قلّما يحدث في كأس العالم أن توقف عاصفة مباراة ما بين شوطيها، فيتأخر انطلاق الشوط الثاني أكثر من ساعة. ومع ذلك، بقي جمهور الفريقين، الذي شارف عدده على 65 ألفا، داخل أروقة المناطق المخصصة للجماهير، ليتابع المباراة بين العراق وفرنسا.
تأخير المباراة لم يكن بسبب المطر، لان المطر لا يجب أن يوقف أي مباراة إلا إذا غرقت أرضية الملعب وليس ممكنا تصريف المياه.
ما يخشاه المنظمون، بحسب إجراءات السلامة المعتمدة من الفيفا، هو العواصف الرعدية والبرق.
القاعدة تقول إنه في حال حدوث برق على بعد ثمانية أميال أو أقل من الملعب، يجب إيقاف المباراة مؤقتا لمدة 30 دقيقة، ويتعين على المشجعين التوجه إلى الممرات الداخلية أو مناطق الإيواء المخصصة لحالات الطوارئ. ويعاد تجديد هذه المهلة لثلاثين دقيقة أخرى، مع أي برق يحدث ضمن نطاق الأميال الثمانية.
أما المطر، فلم يوله الجمهور العراقي ولا الجمهور الفرنسي أية أهمية. وكأنه لم يحدث. عندما سُمح باستكمال اللعب، عادت الجماهير إلى المدرجات تحت زخات غزيرة من المطر.
ولأنه قلما يحدث مثل هذه الأمور في مباريات كأس العالم، اعتبرتُ نفسي محظوظا بأن تكون هذه أول مباراة كرة قدم على الإطلاق أشاهدها من ملعب، وليس أي ملعب، بل أحد أضخم وأهم الملاعب في الولايات المتحدة، في مدينة فيلادلفيا التي تحتل مكانة استثنائية بوصفها مهد التاريخ الأميركي، وبوصفها العاصمة السياسية والإدارية للولايات المتحدة في فترة التأسيس، قبل نقلها إلى واشنطن.
ففي أروقة “قاعة الاستقلال” العريقة، صِيغت واعتُمِدت أبرز الوثائق التأسيسية والدستورية للأمة، وعلى رأسها إعلان الاستقلال عام 1776(تحتفل أميركا هذا العام بعيد استقلالها الـ 250).
اعتدت مشاهدة كرة القدم على الشاشة دائما. لم يخطر لي يوما في بلدي لبنان، أن أذهب لحضور مباريات في الملاعب. والسبب ببساطة: الخوف. والخوف كان دائما المحرك الغريزي للبقاء والنجاة في بقعة جغرافية لطالما عانت من الحروب والصراعات.
فارتياد الملاعب اللبنانية، خصوصا في المباريات الحامية من الدوري أو الكأس، تنطوي غالبا على قدر عال من المخاطرة، اذ تنتهي في أحيان كثيرة إلى إشكالات أمنية، وعنف وشغب وتدخل من الأجهزة الأمنية لمكافحته بعنف وشغب أيضا.
وما يفترض أن يكون تجربة ممتعة للتنافس الرياضي، يتحول في أحيان إلى معارك أهلية، يتخللها هتافات شديدة الطائفية، حتى وصل الأمر بالاتحاد اللبناني لكرة القدم إلى منع دخول الجماهير إلى الملاعب، أو في حالات استثنائية تقنين أعدادها.
نعم، تُلعب كثير من المباريات عندنا في لبنان من دون جماهير، خوفا على السلم الأهلي. وهذا الأمر جعل الرياضة دائما مرهونة بالسياسة، وهي تتصل بها على أي حال، حتى عندما يتعلق الأمر بكأس العالم.
في التاسع من تموز 2006، وفي ملعب ترابي يقع في ساحة مدينة النبطية، في جنوب لبنان، وضعت البلدية شاشة كبيرة لمشاهدة النهائي بين إيطاليا وفرنسا. وكنتُ أشجّع إيطاليا، ولطالما كنت كذلك منذ مراهقتي. لكن اللبنانيين كانوا دائما يخشون فوز إيطاليا بكأس العالم. ففوزها ارتبط بذاكرتهم بالاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، وهو ما خلق لديهم ربطا نفسيا بين فوز إيطاليا بكأس العالم والحرب، وكأنها علاقة سببية. وما كان يخشاه اللبنانيون حدث بعد ثلاثة أيام فقط من انتصار إيطاليا على الديك الفرنسي في عام 2006، بضربات الترجيح، ثلاثة لصفر.
في الثاني عشر من تموز من ذلك العام، نفذ “حزب الله” عملية خطف جنود إسرائيليين عبر الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، أشعلت حربا مدمرة لثلاثة وثلاثين يوما.
هل كان عليّ أن أشجّع فرنسا؟ صرت أتساءل بشيء من السخرية السوداء. ثم راح أداء المنتخب الإيطالي يتراجع على مدى سنوات، فخرج من دوري المجموعات في الدورة التالية في العام 2010، ثم في العام 2014 أيضاً ودّع البطولة في مراحلها الأولى، ومنذ ذلك الحين، لم يتأهل المنتخب الإيطالي للمونديال. وكان عليّ ان أختار فريقاً بديلاً أشجعه، فاخترت فرنسا بسبب حبي لزيدان، وصرت أشجع فرنسا، في انتظار عودة الطليان إلى رشدهم الكروي.
في نسخة مونديال 2026، لبنان يعيش حربا مستمرة منذ الثامن من أكتوبر 2023. إيطاليا ليست في هذه النسخة أصلا، ومع ذلك وقعت الحرب. ليس “الحق على الطليان” إذا. وهذه مقولة شهيرة في بلاد الشام، لها حكايتها الشائعة: تعود الحكاية إلى فترة الانتداب الفرنسي في سوريا ولبنان. ويُقال إن فرنسيا وإيطاليا وقعا في خلاف كبير، وحين حُولت القضية إلى القضاء، كان النفوذ الفرنسي مهيمنا جدا. وخوفا من القاضي ومن السلطات الفرنسية، قام الجميع (بما فيهم الشهود) بلفلفة القضية وإلقاء كامل اللوم والمسؤولية على الطرف الإيطالي (الطلياني) لأنه كان الحلقة الأضعف سياسيا. ومنذ ذلك الحين، أصبح يُقال عند رمي التهمة على الضعيف أو حتى البريء: “الحق على الطليان”.
هناك وقف إطلاق نار في لبنان حاليا، انقشع بعده بعض الغبار عن حجم الدمار والخراب الذي انتجته الحرب. الطليان بريئون تماما هذه المرة. فعلى من سيقع اللوم؟
أقف في الملعب في فيلادلفيا، لابسا “تي شيرت” أزرق عليه شعار فرنسا، وسط مجموعة كبيرة من الأصدقاء العراقيين، مشجعا فرنسا ومتحمسا لكيليان مبابي، ومناكفا بأن الفرنسيين سيسجلون خمسة أهداف.
سجل الفرنسيون ثلاثة أهداف فقط، اثنان منها سجلها مبابي، وصنع لي بهجة خاصة، لا تخلو من غصة، اختلطت فيها بعض الدموع بالمطر.
رغم خيبة الأمل العراقية، كان الجمهور الذي أتى من مختلف الولايات الأميركية مبتهجا وفرحا وفخورا بمشاركة بلدهم في كأس العالم. رقصوا وغنّوا وهتفوا رغم الخسارة، بل ذهبوا بعيدا في السخرية من فريقهم وأخطائه، حتى قال لي أحدهم، ونحن نغادر الملعب، أن المدافع العراقي زيد تحسين صنع هدفين “أسطوريين” في كأس العالم، واحد للفرنسي مبابي والآخر للنرويجي ايرلين هالاند!
كان المطر قد هدأ والجماهير تغادر المكان. تنعكس أضواء من بقع ماء تركتها السماء مبعثرة على الأسفلت. زاد المطر طول المباراة ومتعة التجربة، لكن زاد أيضا شيئا من الحنين والأسى. تذكّرتُ وأنا أرى أعلام العراق تلوح مع المغادرين “أنشودة المطر” للسّياب، راحت كلماتها تتردد في ذهني، في خليط من السعادة والحزن:
“وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع
ثم اعتللنا، خوف أن نلام، بالمطر…”.