واشنطن العاصمة 06:27 PM

"كارثة " في السودان.. مصير الفاشر يهدد "الأبيض"

أدى القتال بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتفاقم الأزمة الإنسانية في الأبيض.

· 4 دقيقة قراءة
امرأة نازحة تقف أمام صندوق كرتوني فارغ يحمل عبارة "USA"، في مخيم للنازحين بمدينة الأبيض، ولاية شمال كردفان، السودان، 12 يناير 2026. تصوير: الطيب صديق - رويترز.
امرأة نازحة تقف أمام صندوق كرتوني فارغ يحمل عبارة "USA"، في مخيم للنازحين بمدينة الأبيض، ولاية شمال كردفان، السودان، 12 يناير 2026. تصوير: الطيب صديق - رويترز.

منذ تصاعد هجمات المسيرات في مدينة الأبيض السودانية وما نتج عنها من تعطل خدمات الكهرباء والمياه، يواجه النازحون ظروفا إنسانية قاسية، حيث يضطرون لقطع مسافات طويلة للحصول على القليل من قطرات الماء وسط تدهور متسارع للأوضاع داخل المخيمات.

هذا المشهد الإنساني سلط الضوء على واقع “عروس الرمال”، عاصمة ولاية شمال كردفان، التي تتصدر اليوم المشهد السوداني المعقد، وسط تساؤلات إن كان سيناريو “الفاشر” سيتكرر، أم أن واقعها الميداني والجغرافي يحمل معطيات مختلفة تماما.

تضم مدينة الأبيض أكثر من نصف مليون نسمة من سكانها الأصليين، بالإضافة إلى ما يزيد على 100 ألف نازح فروا إليها بحثا عن الأمان من ويلات الحرب.

وإلى جانب ثقلها السكاني، تتجسد أهميتها الاستراتيجية في كونها المركز الإداري والعسكري الأهم بإقليم كردفان، ومقرا لرئاسة الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة)، فضلا عن كونها المحطة الأساسية للتجارة ومرور المساعدات الإنسانية والإمدادات المعيشية والإدارية لولايات كردفان (الشمالية، الجنوبية، والغربية).

وقد أدى القتال بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وتفاقم الأزمة الإنسانية في الأبيض، مع تبادل الطرفين الاتهامات بشأن استهداف المدنيين وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

استهداف بالمسيرات و”إنذار أحمر” أممي

هذه المكانة الحيوية جعلت المدينة وريفها عرضة لاستهدافات متزايدة بالطائرات المسيّرة.

وبحسب تقارير “منظمة السلامة الدولية للمنظمات غير الحكومية”، شهدت ولاية شمال كردفان نحو 141 هجوما بالطائرات المسيرة تركزت غالبيتها على الأبيض، مستهدفة مرافق صحية، وتعليمية، وبنى تحتية، بالإضافة إلى الأحياء السكنية ومخيمات النازحين، ما أدى لتعطيل الخدمات الأساسية وانقطاع الكهرباء وارتفاع تكاليف المعيشة.

هذا التدهور دفع المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، للتحذير من “كارثة إنسانية كبيرة”، مشيرا إلى أن ما يجري يعد “إنذارا أحمر” يجب أن يصل إلى مكاتب رؤساء الدول والحكومات لتفادي الجرائم الفظيعة، في ظل ظروف تشبه الحصار يعاني منها المدنيون.

وقال تورك، إن المدنيين في مدينة الأبيض يعيشون منذ 18 شهرا في ظروف تشبه الحصار، مع نقص حاد في مياه الشرب النظيفة وتعرضهم المستمر لهجمات بالطائرات المسيرة، محذرا من تكرار الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها مدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور العام الماضي.

وفي تصريحات لـ”الحرة”، وصف عمار حمودة القيادي في “الحرية والتغيير” أيضا الوضع بأنه “كارثي” حتى من قبل اشتداد الحصار لأنه يفوق قدرتها على التحمل بسبب العدد السكاني ونقص الإمدادات الحيوية مثل الأدوية والوقود.

ويقول إن العامل المشترك بين الفاشر والأبيض هو غياب الحماية للمدنيين واستعمال المدنيين في الحصار، فالأبيض باتت مركزا للنازحين وبات هذا المركز يعاني من الحصار والمسيرات والنقص في الإمدادات الحيوية التي تؤثر على حياة الناس.

وكان ريتشارد داتا، مدير بعثة لجنة الإنقاذ الدولية في السودان، قد حذر أيضا من انهيار شامل وشيك، وقال “إن ما يحدث في الأبيض اليوم قد يتكرر بصورة تحاكي الفظائع التي شهدناها في الفاشر، حيث تحول المدنيون إلى أهداف”.

ووفقا لتقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تواجه النساء والفتيات في الأبيض كابوسا مشابها للفاشر، حيث يتعين عليهن الاختيار بين المخاطرة بالتعرض لضربات الطائرات المسيرة التي تستهدف شاحنات المياه نهارا، أو مواجهة العنف الجنسي وكمائن الليل إذا ما انتظرن حلول الظلام، وفق ما قالته هيئة الأمم المتحدة للمرأة.

يقول حمودة لـ”الحرة” إنه يمكن للأطراف المتحاربة أن تتقاتل في صحراء الأبيض الكبيرة، لكن اختاروا أن يتقاتلوا على رؤوس المدنيين الذين يدفعون ثمن ذلك.

“ليست فاشر أخرى؟”

في المقابل، يرى الخبير الأمني والعسكري السوداني عامر حسن عباس أن الربط بين سيناريو سقوط الفاشر وما يجري في الأبيض هو “حديث إعلامي وسياسي يفتقر للواقعية الميدانية”.

ويعتبر عباس أن الفاشر عانت من حصار بري خانق وسياسة تجويع متصلة، بينما تظل الأبيض مرتبطة بريا عبر شريانين مفتوحين يتصلان بأكثر من 13 ولاية سودانية، وتستمر عبرهما حركة المواطنين والبضائع (مثل طريق كوستي وتندلتي).

ويضيف عباس أن المدارس والجامعات والمستشفيات لا تزال تعمل، وأن أزمة المياه موسمية فقط، حيث يؤمن دخول موسم الأمطار الموارد الجوفية للمدينة.

أما “الحديث عن عطش أو جفاف حاد بالمدينة غير صحيح، فالأمطار التي تبدأ عادة منذ نهايات مايو تُعد الضمانة الأساسية لتوفير احتياجات السكان والموارد الجوفية”.

وفي إشارته للبُعد العسكري، يؤكد عباس أن “التهديد الميداني العسكري الوشيك لسقوط المدينة غير موجود”، حيث تخلو ضواحيها المباشرة من الحشود والمدفعية الثقيلة، وتدور العمليات البرية على بعد أكثر من 50 كيلومترا، مترافقا مع وجود للجيش والقوات المشتركة في محاور ممتدة حتى تخوم دارفور.

 ولفت عباس إلى أن “تواجد القوات المسلحة والقوات المشتركة في ثلاث محليات على تخوم مدينة الجنينة بالغرب يؤكد أن الأبيض ليست المركز الأخير للجيش بالاتجاه الغربي، بل ينفتح الميدان على حضور عسكري ممتد حتى ولايتي غرب وشمال دارفور”.

وفي تفسيره لتركز الضربات الجوية، يرى عباس أن سلاح المسيّرات بات الأداة الأساسية لإحداث الإرباك وشل الخدمات وإشاعة الخوف للضغط على الجيش والحكومة السودانية باتجاه فرض هدنة سياسية، معتبرا أن الاستهداف الجوي المستمر عبر المسيرات يُستغل في الفضاء الدولي لفرض محادثات جديدة على الحكومة السودانية.

ويشير إلى أن هذا التكتيك الجوي يُشكل حلا ترتكز عليه القوى المتصارعة كبديل للتقدم البري الصعب، بغية خلق ضغط إعلامي وسياسي ودولي متواصل.

وتبقى الأوضاع الإنسانية في الأبيض مشوبة بالحذر الشديد، فالخوف من الضربات الجوية المستمرة، والتضخم، وصعوبة وصول الإغاثة الدولية، عوامل تتضافر لتبقي المدينة في حالة حرجة إنسانيا، تاركة مستقبل “عروس الرمال” مرهونا بما ستسفر عنه الأيام القادمة بين صمود المدنيين أمام تردي الأوضاع الإنسانية وهجمات المسيرات المستمرة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة