تركيا تحتفي بالفتوحات العثمانية… لكن ريتها تستلهم تعددية السلطنة
لم يكن السلاطين العثمانيون قوميين. لكن القوميين المتشددين اليوم لا يريدون سماع ذلك.

أفاتار مصطفى أكيول

في التاسع والعشرين من مايو، تحولت أعظم مدن تركيا، إسطنبول، إلى مسرح لاحتفال ضخم: “احتفالات الفتح”، إحياءً للذكرى السنوية الـ 573 لسيطرة العثمانيين على المدينة وانتزاعها من البيزنطيين عام 1453، وما مثّله ذلك من النهاية الأخيرة للإمبراطورية الرومانية العظمى. وسار آلاف الأشخاص في مسيرات انطلقت من حي الفاتح التاريخي ترافقهم الفرق العسكرية التقليدية. وحلّقت الطائرات الحربية في السماء، وأضاءت الألعاب النارية مضيق البوسفور، فيما أعادت العروض التمثيلية التاريخية تجسيد وقائع الحصار الشهير.

وفي الوقت نفسه، أدى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صلاة الجمعة في آيا صوفيا، الكاتدرائية البيزنطية التي حُوّلت إلى مسجد بعد الفتح العثماني، ثم إلى متحف عام 1935، قبل أن يعيد أردوغان تحويلها إلى مسجد عام 2020. وبعد ذلك، ألقى كلمة في مؤتمر حمل عنوان “من فتح إسطنبول إلى فتح القلوب”، أشاد فيه بالسلطان العثماني محمد الفاتح، “القائد المجيد الذي فتح إسطنبول في سن الحادية والعشرين”، مستندًا إلى ما اعتبره بشارة من النبي محمد.

كانت الرسالة العامة واضحة لا لبس فيها: فتح القسطنطينية لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل ركيزة حية من ركائز الهوية الوطنية التركية، التي تُعرَّف، في النسخة المحافظة التي يتبناها أردوغان، من خلال الإسلام بصورة أساسية.

على الجانب الآخر من بحر إيجه، كانت هناك عيون تتابع المشهد، ولكن ليس بإعجاب. فقد وصفت وسائل إعلام يونانية الاحتفالات، ولا سيما المراسم التي أُقيمت في آيا صوفيا والخطاب القومي المحيط بها، بأنها “استفزازية”. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، نشر قوميون يونانيون منشورات تستذكر سقوط القسطنطينية باعتباره فصلًا مظلمًا اتسم بـ “العنف والاستعباد والنهب”. كما انتقد أكاديمي يوناني، كثيرًا ما يهاجم “الفاشية التركية”، احتفالات الفتح نفسها باعتبارها دليلًا على “الثقافة السياسية المهيمنة في تركيا والمشبعة بالمشاعر المعادية للغرب”. وذهب محلل لبناني إلى اتجاه مشابه، إذ وصف الاحتفالات السنوية بأنها “تذكير دوري بأن تركيا عدو حضاري للغرب”.

هذا الطقس السنوي من الشكوى والاحتفال بات مألوفًا. ففي كل 29 مايو، ينزلق الطرفان إلى الأدوار المرسومة لهما: المنتصر والمكلوم، المحتفل والحزين، ضمن روايتين متوازيتين يصعب التوفيق بينهما.

لكن ثمة مفارقة أعمق تكمن خلف هذه السرديات المتعارضة، وتطال الجانبين معًا: فالعثمانيون أنفسهم كانوا أكثر تحفظًا، وأكثر مراعاة لمشاعر الآخرين، من أولئك الذين يزعمون اليوم أنهم ورثتهم الحقيقيون.

حكمة السلطان

أحد الأدلة على ذلك يأتي من واقعة غير معروفة على نطاق واسع تتعلق بالسلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909). فقد كان آخر سلاطين الدولة العثمانية الذين مارسوا سلطة فعلية على إمبراطورية ما تزال قائمة وفاعلة، ولا يزال يحتل مكانة خاصة في السياسة التركية المعاصرة. إذ يحتفي به أنصار أردوغان والتيار الإسلامي ـ القومي الأوسع بوصفه نموذجًا للقيادة الإسلامية. كما يحظى في أنحاء العالم الإسلامي باحترام كبير باعتباره آخر الخلفاء العظام الذين دافعوا عن أراضي المسلمين في مواجهة التوسع الاستعماري.

غير أن عبد الحميد الثاني، في الواقع، لم يكن يراعي المسلمين فقط، بل أيضًا الملايين من غير المسلمين، بمن فيهم اليونانيون، الذين كانوا من رعايا إمبراطوريته الواسعة. وتكشف مذكرات طبيبه الخاص، عاطف حسين بك، التي نشرها المؤرخ التركي محمد متين هولاغو عام 2003 في كتاب “أيام نفي السلطان عبد الحميد الثاني”، جانبًا من ذلك.

