واشنطن العاصمة 02:58 PM

الجزيرة العربية تنزلق إلى حرب إقليمية.. وباكستان تتولى دورا أمنيا أكبر

مع تصاعد هجمات إيران وحلفائها الحوثيين في أنحاء المنطقة، تبرز باكستان، الجارة النووية لإيران، كشريك أمني رئيسي لدول الخليج العربية.

اقرأ بـ English
· 7 دقيقة قراءة
جنود سعوديون يشاركون في عرض عسكري خلال احتفالات يوم باكستان في إسلام آباد، باكستان. / رويترز

على مدى عقود، ساعدت باكستان بهدوء في تعزيز أمن الخليج من خلال نشر قوات، وتدريب ضباط عسكريين، وبناء علاقات استخباراتية وثيقة مع دول الخليج الغنية بالنفط والغاز.

أما اليوم، فهي تتبنى دورًا أكثر وضوحًا بكثير، لكنه ينطوي أيضًا على مخاطر جديدة. ففي الوقت الذي تواجه دول الخليج هجمات متصاعدة من إيران وحلفائها الحوثيين في اليمن، تعمّق هذه الدول تعاونها الأمني مع باكستان المسلحة نوويًا، مستندة إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي تربط إسلام آباد بالمملكة العربية السعودية. وقد نشرت باكستان بالفعل آلاف الجنود والطائرات المقاتلة ووحدات الدفاع الجوي في المملكة، التي تضم أقدس المواقع الإسلامية.

وقال أمين طرزي، أستاذ الدراسات الاستراتيجية ورئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في كلية الحرب التابعة لسلاح مشاة البحرية الأميركية في كوانتيكو بولاية فرجينيا: “من المهم جدًا، ومن الناحية الرمزية أيضًا، أن تنضم ثاني أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان، والدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك أسلحة نووية، إلى الدفاع عن دول إسلامية أخرى.”

ويأتي الدور المتنامي لباكستان رغم الضغوط الأمنية المتزايدة التي تواجهها داخليًا. فالبلد الذي يبلغ عدد سكانه 240 مليون نسمة يواجه تمردات دامية، وتوترات مع جارتيه أفغانستان والهند، إضافة إلى حالة من عدم الاستقرار على امتداد الحدود التي يزيد طولها على 965 كيلومترا مع إيران عبر إقليم بلوشستان المضطرب، الواقع على الحافة الجنوبية الشرقية للهضبة الإيرانية.

أعمدة الدخان تتصاعد من منشأة نفطية في بقيق بالسعودية في 27 يوليو، عقب إعلان جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن استهداف عدد من مواقع إمدادات ونقل النفط الخام في المملكة/رويترز.

ويقول محللون إن إسلام آباد قد تستفيد مع تزايد تشكيك دول الخليج في الضمانات الأمنية الأميركية، بعدما تعرضت لموجات من هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية منذ اندلاع الحرب بين طهران من جهة وواشنطن وإسرائيل من جهة أخرى في فبراير.

منافس إيران

لكن الخبراء يقولون إن تنامي الدور العسكري لإسلام آباد قد يضعها في مسار تصادمي مع إيران المجاورة. فقد تحسنت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد أن ساعدت إسلام آباد في التوسط للتوصل إلى مذكرة التفاهم التي أفضت إلى هدنة مؤقتة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. إلا أن باكستان تتخذ الآن موقفًا أكثر حزمًا تجاه الحوثيين المدعومين من إيران والمدرجين على قائمة الإرهاب الأميركية، الذين استهدفوا حركة الشحن السعودية والبنية التحتية للطاقة.

وقال طرزي إن اتساع دور باكستان يقوض الادعاء الذي طالما روّجت له طهران بأنها تحمي المنطقة من القوى الخارجية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.

وبطبيعة الحال، فإن طهران نفسها أضعفت هذا الادعاء أيضًا. فقد تعرضت الكويت لهجمات إيرانية متكررة منذ اندلاع الحرب، ما دفعها إلى التصديق في 26 يوليو على اتفاقية التعاون الدفاعي الموقعة مع باكستان عام 2023. وتمهد الاتفاقية الطريق أمام توسيع التعاون العسكري، بما يشمل تكنولوجيا الدفاع، والتدريب، وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

كما تجري الكويت وباكستان محادثات بشأن شراكة دفاعية أوسع قد ترتقي بالدولة الواقعة في جنوب آسيا إلى مصاف أبرز الشركاء الأمنيين لدول الخليج، مع تعزيز العلاقات الاقتصادية وعلاقات الطاقة بين الجانبين.

وقال طرزي: “في ظل حالة عدم الاستقرار التي يشهدها أمن الخليج بأكمله، تبحث هذه الدول عن سبل جديدة لحماية أمنها، وباكستان جزء من ذلك.”

ويبدو أن باكستان عازمة على إثبات هذا الالتزام.

فبعد أن عطلت إيران صادرات النفط والغاز الخليجية عبر مضيق هرمز، كثف الحوثيون جهودهم لتهديد الملاحة عبر مضيق باب المندب، وهو البديل البحري العملي الوحيد، وأعلنوا الأسبوع الماضي فرض حصار على السفن التجارية المتجهة إلى السعودية. وردًا على ذلك، أعلنت باكستان أنها “تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة، بما في ذلك الاستخدام المشروع للقوة، في إطار ممارسة حقها في الدفاع عن النفس لحماية أصولها البحرية ومصالحها الوطنية.”

وقال طرزي إن ردًا عسكريًا باكستانيًا لو كان محدودًا قد يعقد الحسابات الأمنية الإيرانية من خلال زيادة التوترات على طول الحدود المشتركة المتقلبة بين البلدين.

وأضاف في حديثه لـلحرة “وسيكون حجم زعزعة الاستقرار، بطبيعة الحال، كبيرًا جدًا بالنسبة لإيران، حتى لو كان الأمر رمزيًا للغاية وقصير الأمد.”

ومنذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تخوض إيران وباكستان مواجهة مع جماعات انفصالية متمردة تنشط عبر منطقة بلوشستان، التي تمتد بين إقليم بلوشستان الباكستاني ومحافظة سيستان وبلوشستان الإيرانية.

واتهمت طهران منذ فترة طويلة إسلام آباد بإيواء عناصر من جماعة “جند الله”، ثم لاحقًا جماعة “جيش العدل”، وهي جماعة سنية مسلحة تضم في معظمها أفرادًا من الأقلية البلوشية في إيران. وفي المقابل، اتهمت باكستان إيران بإيواء عناصر من التمرد البلوشي العلماني الذي يقاتل قوات الأمن الباكستانية.

وبلغت هذه التوترات ذروتها مطلع عام 2024 عندما تبادل البلدان ضربات عبر الحدود، وقال كل منهما إنه استهدف مسلحين ينشطون انطلاقًا من أراضي الطرف الآخر.

وبحلول نهاية ذلك العام، توصل الجاران بهدوء إلى تفاهم بشأن إدارة ظاهرة المسلحين عبر الحدود. فقد سلّمت باكستان شخصية بارزة من “جيش العدل”، فيما نقلت إيران إلى باكستان منظّرًا قوميًا بلوشيًا بارزًا كان، بحسب تقارير، يتلقى العلاج داخل إيران.

وفي أبريل، لعبت باكستان دورًا مهمًا في تسهيل التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين طهران وواشنطن. ثم تعاونت مع قطر في جمع الطرفين للتوقيع على “مذكرة تفاهم إسلام آباد” في 17 يونيو، التي وضعت إطارًا لحل النزاع عبر المفاوضات.

وكان الدافع الرئيسي وراء دور إسلام آباد هو المصلحة الذاتية. فباعتبارها موطنًا لثاني أكبر تجمع سكاني من المسلمين الشيعة في العالم بعد إيران، سعت إلى تجنب اضطرابات داخلية. وقد أثار مقتل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، احتجاجات غاضبة وعنيفة في باكستان، حاول بعض المشاركين فيها اقتحام بعثات دبلوماسية أميركية.

وبات على إيران أن تتعامل بحذر مع الموقف الدولي الأكثر صلابة الذي يتبناه جارها الجنوبي الشرقي.

وقال فرزان ثابت، الخبير في الشأن الإيراني بالمعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف: “لقد انتهجت جمهورية إيران الإسلامية سلوكًا ينطوي على مجازفة تجاه باكستان من قبل”، لكنها تتخذ الآن موقفًا أكثر تحفظًا تجاه إسلام آباد، حتى لو تحركت الأخيرة ضد الحوثيين.

وأوضح ثابت لـ “الحرة”:  أن ذلك يعكس مسعى أوسع لتجنب توسيع رقعة الصراع بطريقة غير مواتية لإيران. وقال: “في الوقت الراهن، تفضل طهران عدم فتح جبهة جديدة ضد خصوم قادرين على إلحاق أضرار كبيرة بها، مثل إسرائيل أو باكستان.”

سد الفراغ الأمني

يقول خبراء إن الدور الأمني المتنامي لباكستان أصبح ممكنًا جزئيًا بفضل سعي واشنطن إلى تقليص التزاماتها العسكرية في الشرق الأوسط. ويرى أسفنديار مير، محلل شؤون جنوب آسيا في مركز ستيمسون بواشنطن، أن هناك فرصة أمام إسلام آباد مع تراجع مستوى الأمن في الخليج.

وقال لـ”الحرة” :”إذا استطاعت باكستان أن تتقدم لتسد بعض الأدوار الأمنية التي يمكن للولايات المتحدة أن تتخلى عنها أو تمتنع عن تحمل مسؤوليات إضافية بشأنها، فسيكون ذلك تطورًا مرحبًا به.”

وأضاف مير أن من المرجح أن تحصر إسلام آباد تعاونها الدفاعي خارج إطار علاقتها الأمنية التاريخية مع السعودية، وأن أي توسيع لهذا الالتزام في أماكن أخرى من الخليج سيستغرق وقتًا.

وقال: “ستقاتل من أجل السعوديين إذا هاجمت إيران المملكة”، مشيرًا إلى الوجود الطويل الأمد للعسكريين والمعدات العسكرية الباكستانية في السعودية.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (يمين) يستقبل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في جدة، السعودية، في أبريل 2026.

ويرى طرزي أن باكستان قد تصبح ضامنًا أمنيًا مكملًا للولايات المتحدة، بعدما أثبتت طهران أنها قادرة على فرض كلفة باهظة على دول الخليج العربية رغم عقود من الضمانات الأمنية الأميركية.

وقال: “من خلال إضافة طبقة ثانية من الحماية، سيرتفع مستوى التهديد بالنسبة لإيران إذا أصبح جارها الجنوبي الشرقي، وهو جار نووي بالمناسبة، منخرطًا في هذه المعادلة.”

توقعات خليجية

لكن محللين خليجيين يرون أن دور باكستان سيظل محكومًا بقيود. ففي جدة، قال المحلل السعودي خالد محمد باطرفي إن الرياض لا تنظر إلى شراكتها مع باكستان على أنها تحالف موجه ضد إيران، بل “شراكة دفاعية تهدف إلى تعزيز الردع والاستقرار الإقليمي.”

وأضاف أن التحديات الاقتصادية التي تواجهها باكستان، وعلاقتها المعقدة مع إيران، وروابطها بكل من الولايات المتحدة والصين، إضافة إلى تنافسها مع الهند، كلها عوامل تحد من نطاق التعاون الأمني.

وقال باطرفي لـ”الحرة”:”تنظر الرياض إلى باكستان باعتبارها شريكًا مهمًا ضمن إطار أمني متنوع، وليس بديلًا عن قدرات السعودية الذاتية أو عن شراكاتها الدولية الأخرى.”

وأضاف أن دول الخليج تدرك حرص إسلام آباد على الحفاظ على علاقات عملية مع طهران، مع الإبقاء في الوقت نفسه على علاقاتها الوثيقة مع السعودية وشركائها الخليجيين.

وقال: “ستكون باكستان مستعدة للإسهام في الدفاع عن السعودية إذا تعرضت المملكة لهجوم مباشر. أما المشاركة في عمليات عسكرية هجومية داخل إيران، فهي أمر مستبعد للغاية إلا في أكثر الظروف استثنائية.”

وفي الكويت، قال الباحث في شؤون أمن الخليج ظافر محمد العجمي إن المسؤولين باتوا ينظرون بصورة متزايدة إلى باكستان بوصفها شريكًا أمنيًا آمنًا نسبيًا يوفر قدرًا من التخفيف لاعتماد البلاد الحصري على واشنطن. وأضاف أن توثيق العلاقات الدفاعية سيكون قائمًا على المصالح المتبادلة، إذ ستتوقع إسلام آباد استثمارات كويتية في قطاعي الطاقة والبنية التحتية، فضلًا عن توفير فرص عمل للعمالة الباكستانية.

وقال: “من المرجح أن يقتصر أي التزام باكستاني على التدريب، والدفاع الجوي، والمعدات العسكرية، بدلًا من نشر قوات قتالية كبيرة.”

ومع ذلك، قال العجمي إن الكويت ترغب في استنساخ اتفاقية الدفاع المشترك التي تربط السعودية بباكستان. وأضاف: “تريد الكويت أن توفر لها باكستان مظلة حماية ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى جانب مساعدات عسكرية تشمل أنظمة الدفاع الجوي، والطائرات المقاتلة، والطائرات المسيّرة المسلحة.”

وفي واشنطن، قال طرزي إن باكستان ترى أيضًا فائدة استراتيجية أكبر في توسيع دورها في الخليج. فمن خلال تعزيز نفوذها الإقليمي خارج جنوب آسيا، تأمل إسلام آباد في كسر حالة الجمود الاستراتيجي مع الهند، التي ظلت علاقاتها مع باكستان مجمدة منذ المواجهة العسكرية في مايو 2025، والتي أوشكت أن تدفع القوتين النوويتين إلى حافة الحرب.

وقال: “على الأرجح، تحاول باكستان الخروج من حالة الانحصار في النظر شرقًا نحو الهند فقط. فهي تفضل أن تصبح قوة إقليمية أكثر اتساعًا.”