تحولت الممرات التجارية وشبكات الطاقة في العراق وسوريا إلى ساحة جديدة للصراع التركي الإيراني، ضمن سباق سياسي واقتصادي يستهدف السيطرة على طرق التجارة والربط البري بين الخليج العربي والبحر المتوسط، وصولا الى أوروبا.
وبعد عقدين اقتصر خلالهما التنافس الاقتصادي بين الجارين اللدودين على الاستحواذ على المشروعات الإنشائية والأسواق المحلية، بلغ الصراع الآن حدودا أخرى عنوانها التطلع إلى الطرق التجارية وكيفية التحكم بها.
عمليا، تتنافس أنقرة وطهران على 3 مسارات رئيسية؛ الأول يمتد من الخليج إلى تركيا عبر العراق، والثاني يربط إيران بالعراق وسوريا والبحر المتوسط، والثالث يعبر السعودية مرورا بالأردن وسوريا.
إيران كانت صاحبة المبادرة في محاولات الهيمنة على الممرات التجارية في جنوب ووسط العراق، بهدف ربطها بطرقها الداخلية عبر الحدود.
ولتحقيق ذلك فتحت طهران العديد من المعابر الحديثة على طول حدودها الغربية، وخططت لربط طرقها وموانئها الداخلية بخط السكك الحديدية عبر معبر الشلامجة الحدودي مع محافظة البصرة، بهدف الوصول إلى الحدود العراقية السورية، ومنه عبر أراضي سوريا إلى موانئها على البحر المتوسط.
لكن المشروع الطموح بقي معطلا إلى الآن بعد أكثر من عقدين على إقراره، ولم يبدأ العراق تنفيذه لأسباب داخلية.
ورغم أن تركيا تحركت متأخرة عن إيران، فقد اختارت مسارا مشابها، واعتمدت على مشروع إستراتيجي آخر هو “طريق التنمية” الذي يربط ميناء الفاو الكبير على الخليج العربي في البصرة بالحدود التركية، ومن ثم بأوروبا، عبر شبكة من الطرق، وسكك حديدية يصل طولها الى نحو 1200 كيلومتر.
وذهبت تركيا إلى أبعد من ذلك عندما أعلنت عن خط آخر للسكك الحديدية يسمح في مرحلته الأولى بنقل البضائع والنفط والغاز الطبيعي والركاب بين السعودية وتركيا والأردن وسوريا وأوروبا خلال السنوات الثلاث أو الأربع المقبلة.
تنسيق وتنافس
بينما تشهد العلاقات بين تركيا وإيران تقدمًا على الصعيدين الأمني والإستراتيجي، يمثل مشروع آخر هو ممر جنوب القوقاز الذي يستهدف ربط أذربيجان بأرمينيا وتركيا، مجالا رئيسيا آخر للتنافس بين أنقرة وطهران.
وترى أولكوم غوزده غوندوغدو، وهي باحثة تركية مختصة بالاقتصاد السياسي والإرهاب في الشرق الأوسط، أن امتداد الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية إلى دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز أكدا أهمية الممر التجاري بين تركيا وسوريا والأردن والسعودية، كما مثل قرار إطلاق التجارة العابرة بين تركيا وسوريا ودول الخليج خطوة مهمة أخرى.
وتلفت غوندوغدو في تصريحات لـ”الحرة” إلى أنه بعد قطع نظام الأسد للعلاقات الاقتصادية مع تركيا عام 2011، نمت التجارة التركية مع المناطق السورية الخارجة عن سيطرة النظام. وأصبحت أنقرة المنفذ التجاري الرئيسي لهذه المناطق.
وفي حديث سابق مع وكالة “الأناضول” اعترف وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو بأن “الحروب والتوترات في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة في خطوط النقل، ما يجعل مشروع طريق التنمية مع العراق بديلاً استراتيجياً”. وتوقع أن يحقق عائدا اقتصاديا لتركيا يبلغ نحو 55 مليار دولار خلال 10 سنوات.
في المقابل لم تعلن طهران رفضها للمشروع عند إعلانه، لكنها راحت بعد ذلك تظهر تحفظات واضحة.
وحذر العديد من المسؤولين الإيرانيين، من التيارين المتشدد والإصلاحي، من تأثيرات سلبية لطريق التنمية، تقلص دور إيران كممر دولي، وتهدد واردات العبور، وتؤثر على حركة مرور البضائع عبر أراضيها إلى روسيا، ومنها إلى أوروبا.
وبحسب هؤلاء يتيح طريق التنمية دورا اقتصاديا أكبر للعراق، وأيضا لتركيا، والأخيرة هي المنافس التاريخي الذي تخشي إيران توسع نفوذه في العراق باعتباره نفوذا غربيا.
وأكد رئيس لجنة النقل واللوجستيات في غرفة التجارة الإيرانية، علي حسيني، في مقابلة مع موقع “تين نيوز” أن طريق التنمية ربما يصبح منافسًا لإيران في المستقبل، لأن العراق، بمساعدة تركيا والإمارات سيسعى لربط ميناء الفاو بشبكته للسكك الحديدية، وبعدها ربط تلك الشبكة بتركيا، ما سيجعل لهذا الممر الجديد أثرا سلبيا على حركة الترانزيت إلى إيران.
مراقبون ومختصون بالشأن التركي والعلاقات بين تركيا وإيران، أكدوا أيضا لـ”الحرة” استفادة أنقرة من الحرب التي تشهدها المنطقة منذ 7 أكتوبر 2023 لإعادة تموضعها الإقليمي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. لكنهم يرون أن النفوذ الإيراني رغم تراجعه ما زال يشكل عائقا أمام طموحات أنقرة في العراق وسوريا والخليج العربي، ما يعني أنه سيكون على أنقرة زحزحة هذا النفوذ لتعزيز سيادتها الإقليمية.
ويلفت الخبير في مجال النفط والغاز، كوفند شيرواني، إلى محاولات تركية أخرى لتوسيع نفوذها الاقتصادي في العراق، تتمثل في الضغط على العراق لتجديد اتفاقية خط الأنابيب بين البلدين.
وتسعى أنقرة إلى توسيع تلك الاتفاقية لتشمل مشروعات في قطاعي النفط والصناعة، فضلاً عن إدارة الخط وحمايته وتوفير الخدمات اللوجستية.
وطلبت بغداد الشهر الماضي من أنقرة تمديد اتفاقية خط الأنابيب لعام على الأقل لإتاحة الوقت لإجراء مزيد من المحادثات، لكن أنقرة قالت إنها لا ترغب في التمديد في ظل الظروف الحالية.
ومن المقرر أن تنتهي في 27 يوليو اتفاقية خط أنابيب النفط الخام بين تركيا والعراق التي تعود إلى عقود مضت والتي تنظم الصادرات عبر الخط. ولا تزال بغداد وأنقرة تناقشان مسودة اتفاقية جديدة.
وتطمح تركيا في الوقت نفسه إلى الضغط على الجانب العراقي للانفتاح أكثر على سوريا عبر إحياء خط أنابيب كركوك- بانياس لتحقيق فوائد اقتصادية للجانب السوري.
وسيكون هذا الخط مفيدًا للجانب العراقي، لأنه يمثل مسارًا أقصر من خط كركوك- جيهان بأكثر من 300 كيلومتر، ويعد مثاليًا لإيصال النفط العراقي إلى الأسواق الأوروبية.
وفي مقابل الأهداف التركية، لا تضغط إيران على العراق أو دول الخليج فحسب، وإنما على جميع منتجي النفط والغاز في المنطقة، وتحاول تحقيق مكاسب إستراتيجية عن طريق السيطرة على مسار مضيق هرمز وفرض رسوم تعتبرها الكثير من الدول غير قانونية على كل السفن التجارية، التي تمر عبر المضيق، سواء التي تنقل النفط أو أي مواد تجارية أخرى.
وحسب شيرواني: “تحاول إيران الاستفادة من خط التنمية وتدفع العراق للعمل على إنشاء خط سكك حديد البصرة – شلامجة وربطهما ليكون ذلك ممرا لتسويق الكثير من البضائع الإيرانية إلى الأسواق الأوروبية.
لكن شيرواني يستبعد في الوقت نفسه حدوث تضارب واضح في المصالح بين إيران وتركيا، مؤكدا أن النفوذ السياسي لكلا البلدين سيكون له دور في تعزيز هذه المصالح الاقتصادية القائمة، وتحقيق مصالح أخرى جديدة.
وتسعى إيران، وفق وكالة “مهر” التابعة للحرس الثوري، إلى إقناع العراق بالبدء في إنشاء خط سكك حديد البصرة – شلامجة سريعا وربطه بالطرق الإيرانية، ومن ثم بممر شرق- غرب الصيني.
وتشير الوكالة في تقرير نشرته مطلع العام الحالي، إلى عقبات فنية وسياسية حالت دون إنجاز المشروع، بينها معارضة واحتجاج تيارات داخل عراقية ترى أن خط البصرة-شلامجة مصمم لإضعاف الموانئ العراقية، خاصة ميناء الفاو وأم قصر.
لا صدام
الباحث الاقتصادي سمير رؤوف يستبعد أيضا حدوث صدام بين إيران وتركيا رغم التنافس بينهما على الممرات الاقتصادية في سوريا والعراق، على اعتبار أن ذلك الصدام، لو حدث، لن يصب في مصلحة أي منهما اقتصاديا.
ويؤكد رؤوف لـ”الحرة” أن “مشروع الخط الإستراتيجي الإيراني عبر البصرة يهدف إلى حماية النفوذ الاقتصادي الإيراني في العراق وتوسيعه من خلال الحفاظ على الطرق التقليدية، الممتدة من إيران إلى العراق، وسوريا والبحر المتوسط ولبنان”.
لكن هذا الخط يواجه العائق الأكبر حاليا في سوريا، حيث لم تعد إيران تمتلك نفوذا كالسابق.
ولذلك فإن إيران لن تتوقف عن محاولاتها لإعادة السيطرة وبسط النفوذ في سوريا، وهي في سباق مستمر مع تركيا، فمن يسيطر على هذه المنطقة الإستراتيجية سيمتلك جزءا كبيرا جدًا من حركة التجارة الممتدة عبرها إلى البحر المتوسط، ومن ثم إلى القارة الأوروبية.