واشنطن العاصمة 02:36 AM
الصين تبني أحلام العالم الكروية.. وتعجز عن تحقيق حلمها

ماغازين · يوليو 2026

الصين تبني أحلام العالم الكروية.. وتعجز عن تحقيق حلمها

ساعدت بكين "الرأس الأخضر" على بلوغ كأس العالم، بينما بقي المنتخب الصيني بعيدا عن البطولة.

مين ميتشل شغلت سابقاً منصب رئيسة ومديرة تنفيذية لـ Frontline Media Fund وكانت أيضاً المديرة التنفيذية للتحرير في راديو آسيا الحرّة (Radio Free Asia).

اقرأ بـ English
· 6 دقيقة قراءة

في أواخر يونيو، انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي الصينية شائعة تقول إن دولة الرأس الأخضر، الأرخبيل الإفريقي الصغير الذي يبلغ عدد سكانه نحو 500 ألف نسمة وأبهر جماهير كأس العالم، دعت الصين إلى خوض مباراة ودية. وبحسب الشائعة، رفضت بكين الدعوة خشية الخسارة أمام بلد صغير لا يمكن مقارنة عدد سكانه بعدد سكان الصين.

لم تكن الشائعة صحيحة. فقد طرح مسؤول كروي في الرأس الأخضر علنا فكرة إقامة مباراة ودية أواخر يونيو، لكن لم تُوجَّه أي دعوة رسمية، ونفى الاتحاد الصيني لكرة القدم وجود دعوة. ومع ذلك، صدّق ملايين الصينيين الرواية فورا، لأنها انسجمت مع الصورة التي ترسخت لديهم عن منتخبهم: المشكلة ليست في الهزيمة بحد ذاتها، بل في الخوف منها.

وانطوى الأمر على مفارقة، فلو أُقيمت المباراة، لارتدى حارس مرمى الرأس الأخضر حذاء من إنتاج شركة شوفنغ سبورتس الصينية، بينما كان زملاؤه سيرتدون قمصانا وفرها تجار صينيون في الجزر. وكانت المباراة ستُقام على الاستاد الوطني في برايا، وهو ملعب يصفه الاتحاد المحلي بأنه هدية من الحكومة الصينية، شيدته شركة صينية، ولا يزال ثمة كادر صيني مقيم، يضم نحو 25 شخصا، يتولون صيانته.

وساعدت الصين دولة لا يتجاوز عدد سكانها نصف مليون نسمة على بلوغ كأس العالم، بينما عجز منتخبها، الذي يمثل بلدا يسكنه 1.4 مليار شخص، عن الوصول إلى نهائيات البطولة.

وكان مشوار الرأس الأخضر في البطولة أثار بالفعل مشاعر متناقضة على الإنترنت في الصين. فعلى منصة “ويبو”، قوبل الدور الصيني في نجاح المنتخب بمزيج من الفخر القومي والسخرية من الذات. وكتب أحد المستخدمين في منشور واسع الانتشار، بحسب مشروع الصين والجنوب العالمي: “قد لا تكون الصين مشاركة في البطولة، لكن حضورها موجود في كل مكان”. وتساءل آخر كيف يمكن لبلد شيدت الصين ملعبه أن يبلغ كأس العالم، بينما تعجز هي نفسها عن ذلك.

وعندما ظهرت شائعة المباراة ثم ثبت عدم صحتها، أعرب بعض المشجعين صراحة عن ارتياحهم لعدم إقامتها، لأنهم لم يرغبوا في رؤية منتخبهم يخاطر بالخسارة أمام بلد لا يتجاوز عدد سكانه نصف مليون نسمة.

تلك مفارقة كبرى في النفوذ الصيني العالمي. فالحضور الصيني كان واضحا في ملاعب كأس العالم، من دعم منتخبات مثل الرأس الأخضر إلى إعلانات الشركات الصينية التي ملأت الشاشات المحيطة بالملاعب في أميركا الشمالية خلال أكثر المباريات متابعة، ووصلت مباشرة إلى مئات الملايين من المشجعين في الصين.

وفي أحدث تصنيف أصدره الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” في 20 يوليو، بقيت الصين في المركز الحادي والتسعين، بين زامبيا والبحرين. أما التفسيرات المعتادة لفشل كرة القدم الصينية، فأصبحت مألوفة: فساد في الدوري الممتاز، وضعف في القاعدة الشعبية، وبيروقراطية مركزية تخنق المواهب. وكل ذلك صحيح وموثق منذ سنوات، لكنه يتجاهل سؤالا أساسيا: أين ذهبت الأموال؟

خلال طفرة الدوري الصيني الممتاز، ضخ مطورو العقارات مليارات الدولارات في اللعبة، لا بدافع الشغف، بل لإظهار الولاء السياسي والحصول على تسهيلات لتراخيص الأراضي والائتمان الحكومي. وكان النموذج أشبه ببيت من ورق قائم على نفوذ قطاع العقارات، قبل أن ينهار مع تشديد الدولة شروط الإقراض.

وفي حين تستخدم دول الخليج صناديقها السيادية لشراء أصول عالمية، مثل نادي مانشستر سيتي، وتعزيز قوتها الناعمة في الخارج، ظلت الطفرة الصينية موجهة إلى الداخل ومحكومة باعتبارات سياسية، ثم تلاشت مع توقف تدافع القروض.

وقال صحفي تابع دوري القرى للهواة المعروف بـ”كون تشاو” في مقاطعة قويتشو، إن شغف الصينيين بكرة القدم حقيقي، لكن المسؤولين المحليين يتعاملون مع البطولات بوصفها مصدرا للإيرادات وعرضا تجاريا، لا مسارا لاكتشاف المواهب.

وأضاف الصحفي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لحساسية الموضوع، أن البطولة تمنح السياحة المحلية دفعة كبيرة، لكنها لا تسهم في بناء منتخب قادر على المنافسة في كأس العالم.

وبموجب خطتها لتطوير كرة القدم، دعت بكين إلى التوسع الكبير في إنشاء الملاعب وأكاديميات الناشئين. لكن ما لم تستطع توفيره هو اللاعبون. فمعظم الأسر الصينية فضّلت لأطفالها مسارا مهنيا مستقرا على المغامرة بمستقبل غير مضمون في كرة القدم.

وهنا تنقلب الرواية التقليدية. فبحسب أبحاث أكاديمية تناولت مساعي الصين لتطوير كرة القدم، نجح الآباء والأمهات المتحفظون في توجيه سياسة الدولة من أسفل إلى أعلى، لا العكس. فقد اصطدمت الخطة، التي كلفت مليارات الدولارات، بملايين القرارات الفردية للعائلات، ولم تستطع أي وزارة تجاوزها.

وفي المجال الذي توليه القيادة اهتماما كبيرا، لا يخسر النظام أمام قوة منافسة، بل أمام مواطنين اختاروا ببساطة ألا يشاركوا.

هناك سبب يجعل الدولة عاجزة عن فرض ثقافة كروية بقرار من أعلى. فبالنسبة إلى بكين، يمثل مفهوم «وي وين»، أي الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، أولوية قصوى. ومن وجهة نظر مسؤول حزبي في إحدى المقاطعات، قد يبدو ملعب يحتشد فيه 80 ألف مشجع متحمس أقرب إلى تجمع جماهيري غير مرخص منه إلى مناسبة رياضية.

فالدولة تتحفظ على أي نشاط لا يخضع لسيطرتها المباشرة، والرياضة الشعبية الحقيقية تقوم بطبيعتها على هذا النوع من الاستقلال.

لذلك تخضع اللعبة لإدارة مشددة. ففي كثير من المدن الصينية، تقع كثير من ملاعب كرة القدم في الأحياء الشعبية خلف أسوار، ولا يمكن استخدامها إلا بعد الحصول على موافقات رسمية أو دفع رسوم الاستئجار. فالدولة تريد كرة القدم، ولكن بشرط أن تبقى منظمة، وخاضعة للإشراف، ومحددة المواعيد.

لكن الحكم السلطوي وحده لا يفسر فشل الصين، إذ نجحت دول غير ديمقراطية كثيرة في بناء منتخبات قوية. فقد أسست ألمانيا الشرقية ويوغوسلافيا خلال الحرب الباردة منظومتين كرويتين ناجحتين تحت حكمين شيوعيين، فيما تشتري الملكيات الخليجية اليوم مكانتها في عالم اللعبة عبر استثمارات ضخمة. كما ظهر بعض أعظم لاعبي كرة القدم في ظل أنظمة ديكتاتورية.

ويكمن الاختلاف في مدى السيطرة وطبيعة النظام. فالصين تتدخل في مسار تطور رياضييها بدرجة أكبر من تلك الأنظمة، ولا تترك سوى هامش ضيق للنمو الطبيعي في الشوارع والأحياء، وهو النوع الذي أنجب دييغو مارادونا في بوينس آيرس وروماريو في ريو دي جانيرو.

وينجح التخطيط المركزي في الألعاب الأولمبية الفردية، حيث يمكن عزل الرياضي وإخضاعه لتدريبات مكثفة ومتكررة. وبهذه الطريقة حصدت الصين 40 ميدالية ذهبية في أولمبياد باريس 2024. أما الرياضات الجماعية، فتحتاج إلى سرعة في اتخاذ القرار، وثقة متبادلة بين اللاعبين، وهما صفتان يصعب على ثقافة قائمة على الأوامر أن تنميهما. وكما قال أحد المعلقين الصينيين، لكرة القدم لغتها الخاصة، والصين لم تتقنها بعد.

وبدلا من تخفيف قبضتها على المنظومة، عالجت بكين الفشل باعتباره نتيجة لمخالفات فردية. وشنت حملة واسعة لمكافحة الفساد داخل الاتحاد الصيني لكرة القدم، فحُكم على رئيسه السابق، تشين شيويوان، بالسجن المؤبد، وعلى مدرب المنتخب السابق، لي تيه، بالسجن عشرين عاما.

وكان لي أقر في وثائقي بثه التلفزيون الرسمي عام 2024 بأنه دفع نحو ثلاثة ملايين يوان، أي ما يقارب 418 ألف دولار، للحصول على منصب مدرب المنتخب عام 2019، كما اعترف بمشاركته في التلاعب بنتائج مباريات حين كان يدرب أحد الأندية.

وترى تساي شيا، الأستاذة السابقة في المدرسة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، أن هذه الحملات تثبت عكس ما تدّعيه: فالسلطة تعمل داخل النظام بلا قيود حقيقية، ولا تكشف حملات مكافحة الفساد سوى جزء صغير من صراعاته الداخلية. وتقول إن القيادة تحمّل الأفراد مسؤولية الفساد لتتجنب الاعتراف بأن الخلل يكمن في النظام نفسه، وأنه هو ما يحتاج إلى الإصلاح.

ولهذا النهج صدى يتجاوز كرة القدم. فالحملة التي أطاحت بقيادة الاتحاد الصيني لكرة القدم تزامنت مع عمليات تطهير واسعة داخل قوة الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبي والمؤسسة الدفاعية.

ويرى محللون أن الجيش يقدّم الولاء السياسي وسيطرة الحزب على حساب الجاهزية القتالية، ويرقّي الموالين على حساب الأكفاء، بما يحد من القدرة على المبادرة في ميدان المعركة. ولا يوجد دليل على أن العيوب التي تعرقل فريق كرة القدم ستعرقل أيضا جيشا في زمن الحرب، فذلك يبقى في إطار التكهنات. لكن الاستجابة المؤسسية تبدو واحدة في الحالتين: معاقبة الأفراد وترك البنية من دون تغيير.

وفي الربيع، زار الرئيس شي جين بينغ، المعروف بشغفه بكرة القدم وصاحب المبادرة التي أطلقت حملة لإصلاح اللعبة، شركة متخصصة في تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر. وبحسب الشركة، اقترح حلا لأزمة منتخب الرجال، متسائلا: “هل يمكن أن نضم روبوتات إلى الفريق؟”.

قد يبدو السؤال مزحة، لكنه يلخص فلسفة كاملة في الحكم: الاعتقاد بأن النتيجة المطلوبة يمكن تصميمها وفرضها وتجميعها من أجزاء. غير أن كرة القدم ترفض الانصياع لهذا المنطق. فبقاء التصنيف على حاله بعد عقد من الإنفاق والاهتمام الشخصي من القيادة دليل واضح على أن بعض الأشياء لا يمكن بناؤها بقرار من أعلى، بل يجب أن تنمو طبيعيا على أيدي أشخاص ينبغي للدولة إقناعهم، لا إصدار الأوامر إليهم.

وقد تتمكن الصين من إنتاج جميع مكونات الحلم الكروي تقريبا، لكن الحلم نفسه يجب أن يولد في مساحة لا تستطيع الدولة السيطرة عليها. وعلى ملاعب القرى في قويتشو، يبدو أن ذلك بدأ بالفعل.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة