قبل انطلاق مونديال 2026 أرسل مدرب المنتتخب الأميركي لكرة القدم ماوريسيو بوتشيتينو رسالة للجماهير حاول من خلالها تعزيز الثقة بفريق لم يسبق أن كان منافساً قوياً على الألقاب.
“لماذا لا نكون نحن؟”.. سؤال وجهه المدرب الأرجنتني، البالغ من العمر 54 عاماً، للاعبيه من أجل صناعة تاريخ جديد لكرة القدم في الولايات المتحدة والمنافسة على اللقب الأغلى في العالم، بدلا من الاكتفاء بالمشاركة.
قبل أشهر قليلة من انطلاق المونديال، لم يكن المنتخب الأميركي يحظى بمكانة متقدمة في ترشيحات المحللين لبلوغ أدوار متقدمة في المونديال، رغم خوضه البطولة على أرضه وأمام جماهيره.
سلسلة النتائج التي سبقت المونديال، وبينها الخسارة وديا من بلجيكا بخماسية، أثارت الكثير من علامات الاستفهام. أداء متذبذب، وأخطاء دفاعية متكررة، وعجز عن فرض الشخصية أمام منتخبات كبيرة، وهي عوامل دفعت كثيرا من المتابعين إلى الاعتقاد بأن أقصى ما يمكن أن يحققه المنتخب هو عبور دور المجموعات، إذا سارت الأمور في الاتجاه المناسب.
لكن، مع انطلاق البطولة، بدأت تلك الصورة تتغير مباراة بعد أخرى.
المنتخب الذي بدا فاقدا للاستقرار قبل أشهر، ظهر بهوية مختلفة تماما داخل الملعب. اكتسح بارغواي في مباراته الافتتاحية برباعية بعد أن قدم كرة سريعة ومنظمة، مع قدرة واضحة على السيطرة على إيقاع المباراة. وتبعها بفوز مقنع على أستراليا جعله يتربع على قمة المجموعة ويتأهل بأريحية إلى دور الـ32، رغم خسارته المباراة الثالثة أمام تركيا بتشكيلة غلب عليها اللاعبون الاحتياطيون.
الأربعاء، كتب الأميركيون التاريخ عندما حققوا الفوز على البوسنة والهرسك في مبارة دور الـ32 رغم اضطرارهم للعب بـ10 لاعبين لنصف ساعة تقريبا بعد طرد هداف الفريق فولارين بالوغون.
كان هذا الفوز الثالث للمنتخب الأميركي في كأس العالم 2026، وهو أكبر عدد من الانتصارات يحققه الفريق في نسخة واحدة من البطولة، والانتصار الثاني في تاريخ المنتخب الأميركي بالأدوار الإقصائية لبطولة كأس العالم، الأول منذ نسخة 2002.
لكن الأهم من ذلك، أن رحلة الولايات المتحدة في المونديال، الذي يقام على أرضها بالاشتراك مع كندا والمكسيك، ستستمر على الأقل حتى تواجه بلجيكا في دور الـ16 يوم الاثنين المقبل بمدينة سياتل، مع توقعات منطقية بإمكانية التأهل إلى أدوار تالية.
وما زاد من حلاوة التأهل هو تزامنه مع احتفالات الأميركيين بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة الذي يصادف الرابع من يوليو.
مدرب غيّر طريقة التفكير
أحد أبرز أسباب التحول الذي يشهده المنتخب الأميركي يتمثل في النهج الذي فرضه المدرب الجديد منذ توليه المسؤولية نهاية عام 2024، إلى جانب نضج جيل شاب بدأ يجني ثمار سنوات طويلة من الاستثمار في تطوير كرة القدم الأميركية.
لم يعد الفريق يعتمد على التراجع إلى الخلف وانتظار أخطاء المنافسين كما حدث في فترات سابقة، فأسلوب اللعب أصبح أكثر جرأة، مع ضغط متقدم يبدأ عند فقدان الكرة، ومحاولة استعادتها خلال ثوان قليلة، إضافة إلى سرعة نقل اللعب من الدفاع إلى الهجوم، وهو ما منح المنتخب أفضلية في كثير من المواجهات.
كذلك يبقى معدل أعمار الفريق من أهم عناصر قوة المنتخب الأميركي الذي يعد أحد أصغر المنتخبات المشاركة في البطولة بواقع 26.4 عاما.
متوسط أعمار اللاعبين منح الفريق حيوية كبيرة طوال المباريات، خاصة في الشوط الثاني، إذ حافظ اللاعبون على مستوى مرتفع من الضغط والسرعة حتى الدقائق الأخيرة.
ويضم المنتخب عددا كبيرا من اللاعبين الذين يشاركون بصورة منتظمة في بطولات مثل الدوري الإنكليزي والإيطالي والألماني والهولندي والفرنسي، الأمر الذي انعكس بوضوح على طريقة تعاملهم مع المباريات الكبيرة.
أسماء صنعت الفارق
رغم اعتماد المنتخب على العمل الجماعي، لعب عدد من اللاعبين دورا محوريا في هذا النجاح.
قائد المنتخب كريستيان بوليسيتش (27 عاما) واصل تأكيد مكانته باعتباره اللاعب الأكثر تأثيرا داخل الفريق، مستفيدا من خبراته في اللعب من كبار أندية أوروبا مثل تشيلسي ودورتموند وميلان في قيادة الهجمات وصناعة الفرص، إلى جانب قدرته على الحسم في اللحظات الصعبة.
وفي الخط الأمامي، وفر مهاجم موناكو الفرنسي فولارين بالوغون (24 عاما) حلولا هجومية متنوعة بفضل تحركاته المستمرة داخل منطقة الجزاء، فيما منح مدافع فولهام الإنكليزي أنتوني روبنسون الفريق سرعة كبيرة على الأطراف، مع قدرة على استغلال المساحات خلف دفاعات المنافسين.
وفي وسط الملعب، شكل تايلر آدامز وسيرجينيو ديست محور التوازن داخل الفريق، من خلال افتكاك الكرة، وبدء الهجمات، والقيام بالأدوار الدفاعية التي سمحت للاعبين أصحاب النزعة الهجومية بالتقدم إلى الأمام.
أحد الجوانب التي لفتت الأنظار في المنتخب الأميركي تتمثل في التحول نحو كرة هجومية تعتمد على الاستحواذ الإيجابي، مع سرعة في التمرير، وتبادل مستمر للمراكز، إضافة إلى تنوع طرق الوصول إلى المرمى.
كما أظهر اللاعبون ثقة كبيرة في الاحتفاظ بالكرة تحت الضغط، وهو عنصر افتقده المنتخب الأميركي في بطولات سابقة.
هذا التطور جعل مباريات الولايات المتحدة من أكثر مباريات البطولة متعة من الناحية الفنية، وفق تقييم عدد من المحللين، خاصة مع ارتفاع النسق البدني والقدرة على مواصلة الضغط حتى الدقائق الأخيرة.
اللاعب رقم 12
لعبت استضافة الولايات المتحدة المشتركة للمونديال مع كندا والمكسيك دورا مهما في هذا النجاح.
فالحضور الجماهيري الكبير في مختلف المدن الأميركية منح المنتخب دفعة معنوية واضحة، خاصة مع امتلاء المدرجات بأعداد غير مسبوقة من المشجعين الذين حولوا المباريات إلى مهرجانات رياضية.
ورغم التشكيك قبل البطولة في قدرة كرة القدم على منافسة رياضات مثل كرة القدم الأميركية وكرة السلة والبيسبول من حيث الشعبية، أظهرت أجواء المونديال صورة مختلفة تماما.
المدرجات احتشدت بالأعلام الأميركية، والهتافات لم تتوقف طوال المباريات، فيما رافق المنتخب دعم جماهيري متنقل بين المدن المستضيفة، الأمر الذي خلق أجواء قريبة من تلك التي تشهدها البطولات الأوروبية وأميركا الجنوبية.
هذا الدعم ساعد اللاعبين الشباب على تجاوز ضغوط المشاركة في بطولة تقام على أرضهم، وحول عامل الاستضافة إلى عنصر قوة حقيقي داخل الملعب.
ومع اقتراب الأدوار الإقصائية من مراحلها الحاسمة، يواجه المنتخب الأميركي اختبارا أكثر صعوبة أمام منافسين من الصف الأول، إلا أن ما قدمه حتى الآن غيّر كثيرا من النظرة السابقة إليه، وأثبت أن الفريق الذي دخل البطولة وسط الشكوك، بات اليوم أحد أكثر المنتخبات التي تحظى باهتمام المتابعين.
بعد نهاية مباراة البوسنة والهرسك أعاد بوتشيتينو التذكير بمقولته الشهيرة “لماذا لا نكون نحن”. وأضاف لها كلمات أخرى تمنح الأمل لفريق شاب يحمل آمال ملايين الأميركيين في تحقيق الإنجاز.
“بالنسبة لنا، الأمر يتعلق بمواصلة الحلم.. ومواصلة العمل… فكل شيء ممكن في كرة القدم إذا آمنت بذلك. ونحن سنؤمن”، بحسب ما قال بوتشيتينو.