واغتيال يحيى السنوار، ثم مضوا في ذلك. والآن هم ينزلون من طبقة إلى أخرى، طبقة بعد طبقة. أعني أن أسوأ وظيفة في العالم الآن هي أن تكون سائق مجتبى خامنئي، لأنني أرجح، حتى لو لم يبدُ الأمر كذلك في لبنان مع استمرار القتال، أن الإسرائيليين تخلصوا فعلًا من المتشددين، وهم يتعاملون الآن مع نعيم قاسم، الذي يبدو أكثر ليونة. وأعتقد أن هذا ما يجب أن يحدث في إيران. ليس ما سيحدث، بل ما ينبغي أن يحدث، وربما سيحدث. أعتقد أن الإسرائيليين سيواصلون تقطيع المستويات المختلفة لهذا القالب من خلال استهداف القادة بحيث كلما صعد قائد جديد سيقومون بـ(التخلص منه). نعم، أعتقد أن السبب الوحيد لعدم قيامهم بذلك مع المرشد والقادة الجدد هو أنهم لم يعثروا عليهم بعد. ويمكننا أن نجادل حول ما إذا كانت هذه هي الاستراتيجية الصحيحة أم لا، أي استراتيجية قطع رأس النظام. أنا لا أعرف كيف سيوصلنا ذلك إلى إقناع الإيرانيين بالتخلي عن برنامجهم النووي. لكنني لم أفقد التركيز على ما تدور حوله هذه الحرب، وهي تدور حول البرنامج النووي، والوكلاء، والصواريخ. ومجرد أن الإيرانيين حوّلوا هدف الأميركيين من ذلك إلى مضيق هرمز، وأن أهدافًا أخرى أخذت تظهر، كتغيير النظام وما إلى ذلك، لا يعني أننا يجب أن نفقد التركيز. أعتقد أنه يتعين علينا أن نبقي أعيننا على السبب الجوهري الذي دخلنا من أجله هذه الحرب، حتى عندما تنتهي نكون قد حققنا تلك الأهداف، لا أهدافًا أخرى.
هذه المقابلة منقولة عن الإنجليزية.

ليلى بزي
ليلى بزي هي رئيسة التحرير في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال حيث تقود العمل الصحفي والتحريري والإبداعي لقناة الحرة ومنتجاتها الرديفة.


