واشنطن العاصمة 02:10 AM

تقرير لـ"بتسيلم" يعيد فتح ملف مقتل أطفال فلسطينيين في الضفة الغربية

“بتسيلم” توثق مقتل 54 طفلا وقاصرا فلسطينيا خلال عام واحد، والجيش الإسرائيلي يقول إن عملياته تستهدف المسلحين لا المدنيين.

· 5 دقيقة قراءة
جنود إسرائيليون يقفون في موقع سبسطية الأثري بالضفة الغربية، 29 يونيو/حزيران 2026. رويترز/محمد توروكمان

قالت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية إن عام 2025 شهد أعلى عدد من الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا في الضفة الغربية منذ عام 1967، في تقرير جديد أعاد تسليط الضوء على حصيلة الضحايا المدنيين في منطقة شهدت توسعا في العمليات العسكرية الإسرائيلية وتصاعدا في نشاط الفصائل الفلسطينية المسلحة منذ هجوم السابع من أكتوبر.

ويرفض الجيش الإسرائيلي الاستنتاجات التي خلصت إليها المنظمة، مؤكدا أن عملياته في الضفة الغربية تستهدف “إحباط الإرهاب” وحماية المدنيين الإسرائيليين، وأن قراءة أعداد القتلى لا يمكن أن تنفصل عن الظروف الأمنية التي سبقت كل حادثة.

وفي رد مكتوب بعث به إلى “الحرة”، قال الجيش إن مهمته في الضفة الغربية تتمثل في “إحباط الإرهاب، وحماية جميع السكان، وفرض القانون والنظام”، مشددا على أن “من المهم التدقيق في الحقائق الكامنة وراء الأرقام”.

ويأتي التقرير في وقت تحولت فيه الضفة الغربية إلى إحدى ساحات المواجهة الرئيسية بعد اندلاع الحرب في غزة. فخلال أكثر من عامين، وسعت إسرائيل عملياتها العسكرية، ولا سيما في شمال الضفة الغربية، بينما عززت مجموعات فلسطينية مسلحة حضورها في مدن ومخيمات عدة، بينها جنين وطولكرم ونابلس.

وتقول “بتسيلم” إن هذه التطورات رافقها ارتفاع حاد في عدد القتلى الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال. وتخلص المنظمة إلى أن عام 2025 كان الأكثر دموية للأطفال والفتيان الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ بدء الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة عام 1967.

وفي حديثه لـ”الحرة”، يقول المتحدث باسم منظمة “بتسيلم”، كريم جبران، إن المنظمة وثقت مقتل 54 طفلا وقاصرا فلسطينيا في الضفة الغربية خلال عام 2025 وحده، وهو، بحسب قوله، أعلى رقم تسجله المنظمة منذ تسعة وخمسين عاما.

ويضيف جبران أن المنظمة أحصت، منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى الثامن والعشرين من يونيو 2026، مقتل 1086 فلسطينيا في الضفة الغربية، بينهم 241 طفلا وقاصرا، أي أن نحو ربع القتلى كانوا دون الثامنة عشرة من العمر.

ويرى جبران أن هذه الأرقام لا تعكس ارتفاعا كميا فحسب، بل تشير، من وجهة نظر المنظمة، إلى تغير في طريقة استخدام القوة داخل الضفة الغربية. ويربط ذلك بما تصفه “بتسيلم” بتخفيف القيود على إطلاق النار، وبالمناخ السياسي والأمني الذي أعقب هجوم السابع من أكتوبر.

لكن الجيش الإسرائيلي يقول إن هذه القراءة تتجاهل تصاعد التهديدات الأمنية في الضفة الغربية خلال الفترة نفسها.

وبحسب الجيش، فإن معطياته تشير إلى أن غالبية الفلسطينيين الذين قُتلوا على أيدي قواته كانوا متورطين في “نشاطات إرهابية”، وفقا لتعبيره. وأضاف أنه خلال عامي 2023 و2024 كان نحو 96 في المئة من الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال عمليات الجيش “ضالعين في نشاط إرهابي”، وأن 70 في المئة منهم كانوا يحملون أسلحة نارية.

وأشار الجيش أيضا إلى أن الضفة الغربية شهدت بين عامي 2023 و2025 أكثر من 1100 هجوم، أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين الإسرائيليين وجنود الجيش. وقال إن هذه المعطيات تعكس واقعا أمنيا شهد تطور بنى تحتية مسلحة داخل عدد من المدن ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

ورفض الجيش الاستنتاج القائل إن ارتفاع أعداد القتلى يعكس استهدافا للمدنيين، مشيرا إلى أن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال عام 2025 انخفض إلى نحو نصف عدد القتلى المسجلين في العام الذي سبقه. واعتبر أن ذلك يشكل، بحسب تقديره، مؤشرا على أن عملياته تتركز ضد التهديدات الأمنية وليس ضد السكان المدنيين، مضيفا أن معطيات العام الحالي تسير في الاتجاه نفسه.

ويستعرض تقرير “بتسيلم” أيضا ملابسات مقتل كل واحد من الأطفال والقاصرين الأربعة والخمسين الذين وثقت المنظمة مقتلهم خلال عام 2025. وتقول المنظمة إن تحقيقاتها استندت إلى مقابلات ميدانية، وشهادات لأفراد من العائلات وشهود عيان، إضافة إلى مراجعة مواد مصورة ووثائق رسمية عندما كانت متاحة.

وتضيف “بتسيلم” أن الحالات التي وثقتها لا تندرج في نمط واحد. فبعض الأطفال قُتلوا خلال مداهمات نفذها الجيش الإسرائيلي داخل بلدات فلسطينية، وآخرون أثناء عمليات اعتقال أو غارات جوية، فيما قُتل آخرون، بحسب المنظمة، داخل منازلهم أو بالقرب منها، أو أثناء مرورهم في أماكن شهدت مواجهات.

وتقول المنظمة إن تنوع هذه الحالات يجعل من الصعب، من وجهة نظرها، تفسير جميع الوفيات باعتبارها نتيجة مباشرة لمواجهات مسلحة أو تهديدات فورية للقوات الإسرائيلية.

لكن هذه الخلاصة تواجه اعتراضا داخل إسرائيل.

فالخبير الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور مردخاي كيدار، يقول لـ”الحرة” إن تقرير “بتسيلم” يقدم، برأيه، قراءة سياسية للواقع، وإن الأرقام التي يتضمنها لا يمكن التعامل معها بمعزل عن الظروف التي أحاطت بكل حادثة.

ويضيف كيدار أن السؤال الأساسي، من وجهة نظره، لا يتعلق بعدد القتلى فقط، وإنما بما سبق إطلاق النار في كل حالة، وما إذا كانت القوات الإسرائيلية تواجه هجوما أو تهديدا مباشرا. ويرى أن الاكتفاء بعرض الحصيلة من دون تناول السياق الأمني “لا يعكس الصورة الكاملة”.

ويرفض كيدار الحديث عن وجود سياسة إسرائيلية تستهدف الأطفال بصورة متعمدة، قائلا إن الجيش الإسرائيلي والمستوطنين “ليست لديهم هواية لقتل الأطفال”، وإن الإصابات التي تقع تكون، بحسب قوله، نتيجة عمليات أمنية أو تبادل لإطلاق النار، وليس بسبب استهداف الأطفال بحد ذاته.

وتضع “بتسيلم” أرقام عام 2025 في سياق زمني أوسع. فبحسب المنظمة، قُتل خلال سنوات الانتفاضة الثانية، بين عامي 2000 و2005، 251 طفلا وقاصرا فلسطينيا في الضفة الغربية، وهو رقم قريب من عدد الأطفال والقاصرين الذين وثقت المنظمة مقتلهم منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى نهاية يونيو 2026، رغم أن الفترة الزمنية الأخيرة أقصر بكثير.

وفي تفسيرها لهذه الزيادة، تربط المنظمة بين ارتفاع عدد القتلى وبين ما تصفه بتغييرات طرأت على سياسة إطلاق النار في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة. وتقول إن المنحنى بدأ بالارتفاع منذ عام 2022، قبل أن يتسارع بعد السابع من أكتوبر 2023. كما تستشهد بتصريحات سابقة لقائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء آفي بلوط، باعتبارها دليلا، من وجهة نظرها، على تشدد أكبر في قواعد الاشتباك المعمول بها في الضفة الغربية.

غير أن كيدار يرى أن المقارنة بين الفترات الزمنية المختلفة تتجاهل التحولات التي شهدتها الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما اتساع نشاط المجموعات المسلحة في مدن ومخيمات شمال الضفة، وازدياد الهجمات التي استهدفت إسرائيليين، وهو ما دفع، بحسب قوله، إلى توسيع العمليات العسكرية الإسرائيلية.

ويشكل ملف المساءلة أحد أبرز محاور التقرير. وتقول “بتسيلم” إن الزيادة في أعداد الضحايا ترافقها، من وجهة نظرها، تراجع في محاسبة المسؤولين عن حوادث إطلاق النار.

ويشير التقرير إلى أنه لم تُقدَّم لوائح اتهام في قضايا قتل فلسطينيين في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023. كما يتحدث عن حالات قالت فيها المنظمة إن القوات الإسرائيلية أخرت أو منعت وصول طواقم الإسعاف إلى الجرحى، إضافة إلى استمرار احتجاز جثامين عدد من الأطفال الفلسطينيين الذين قُتلوا خلال تلك الفترة.

وتبقى هذه الاستنتاجات جزءا من نتائج التحقيقات التي أجرتها “بتسيلم” ومنظمات حقوقية أخرى، فيما تؤكد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن عملياتها تجري في بيئة أمنية تشهد تصاعدا في الهجمات المسلحة والبنى التنظيمية داخل الضفة الغربية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة