عندما أعلن الجيش اللبناني في يناير 2026 أن منطقة جنوب نهر الليطاني خالية من الأسلحة المتوسطة والثقيلة، بدا الإعلان نجاحا كبيرا في تطبيق أحد أكثر بنود اتفاق وقف إطلاق النار حساسية.
أيّد الرئيس جوزف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري الإعلان، وجدد لبنان تفويض قوات حفظ السلام، (اليونيفيل). وللوهلة الأولى، بدا أن الدولة اللبنانية أغلقت واحدا من أعقد الملفات، وهو البنية العسكرية لحزب الله جنوب الليطاني.
لكن العميد المتقاعد جوزف جروج يرى أن المسألة لم تكن بهذه البساطة. فالفارق بين ما أعلنه الجيش في يناير، وما قالت إسرائيل إنها عثرت عليه بعد دخول قواتها جنوب نهر الليطاني في مايو، يطرح سؤالا عن طبيعة البنية التي أقامها حزب الله في الجنوب، وعن الأماكن التي كان الجيش قادرا على الوصول إليها، وتلك التي بقيت خارج متناوله.
يقول جروج إن إعلان الجيش لم يكن بالضرورة مضللا. كان نتيجة عملية تفتيش جرت ضمن حدود قانونية واضحة. فوحدات الجيش اللبناني تستطيع تفتيش الأراضي المكشوفة، ومصادرة الأسلحة الظاهرة، وتفكيك منشآت تقع مداخلها خارج الممتلكات الخاصة. لكنها لا تستطيع دخول منزل خاص وتفتيشه من دون إذن قضائي، إلا في حالات محددة ينص عليها القانون.
هذه النقطة، في رأيه، هي مدخل القصة.
وبحسب جروج، فإن أي جهة عسكرية تخطط على مدى سنوات لبناء شبكة أنفاق ومخازن سلاح ستأخذ في الحسبان طريقة عمل الدولة اللبنانية والقانون اللبناني وآلية اليونيفيل. وإذا كان الخيار بين مدخل نفق في بستان تستطيع دورية الوصول إليه بسهولة، ومدخل آخر تحت منزل خاص يحتاج تفتيشه إلى مسار قضائي، فإن الخيار الثاني يصبح أكثر انسجاما مع منطق التخفي والحماية.
ولا يعني ذلك، كما يشدد جروج، أن معظم سكان الجنوب كانوا بالضرورة على علم بما يجري تحت منازلهم أو في محيطها. فشبكة أنفاق لا تحتاج إلى معرفة كل عائلة أو تعاون كل مالك منزل. يكفي أن يستحوذ على بضعة منازل في كل قرية لتكون غطاء لفتوحات الانفاق كي يستفيد من الحماية القانونية التي تمنحها الصفة السكنية لأي عقار خاص.
حدود القانون
يوضح المحامي والمحلل السياسي أمين بشير أن القانون لا يمنع الجيش من تنفيذ عمليات تفتيش، لكنه يفرض عليه الالتزام بالأصول القانونية. فتفتيش المنازل، كما يقول، يبقى خاضعا للإجراءات العادية، أي بوجود إذن قضائي، أو في حالات الضرورة والجرم المشهود، أو عندما تتوافر شروط قانونية تبرر التدخل.
ويضيف بشير أن الجيش، كغيره من الأجهزة ذات الصلة بالضابطة العدلية، ينفذ القانون ولا يملك سلطة قضائية مستقلة. وفي الحالات المرتبطة بالجيش، تكون المرجعية القضائية المختصة هي المدعي العام العسكري.
من هنا يستند جروج إلى القيود القانونية في رؤيته لما حدث. فالأرقام التي أُعلنت عن عمليات الجيش كبيرة، بحسب رأيه، ولا يمكن التقليل من أهميتها.
وفي مارس الماضي، قال رئيس الحكومة نواف سلام إن الجيش فكك أكثر من 500 مخزن أسلحة جنوب الليطاني. وخلال جولة إعلامية في نوفمبر 2025، قال الجيش إنه عالج 177 نفقا منذ بدء تنفيذ خطة “درع الوطن” لحصرية السلاح، وأغلق 11 معبرا على مجرى نهر الليطاني، وضبط 566 راجمة صواريخ.
غير أن هذه الأرقام، في قراءة جروج، تكشف أيضا حدود العملية. فكل ما عثر عليه الجيش كان، بحكم طبيعة المهمة، في أماكن استطاع الوصول إليها قانونيا. أما ما كان داخل الممتلكات الخاصة أو تحتها، فكان يحتاج إلى إجراءات مختلفة، وربما إلى وقت لا تسمح به طبيعة العمل العسكري أو سرعة انتقال المعلومات داخل القرى.
اتهامات الأنفاق تحت المنازل
عن الاتهامات المتعلقة بوجود مداخل أنفاق قرب منازل أو داخلها، يقول بشير إنها تستند إلى “معطيات ووثائق وتقارير متعددة”، بينها صور وتسجيلات نشرها الجيش الإسرائيلي لشبكات أنفاق قال إنها مرتبطة بحزب الله، وبعضها يبدأ أو ينتهي في مناطق سكنية.
وينقل بشير أيضا “شهادات” من سكان في بعض القرى الجنوبية تحدثوا، وفق قوله، عن محاولات حفر في محيط منازلهم أو أراض قريبة منهم، معتبرا أن هذه الروايات تعزز فرضية استخدام مناطق مدنية داخل البنية العسكرية للحزب.
أما العميد المتقاعد سعيد القزح فيتعامل بحذر أكبر مع هذه الروايات. ويقول إن معظم ما يتداول عن مداخل أنفاق تحت المنازل يستند إلى ما ينشره الجانب الإسرائيلي.
لكنه يلفت، في الوقت ذاته، إلى عمليتي اغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله حسن نصر الله، والأمين العام السابق هاشم صفي الدين، حيث استلزم الوصول إلى المواقع المستهدفة تدمير عدد من المباني السكنية، وهو ما يراه مؤشرا إلى وجود منشآت تحت أبنية مدنية.
بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في ما إذا كان الجيش اللبناني قد نفذ مهمته، وإنما في ما إذا كانت الصلاحيات القانونية المتاحة له تكفي لكشف بنية عسكرية بُنيت، في جزء منها على الأقل، داخل مساحات يصعب الوصول إليها من دون إذن قضائي.
اليونيفيل والسكان
يربط جروج هذه القراءة بنمط الحوادث التي تعرضت لها دوريات اليونيفيل في الجنوب خلال السنوات القليلة الماضية. ففي أكثر من منطقة، من بنت جبيل إلى صور وطير دبا وصريفا ووادي جيلو، واجهت الدوريات اعتراضات من سكان محليين، أحيانا بالحجارة أو بمحاولة منع المركبات من التقدم. وكانت الحجة المتكررة: لا دخول من دون الجيش اللبناني.
في ظاهرها، تعكس هذه العبارة رفضا شعبيا لدخول قوة دولية إلى مناطق حساسة من دون مرافقة الجيش. لكنها، في قراءة جروج، جعلت الجيش الجهة الوحيدة المخولة بالدخول، مع أن الجيش نفسه هو الأكثر تقييدا عندما يتعلق الأمر بالمنازل الخاصة.
وهكذا، لا يقتصر أثر حصر الدخول بالجيش على تقييد حركة اليونيفيل. فهو يواجه أي تفتيش حساس عبر المسار القانوني الأضيق، خصوصا إذا كان الهدف منزلا أو عقارا خاصا.
ما الذي كشفه مايو؟
بعد التصعيد الذي أعقب اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، والقصف الصاروخي على شمال إسرائيل في 2 مارس، بدأت إسرائيل تستهدف جسورا ومعابر ومخازن أسلحة في الجنوب. ثم جاء دخول القوات الإسرائيلية جنوب نهر الليطاني في مايو ليكشف، وفق الرواية الإسرائيلية، مواقع مختلفة عن تلك التي تمكن الجيش اللبناني من الوصول إليها سابقا.
يقول جروج إن ذلك لا يثبت سوء نية من جانب الجيش اللبناني. على العكس، يراه دليلا على أن الجيش تحرك ضمن ما يسمح به القانون، وأن ما بقي خارج حصيلته كان الجزء الذي صُمم أصلا كي يبقى بعيدا عن هذا النوع من التفتيش.
ما العمل؟
بالنسبة لجروج لم يفشل الجيش. الخلاصة أن الدولة تحتاج إلى أداة قانونية وأمنية تناسب طبيعة التهديد، من دون تحويل الجيش إلى قوة تفتش المنازل بصلاحيات مفتوحة.
ويقترح في هذا السياق إنشاء غرفة عمليات ملحقة بقيادة الجيش في الجنوب، تعمل إلى جانب القضاء، تكون مهمتها التعامل السريع مع معلومات محددة عن أنفاق أو مخازن سلاح داخل ممتلكات خاصة.
لكن هذا الاقتراح يصطدم، وفق بشير، بواقع القضاء اللبناني. فمسار استقلالية القضاء بدأ تشريعياً عام 2025، لكنه لم يكتمل بعد. لم تصدر كل المراسيم التطبيقية، ولم تُستكمل التعيينات والإصلاحات الإدارية والمالية اللازمة. كما أن هذا المسار، بحسب بشير، لم ينعكس بعد على أداء القضاء، في ظل ضعف المحاسبة وبقاء ملفات كثيرة عالقة.
لذلك، فإن أي آلية جديدة تحتاج إلى ضمانات واضحة: معلومات استخباراتية محددة، إذن قضائي سريع، توثيق علني، ورقابة من اليونيفيل أو آلية وقف إطلاق النار، من دون أن تتولى هذه الجهات التنفيذ.
عندها فقط، يقول جروج، يمكن أن يتحول تفتيش منزل جنوب الليطاني من مسألة طائفية أو اختبار ولاء إلى إجراء قانوني لبناني، تقوم به الدولة عبر جيشها وقضائها، لحماية العائلات نفسها من بنية عسكرية قد تكون أقيمت تحت منازلها من دون علمها أو موافقتها.
هذه، في نظره، هي الرؤية الوحيدة لـ”تطهير الجنوب” التي يمكن أن تصمد في أي مواجهة مقبلة: لا عملية عسكرية مفتوحة على المنازل، ولا إعلان سياسي عن منطقة خالية قبل التأكد مما تخفيه الأرض تحتها، وإنما مسار قانوني قادر على الوصول إلى الأماكن التي صُممت كي تبقى خارج الضوء.