فبحسب هذه المذكرات، كان السلطان المسن، الذي أطاح به القوميون من حركة “تركيا الفتاة” في أبريل 1909 ووُضع قيد الإقامة الجبرية حتى وفاته عام 1918، يشارك طبيبه الكثير من أفكاره، ومنها مخاوفه العميقة بشأن أوضاع الإمبراطورية. ففي يونيو 1914، أعرب عن أسفه لأن “الأمور لا تسير على ما يرام مع اليونانيين”، مؤكدًا أهمية الحفاظ على علاقات جيدة مع البطريركية المسكونية اليونانية. ثم قال:

“لقد أخذنا إسطنبول من اليونانيين. وفي يوم الفتح يرغبون في الحداد. وإذا أقمنا احتفالات فإننا نجرح مشاعرهم. خلال فترة حكمي، أرادوا ذات مرة إقامة مراسم في يوم فتح إسطنبول. وبمراعاة هذا الجانب الشعوري، لم أسمح بذلك. هذه هي حكمة الحكم. فالدولة ينبغي أن تسعى إلى عدم جرح مشاعر جميع رعاياها. ولسبب ما، نحن نصنع المشكلات لأنفسنا.”

لم يكن هذا مجرد براغماتية دبلوماسية، بل فلسفة مختلفة جذريًا في الحكم عن تلك التي يتبناها اليوم بعض المعجبين بالسلطان عبد الحميد الثاني. فحتى في عهد محمد الفاتح، لم تكن الدولة العثمانية دولة قومية بأي معنى حديث. لقد كانت كيانًا متعدد الأعراق والأديان يمتد من البلقان إلى اليمن، ويضم المسلمين والمسيحيين واليهود والأرمن والعرب والأكراد والبلغار واليونانيين. وكان بقاء هذا المشروع الإمبراطوري الضخم يعتمد، جزئيًا، على إدارة هذا التنوع الاستثنائي بروح من احترام التعددية.

العثمانية بوصفها تعددية

كانت هذه التعددية متجذرة في نظام “الملل” العثماني، الذي اعترف بالمسيحيين واليهود بوصفهم “أممًا” متميزة داخل الإمبراطورية إلى جانب المسلمين. صحيح أن هذا النظام كان هرميًا، إذ تمتع المسلمون فيه بالتفوق السياسي والقانوني. لكن بحلول عهد عبد الحميد الثاني، تحقق تقدم كبير نحو مفهوم “المساواة”.

فالإصلاحات الليبرالية التي بدأت بفرمان التنظيمات عام 1839، وتعززت بفرمان الإصلاح عام 1856، وتُوِّجت بدستور عام 1876، أعلنت المساواة القانونية بين جميع الرعايا العثمانيين بغض النظر عن دياناتهم. وأُلغيت إجراءات تمييزية مثل الجزية المفروضة على غير المسلمين، كما حصلت الطوائف المسيحية واليهودية على حق إنشاء مؤسساتها التعليمية والدينية وتوسيعها، والانضمام إلى الجهاز البيروقراطي، بل وحتى المشاركة في البرلمان العثماني.

ومن بقايا تلك الحقبة الإصلاحية مدرسة “هالكي” اللاهوتية، التي افتتحتها البطريركية المسكونية عام 1844 على جزيرة صغيرة في بحر مرمرة لتدريب رجال الدين الأرثوذكس. ومن رموزها أيضًا “كلية روبرت”، أول كلية أميركية تُنشأ خارج الولايات المتحدة، والتي أسسها المبشر البروتستانتي سايروس هاملين ورجل الأعمال النيويوركي كريستوفر روبرت عام 1863. (وهي أيضًا المدرسة التي تخرجتُ منها شخصيًا). ومن معالم تلك المرحلة كذلك الطربوش العثماني الأحمر الشهير، الذي شاع استخدامه في ثلاثينيات القرن التاسع عشر باعتباره غطاء رأس موحدًا لجميع رجال الدولة العثمانية بغض النظر عن أصولهم العرقية أو الدينية.

بمعنى آخر، فإن “العثمانية” في أواخر عهد الدولة العثمانية لم تكن مرتبطة بالقومية التركية، وهي أيديولوجيا ما بعد عثمانية ظهرت في القرن العشرين بهدف تأسيس دولة قومية للأتراك وترسيخها، بعد إعادة تشكيل هويتهم انطلاقًا من بقايا المسلمين في الإمبراطورية. بل تجسدت العثمانية في الكلمات الشهيرة المنسوبة إلى السلطان محمود الثاني، والد عصر التنظيمات وجد عبد الحميد الثاني:

“أرى رعاياي المسلمين في المسجد، والمسيحيين في الكنيسة، واليهود في الكنيس. لا فرق بينهم. إن محبتي وعدالتي تجاههم جميعًا متساويتان.”

ومع ذلك، وعلى الرغم من إنجازاتها، انهارت العثمانية في القرن التاسع عشر بصورة مأساوية خلال الربع الأول من القرن العشرين. وما دمّرها وحلّ محلها كان ساحة دامية من القوميات المتنافسة التي مزقت فسيفساء عرقية ودينية عريقة، إذ سعى كل تيار إلى إعادة تشكيل الأجزاء المتبقية بما يتوافق مع رؤيته الخاصة لأمة متجانسة.

فقد نجح مسيحيو البلقان، من يونانيين وصرب وبلغار، في تأسيس دولهم القومية، وكان ذلك انتصارًا لهم، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة للأتراك والبوسنيين والألبان وغيرهم من المسلمين، وأحيانًا اليهود أيضًا، الذين تعرضوا للتطهير العرقي. وينطبق الأمر ذاته على الأتراك الذين أسسوا دولتهم القومية عام 1923، ولكن بثمن باهظ تمثل في تهجير الأرمن والآشوريين في الأناضول وقتل أعداد كبيرة منهم، إضافة إلى الأكراد الذين بقوا في البلاد لكنهم تعرضوا لضغوط قوية من أجل الاندماج القسري.

العثمانية الجديدة اليوم

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أسس بطل الحرب مصطفى كمال أتاتورك الجمهورية التركية عام 1923، على أساس رفض متعمد للإرث العثماني. وكثيرًا ما أشاد المراقبون الغربيون بالجمهورية الجديدة بسبب علمانيتها الصارمة، فيما انتقدوها بسبب قوميتها المتشددة، من دون أن يدركوا دائمًا أن الصفتين كانتا وجهين لعملة واحدة.

لكن التاريخ لا يختفي ببساطة، وقد يعود بصورة مفاجئة. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، شهدت تركيا إحياءً لما يُعرف بـ”العثمانية الجديدة”، بلغ ذروته خلال العقد الأول من الألفية الجديدة في عهد أردوغان. غير أن هذا الإحياء، رغم تركيزه على القوة والمجد الإسلاميين، يفتقر في كثير من الأحيان إلى فهم واقعي للعثمانيين أنفسهم ولرؤيتهم الأكثر تعددية للعالم.

وللإنصاف، لم تخلُ تجربة حكم أردوغان من استدعاء بعض الملامح التعددية في الإرث العثماني. فقد أقرت حكومته، في بدايات الألفية، إصلاحات استفادت منها مؤسسات مسيحية، كما أعادت عام 2015 ترميم الكنيس الكبير التاريخي في أدرنة، أحد أكبر المعابد اليهودية في أوروبا. واليوم، تتحدث تقارير عن احتمال إعادة فتح مدرسة هالكي اللاهوتية، المغلقة منذ عام 1971 بقرار من المؤسسة القومية العلمانية. وهي خطوة طال انتظارها، وإن جاءت متأخرة.

وحتى خلال الاحتفال بـ”فتح إسطنبول” في نهاية الأسبوع الماضي، أشاد أردوغان بالفتح باعتباره قد أرسى “التسامح تجاه أصحاب الخلفيات والمعتقدات المختلفة”.

إن هذا التسامح الشامل ـ إن لم يكن القبول الكامل ـ هو الروح التي تحتاجها تركيا وجميع جيرانها من الدول التي خرجت من رحم الدولة العثمانية أكثر من أي وقت مضى اليوم، بدلًا من قمع الأقليات، وكراهية الأجانب القائمة على الهواجس، والتعصب القومي العقيم الذي شوّه جزءًا كبيرًا من تاريخها الحديث.

وهي روح تدعونا أيضًا إلى الاعتراف بأن ما نحتفل به باعتباره “فتحًا” أو “تحريرًا” قد يكون مأساة بالنسبة إلى آخرين. وكما أدرك آخر السلاطين العثمانيين العظام، لا توجد حكمة في استفزاز مشاعر الآخرين لمجرد أن نشعر بتحسن طفيف تجاه أنفسنا.


 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

مصطفى أكيول

مصطفى أكيول كاتب في شبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN)، وزميل أول في معهد كاتو – المركز العالمي للحرية والازدهار. تتركز أبحاثه على تقاطعات السياسات العامة والإسلام والحداثة. يمكن متابعته على منصة «إكس» عبر الحساب: ‎@AkyolinEnglish.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي
https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading