واشنطن العاصمة 07:15 PM

كيف وسعت الإمارات نفوذها عبر حرب أوكرانيا؟

سعت الدولة الخليجية الثرية إلى توظيف استضافتها للمحادثات التي أسفرت عن عمليات تبادل للأسرى بين أوكرانيا وروسيا لتعزيز نفوذها الدولي على نطاق أوسع.

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يسيران في الكرملين عقب محادثاتهما في موسكو، في 7 أغسطس/آب 2025. (تصوير: غافرييل غريغوروف / بول / أ ف ب)

بعد مرور أربعة أعوام على الحرب في أوكرانيا، لا تمر إحدى أكثر القنوات الدبلوماسية نجاحا بين موسكو وكييف عبر واشنطن أو بروكسل أو جنيف، بل عبر أبو ظبي.

ومنذ الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، قادت دولة الإمارات 25 جولة وساطة أسفرت عن إطلاق سراح أكثر من سبعة آلاف أسير لدى طرفي النزاع. كما رسخت الإمارات مكانتها بوصفها وسيطا سياسيا فاعلا، بعدما استضافت جولتين من المحادثات الثلاثية بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا بشأن قضايا رفيعة المستوى منذ يناير.

ويأمل المسؤولون الإماراتيون أن تشكل الوساطة الهادئة في عمليات تبادل الأسرى، إلى جانب استضافة تلك المحادثات الثلاثية غير المسبوقة، دليلا على قدرة أبو ظبي على تحويل ثروتها النفطية إلى نفوذ سياسي يتجاوز حدود الشرق الأوسط.

الاستراتيجية الإماراتية

ترتكز جهود الوساطة الإماراتية على موقف الدولة المتوازن نسبيا في الحرب الروسية الأوكرانية. فمع أن الإمارات أدانت الغزو الروسي لأوكرانيا، فإنها حافظت على علاقاتها الدبلوماسية مع موسكو، وتعرضت لضغوط من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتشديد موقفها بشأن فرض العقوبات على روسيا.

وقال أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، في فبراير: “عندما غزت روسيا أوكرانيا، اتخذنا موقفا يقف إلى جانب القانون الدولي، لكن في الوقت نفسه… لم ننحز إلى أي طرف، وحافظنا على علاقاتنا مع أوكرانيا، وكذلك مع روسيا”.

وأضاف: “ما نريده حقا هو أن نكون طرفا يساعد”.

ويرى دميتري بريدجي، الباحث، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، وهو مركز أبحاث مقره في القاهرة، أن هذا النهج الأكثر استقلالية هو ما يجعل الإمارات شريكا مفيدا بالنسبة للقيادة الروسية.

وقال بريدجي: “موسكو لا تنظر إلى الإمارات باعتبارها تابعاً للغرب، بل ترى في أبو ظبي قوة ذات سيادة وبراغماتية تتحدث مع الجميع ولا تحول الوساطة إلى أداة ضغط سياسي ضد روسيا.”

وأضاف: “بالنسبة لموسكو، تكمن أهمية الإمارات في أنها تمتلك قنوات اتصال مع واشنطن وكييف وموسكو ودول الخليج، لكنها لا تتصرف كما تفعل بروكسل أو جنيف”.

وتابع قائلا: “غالبا ما تُصوَّر الأطر التي يقودها الغرب، مثل جنيف، على أنها منصات مسيسة تهدف إلى ممارسة الضغط على روسيا، لا إلى التفاوض معها. أما الإمارات فتُقدَّم بوصفها وسيطا، في حين يُنظر إلى الغرب على أنه طرف في النزاع يرتدي قناع الدبلوماسية”.

وبنى القادة الإماراتيون جسور الثقة من خلال العلاقات الشخصية مع مسؤولين روس وأوكرانيين، مع التركيز على القضايا الإنسانية قبل الملفات السياسية.

وقال أحمد خليفة، وهو محلل مقيم في الإمارات، إن أبوظبي “توفر قناة اتصال موثوقة وبيئة مناسبة للحوار، مع التركيز على تحقيق نتائج إنسانية أكثر من الانشغال بصياغة مقترحات سياسية كبرى”.

ماذا تريد الإمارات من هذا الدور؟

تسعى الإمارات إلى توظيف وساطاتها في النزاعات الدولية لتنويع سياستها الخارجية بما يتجاوز الشرق الأوسط، وإظهار قدرة الدولة الخليجية على لعب دور في الساحة الدولية الأوسع.

وخلص تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن العلاقات الإماراتية الروسية “قوية ومتنامية”. كما ارتفعت الاستثمارات الروسية في الإمارات خلال السنوات الأخيرة، في جزء كبير منها بهدف الالتفاف على العقوبات الغربية.

كما انخرطت الدولة الخليجية في نزاعات جيوسياسية أخرى. ففي عام 2018، توسطت الإمارات في اتفاق سلام بين إثيوبيا وإريتريا، وشاركت أيضا في المحادثات بين مصر وإثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة.

لكن سعي الإمارات إلى تعزيز قوتها الناعمة وترسيخ سمعتها كوسيط موثوق يواجه تحديات بسبب دورها في الحرب الأهلية السودانية المستمرة. إذ تشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة وعدد من المنظمات غير الحكومية إلى أن الإمارات تدعم قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية تواجه اتهامات واسعة بارتكاب جرائم حرب خلال قتالها ضد القوات المسلحة السودانية.

ورغم أن الإمارات نفت مرارا تقديم أي دعم مادي أو مالي أو سياسي لقوات الدعم السريع، خلص تقرير استقصائي أصدرته منظمة “هيومن رايتس ووتش” في مايو 2026 إلى أن الدولة ساعدت المتمردين في تجنيد وتزويد شركات عسكرية خاصة عبر شركة عملت كواجهة. وقالت المنظمة إن دور الإمارات “قد يرقى إلى مستوى المساعدة والتحريض، أو الإسهام بصورة جوهرية، في ارتكاب قوات الدعم السريع جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

وقال المحلل السياسي السوداني محمد المصطفى لشبكة MBN إن الإدانات المتزايدة للإمارات بسبب دورها في السودان من غير المرجح أن تؤثر بشكل كبير في مكانتها على الساحة الدولية.

وأضاف: “من غير المتوقع أن تتأثر علاقات الإمارات مع شركائها الدوليين بصورة كبيرة، رغم تزايد الدعوات لإدانة موقفها من الحرب السودانية”، مشيرا على وجه الخصوص إلى دعوات أطلقها مشرعون ديمقراطيون في الولايات المتحدة، لكنها لم تدفع البيت الأبيض إلى اتخاذ أي إجراء.

وقال: “تظل الجغرافيا السياسية العامل الحاسم. وبعبارة أخرى، فإن الأهمية الجيوسياسية للإمارات بالنسبة إلى حلفائها تتفوق على الدوافع الأخلاقية والسياسية لإدانة موقفها من الحرب في السودان”.

لكنه أشار إلى أن القوة الناعمة الإماراتية قد تكون عرضة للتأثر.

حدود النفوذ الإماراتي

رغم تأكيد الإمارات حيادها في الصراع الروسي الأوكراني، فإن تشابك مصالحها الاقتصادية مع موسكو يتعارض مع هذه الصورة. ووفقا لبريدجي، أصبحت أبو ظبي بديلا عن أوروبا والممرات الغربية على المستويين السياسي والاقتصادي.

وقال: “حوّلت الحرب الإمارات إلى أحد أهم الممرات الخارجية لروسيا في مجالات التجارة ورؤوس الأموال والخدمات اللوجستية والدبلوماسية والتواصل مع النخب. وسياسيا، تساعد أبو ظبي موسكو على إظهار أنها ليست معزولة”.

وأضاف: “اقتصاديا، أصبحت الإمارات مركزا رئيسيا لتحول روسيا بعيدا عن أوروبا. هذا ليس تحالفا، لكنه شراكة استراتيجية قوية تقوم على المصالح لا على الأيديولوجيا”.

وأفادت وكالة رويترز في مايو 2024 بأن الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي مارسوا ضغوطا على الإمارات لاتخاذ إجراءات صارمة ضد الشركات التي تلتف على العقوبات الغربية المفروضة على روسيا من داخل الإمارات.

ولا يزال من المبكر الحكم على مدى قدرة الإمارات على لعب دور تفاوضي في أكثر الملفات حساسية في الحرب الروسية الأوكرانية، بما في ذلك قضايا الأراضي أو أي تسوية لما بعد الحرب.

ورغم أن المحادثات الثلاثية التي عُقدت في يناير وفبراير شكلت محطة مهمة من حيث جمع الأطراف المعنية حول طاولة واحدة، فإنها لم تسفر عن أكثر من عملية تبادل روتينية للأسرى. ويجدر التذكير بأن إطلاق سراح الأسرى لا يتطلب من أي طرف تقديم تنازلات تتعلق بالأراضي أو تجاوز خطوطه الحمراء.

وقد تأجلت الجولة الثالثة من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا بسبب الحرب مع إيران، كما نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن مصادر في الكرملين قولها إن روسيا لا تتوقع إجراء مفاوضات جوهرية مع أي طرف قبل فبراير 2027.

ويرتكز رهان الإمارات على توسيع نفوذها الدولي إلى قدرتها على عدم الانحياز لأي طرف. ويبدو تحقيق ذلك أسهل في نزاعات لا تمتلك فيها مصالح مباشرة، مثل أوكرانيا. أما في ملفات مثل السودان أو ليبيا أو اليمن، حيث أصبحت أموالها أو أسلحتها مرتبطة بأحد أطراف الصراع، فإن الحفاظ على صورة الحياد يصبح أكثر صعوبة. وقد يتوقف استمرار أبوظبي في تقديم نفسها كوسيط محايد على مدى استعدادها لمواصلة خوض هذه الاختبارات الأقرب إلى محيطها الإقليمي.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة