واشنطن العاصمة 04:12 PM
لتفهم

معضلة مصر المائية.. وسدود إثيوبيا الجديدة

إثيوبيا تتحدث عن سدود جديدة على النيل الأزرق، ومصر توسع تحركها من حوض النهر إلى البحر الأحمر وباب المندب.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة
أعلام إثيوبية كبيرة معروضة على سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تم بناؤه على طول النيل الأزرق، أثناء افتتاحه، في جوبا، منطقة بني شنقول جوموز، إثيوبيا، 9 سبتمبر 2025. رويترز / تيكاسا نيجيري

منذ سنوات، كانت أزمة النيل تدور حول السدود والحصص المائية واتفاق قانوني بقي من دون توقيع. اليوم، صارت القاهرة تنظر إلى النهر من جهة البحر أيضا.

فمع تدشين إثيوبيا سد النهضة، وحديث مسؤولين إثيوبيين عن خطط لبناء سدود جديدة على النيل الأزرق، تمدد القلق المصري من أعالي النيل إلى البحر الأحمر وباب المندب. وفي مركز هذه المعادلة يبرز سؤال قديم جديد: كيف تحمي مصر حصتها من المياه في وقت تتحرك فيه إثيوبيا على النهر والبحر معا؟

تعود الخلفية القانونية للأزمة إلى اتفاقية عام 1959، التي وقعتها مصر والسودان في القاهرة لتنظيم الاستفادة من مياه النيل مع بدء مشروع السد العالي. وقدرت الاتفاقية صافي إيراد النهر السنوي بنحو 84 مليار متر مكعب، منحت مصر منها 55.5 مليار متر مكعب، والسودان 18.5 مليار متر مكعب.

ونصت الاتفاقية على تنسيق الموقف بين القاهرة والخرطوم في مواجهة أي مشروعات أو مطالب جديدة من دول المنبع، وأنشأت “الهيئة الفنية الدائمة المشتركة” لإدارة الملف بين البلدين.

لكن تلك المعادلة باتت أقل قدرة على احتواء الواقع الجديد. فإثيوبيا انتهت من تشييد سد النهضة، بسعة تخزين تصل إلى 74 مليار متر مكعب، وبدأت تتحدث عن مشروعات أخرى على النيل الأزرق.

وقال مسؤول حكومي إثيوبي، طلب عدم الكشف عن اسمه، إن بلاده لديها خطط ومخططات هندسية لبناء ثلاثة سدود كبيرة جديدة في أعالي النيل الأزرق. وأضاف أن التنفيذ سيعتمد على التمويل والظروف اللوجستية، مشيرا إلى أنه لم تُطرح حتى الآن مناقصات دولية أو شراكات رسمية لتنفيذ هذه المشروعات.

بالنسبة إلى القاهرة، لا يتعلق الأمر بسد واحد فقط. فمصر، التي يعتمد سكانها اعتمادا شبه كامل على النيل، ترى أن أي توسع إثيوبي جديد في التخزين أو التحكم بالتدفق سيجعلها أكثر عرضة لقرارات أحادية من أديس أبابا.

وتقول هبة القدسي، مديرة مكتب صحيفة “الشرق الأوسط” في واشنطن، إن مصر تواجه معضلة مركبة. فقد اتخذت الحكومة المصرية إجراءات داخلية لتقليل الفاقد، منها إعادة تدوير المياه، والتحول إلى الري الحديث، وتبطين الترع، ومعالجة مياه الصرف. لكنها ترى أن هذه الإجراءات لا تكفي لتعويض عجز مائي يتراكم عاما بعد عام.

وتضيف القدسي أن العجز قد يصل إلى مليارين أو ثلاثة مليارات متر مكعب سنويا، في وقت تراجع فيه نصيب الفرد من المياه في مصر إلى أقل من 500 متر مكعب سنويا، وهو مستوى يضع البلاد تحت خط الفقر المائي المطلق. ومن دون اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء سد النهضة وتشغيله، ستبقى مصر معرضة لتقلبات القرار الإثيوبي، بحسب رأيها.

ومع تصاعد الضغط على منابع النيل، وسّعت القاهرة تحركها خارج حوض النهر. فقد كثفت تنسيقها مع إريتريا والصومال، ودفعت باتجاه حضور أكبر في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، حيث ترتبط مصالحها المائية بمصالح أخرى لا تقل أهمية، في مقدمتها أمن قناة السويس وحركة التجارة البحرية.

وفي هذا السياق، وقعت مصر وإريتريا اتفاقية للنقل البحري والتعاون الاستراتيجي والدفاعي، أكدت على دور الدول المطلة على البحر الأحمر في إدارة أمنه. ورأت أديس أبابا في الاتفاق محاولة لتقييد حركتها.

وقال المسؤول الإثيوبي نفسه إن الاتفاق المصري ـ الإريتري “محاولة لمحاصرة إثيوبيا وخنقها سياسياً”، مضيفا أن البحر الأحمر لا يمكن أن يبقى شأنا حصريا لدول الساحل. وأكد أن بلاده ستواصل السعي للحصول على منفذ بحري سيادي، بعدما ظلت لعقود دولة حبيسة تعتمد في معظم تجارتها على ميناء جيبوتي، بتكلفة تقول أديس أبابا إنها تتجاوز مليار دولار سنويا.

وتتهم وسائل إعلام إثيوبية رسمية إريتريا بالتقارب مع جبهة تحرير تيغراي وحركة الشباب في الصومال. كما ترى في الشراكات العسكرية المصرية مع الصومال وإريتريا محاولة لاحتواء صعود إثيوبيا ومنعها من تفعيل اتفاقها مع إقليم صوماليلاند للوصول إلى ميناء بربرة.

في المقابل، ترى القدسي أن التحرك المصري باتجاه إريتريا حمل هدفا دبلوماسياً واضحا، وهو تقليص مساحة الوساطة الأميركية بين أسمرة وأديس أبابا، ومنع أي تفاهم إقليمي يمنح إثيوبيا هامشا أوسع في البحر الأحمر. وتستبعد أن تحصل أديس أبابا على دعم أميركي مطلق، نظرا إلى علاقات واشنطن الوثيقة مع القاهرة وأهمية مصر في ملفات الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

ورغم أن مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع صوماليلاند في يناير 2024 لاستئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترا لا تزال متعثرة بسبب رفض الحكومة الصومالية، فإن الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم زاد من تعقيد الحسابات المصرية.

زاد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم صوماليلاند من تعقيد الحسابات المصرية. فالقاهرة تنظر إلى أي حضور عسكري أو استخباراتي قرب خليج عدن باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي، خصوصا إذا تداخل مع الطموحات البحرية الإثيوبية والاستثمارات الإماراتية في المنطقة.

وتقول إيريت باك، أستاذة الدراسات الإفريقية في مركز موشيه دايان، إن المخاوف المصرية “حقيقية”، لأن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند قد يفتح الباب أمام نفوذ دائم قرب خليج عدن. وترى أن تفعيل التفاهمات في تلك المنطقة قد يجمع بين رأس المال الإماراتي، والتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، والطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر، بما يضع قوة غير عربية على خاصرة مصر الجنوبية.

وبحسب باك، فإن هذا القلق يفسر جانبا من التحرك المصري في الصومال، حيث اتجهت القاهرة إلى تعزيز دعمها العسكري لمقديشو، ونشر نحو 10 آلاف جندي هناك مطلع عام 2026.

غير أن آشر لوبوتزكي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة هيوستن، ينظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة. فهو يقول إن إسرائيل تسعى بالفعل إلى توسيع علاقاتها في القرن الإفريقي، لكنه يستبعد أن يكون ذلك موجها ضد مصر.

ويضيف لوبوتزكي أن إسرائيل تعتبر مصر شريكا إقليميا رئيسيا، وتحافظ معها على علاقات منضبطة. ووفقا لرأيه، فإن الاهتمام الإسرائيلي بالبحر الأحمر يرتبط أساسا بحماية الجبهة الجنوبية من تهديدات الحوثيين والجماعات المدعومة من إيران، وهي تهديدات تطال أيضا مصالح مصر والسعودية في الممرات البحرية.

وهكذا، تتقاطع في القرن الإفريقي ثلاثة مسارات: أزمة مياه عالقة، وطموح إثيوبي قديم للوصول إلى البحر، ومنافسة إقليمية على الموانئ والممرات والقواعد. وبين النيل وباب المندب، تتعامل القاهرة مع سد النهضة بوصفه جزءاً من بيئة أمنية أوسع قد تحدد موقع مصر في البحر كما في النهر.

وتبقى قدرة الأطراف على احتواء التصعيد مرتبطة بمدى نجاح الوساطات الدولية، وفي مقدمتها الأميركية، في دفع مصر وإثيوبيا إلى اتفاق واضح حول النيل، ومنع التنافس في البحر الأحمر من التحول إلى مواجهة مفتوحة في منطقة تمر عبرها سفن التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وتزدحم فيها القواعد والموانئ والتحالفات المتنافسة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading