أنفقت حكومة طالبان ملايين الدولارات للاحتفال في 15 أغسطس بما تسميه “يوم النصر”، في ذكرى عودتها إلى السلطة قبل 5 سنوات، عندما انهارت الجمهورية الأفغانية المدعومة من الغرب بالتزامن مع الانسحاب الأميركي النهائي من أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها.
ونظمت البعثات الدبلوماسية التابعة لطالبان في جنوب آسيا والشرق الأوسط هذا الأسبوع حفلات استقبال حاشدة للاحتفال بالمناسبة.
لكن حكومة طالبان، التي يحتكر قيادتها رجال الدين في الحركة، لا تحظى باعتراف رسمي سوى من دولة واحدة هي روسيا.
وفي المقابل، تحاول عشرات الدول الحفاظ على علاقات دبلوماسية محدودة معها، سواء عبر اعتماد سفراء ودبلوماسيين من طالبان، أو الإبقاء على تمثيل دبلوماسي في أفغانستان، أو السماح للحركة بأشكال محدودة من التمثيل الدبلوماسي.
ويقول خبراء في الشأن الأفغاني ودبلوماسيون إن طالبان نجحت في تثبيت أقدامها في السلطة، لكنها لم تتمكن من الحصول على الشرعية الدولية التي تسعى إليها. ومع غياب الاعتراف الرسمي الواسع، لا يزال حكام طالبان معزولين دبلوماسيا، رغم مساعيهم لتعزيز التعاون الاقتصادي والانخراط السياسي مع دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية.
ويكشف هذا الوضع عن فجوة أساسية بين رغبة طالبان في انتزاع الاعتراف وبين مطالب المجتمع الدولي بتغيير أسلوب حكمها، خصوصا القيود الواسعة التي تفرضها على النساء والفتيات.
وبعد 5 سنوات من عودة نظامها الديني المتشدد إلى الحكم، لا تزال الحركة تسعى لإقناع العالم بقبول عودتها إلى السلطة وبنظامها في إدارة البلاد.
ويقول إبراهيم بهيس، كبير محللي شؤون أفغانستان لدى مجموعة الأزمات الدولية: “ما لم تقدم طالبان على تنازلات أكبر، لا يبدو الاعتراف الصريح بها من قبل الدول الإقليمية وغير الإقليمية أمرا محتملا، رغم أن تلك كانت دائما مسألة محورية بالنسبة إلى الحركة”.
وكانت طالبان منبوذة دوليا خلال فترة حكمها الأولى، بين 1996 وأواخر 2001. وأطاحت بها القوات الأميركية وقوات التحالف في ديسمبر 2001 عقب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية في نيويورك وواشنطن.
وقتها، كانت باكستان والسعودية والإمارات الدول الوحيدة التي اعترفت بحكومة طالبان باعتبارها الحكومة الشرعية لأفغانستان.
وبعد سيطرتها على كابول عام 1996، فرضت طالبان حظرا شاملا على تعليم النساء وعملهن. وعذبت شرطة الأخلاق التابعة لها الرجال بسبب حلق لحاهم، أو مخالفة الفصل الصارم بين الجنسين، أو عدم أداء صلاة الجماعة.

مقاتلو طالبان يحتفلون بالذكرى الخامسة لعودة الحركة إلى السلطة في كابول، أفغانستان، في 15 أغسطس. فرانس برس.
كما كانت طالبان الحكومة الوحيدة في التاريخ الحديث التي حظرت التصوير وعاقبت الأشخاص على مشاهدة التلفزيون.
وخلال السنوات الخمس الماضية، أعادت حكومة طالبان الحالية تطبيق سياسات مماثلة، وإن كانت بدرجة قسوة أقل وضوحا. فالفتيات ابتداء من الصف السابع ممنوعات من التعليم، فيما لا تستطيع النساء العمل في معظم القطاعات.
كما ألغت طالبان وزارة شؤون المرأة واستبدلت بها وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المكلفة بفرض قوانين الحركة الأخلاقية الصارمة.
وقال بهيس: “كان المجتمع الدولي في البداية موحدا إلى حد كبير على أن عودة طالبان إلى السلطة بالقوة وفرضها القيود التي تفرضها سيعني عدم الاعتراف بحكمها أو قبوله”.
قادة منقسمون
يبقى قادة طالبان وسياساتها العقبة الرئيسية أمام حصولها على الاعتراف الدولي.
فمنذ عودتها إلى السلطة، احتكرت الحركة الحكم، وعينت موالين لها في المناصب المهمة على مختلف مستويات الحكومة.
ويرى حميد حكيمي، الخبير في الشأن الأفغاني لدى المجلس الأطلسي في واشنطن، أن قيادة طالبان منقسمة بين تيار براغماتي يسعى إلى الحصول على الشرعية الدولية، وتيار محافظ من رجال الدين المتشددين لا يرى قيمة كبيرة في الانخراط الدبلوماسي مع العالم الخارجي.
ويقول حكيمي إن وزير خارجية طالبان أمير خان متقي ومسؤولين كبارا آخرين في كابول يسعون إلى توسيع علاقات الحركة مع المجتمع الدولي، بل طرحوا فكرة عودة أفغانستان إلى سياسة عدم الانحياز والحياد في علاقاتها الخارجية.
وكانت أفغانستان عضوا في حركة عدم الانحياز خلال معظم سنوات الحرب الباردة.
لكن هذا التوجه البراغماتي، بحسب حكيمي، يواجه معارضة من زعيم طالبان هبة الله أخوند زاده ومسؤولين كبار آخرين يتبنون رؤيته، ويقدمون الشرعية الداخلية على العلاقات مع الدول الأخرى.
وقال لـ”الحرة”: “بالنسبة إليهم، تنبع الشرعية من قيام الحكومة بخدمة الشعب. لكن مفاهيم العلاقات الخارجية والسفارات وحقوق الإنسان وحتى المواطنة لا تحظى بالقدر نفسه من الأهمية”.
وفي أحدث خطاب له هذا الأسبوع، تساءل أخوند زاده عن سبب حرمان حكومته من الشرعية.
وقال لأنصاره في قندهار جنوبي البلاد: “حكومة الأمس، التي لم تكن تسيطر بشكل كامل على مقاطعة واحدة، حظيت باعتراف دولي، لكن إمارتنا الإسلامية اليوم، التي تسيطر بشكل كامل على جميع الأراضي الأفغانية، لا تحظى باعتراف رسمي من أي حكومة”.

وزير خارجية طالبان أمير خان متقي يحضر مراسم تأبين المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي في طهران، في 3 يوليو. رويترز.
و”إمارة أفغانستان الإسلامية” هو الاسم الرسمي الذي تطلقه طالبان على حكومتها وعلى الحركة.
ويقول حكيمي إن دول جنوب ووسط آسيا المجاورة لأفغانستان، إلى جانب قوى إقليمية ودولية مثل الهند والصين، تبقي على علاقاتها مع حكومة طالبان حفاظا على مصالحها الأمنية، بما في ذلك منع انتقال المسلحين والمخدرات أو تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين.
وقال: “طالبان في أفغانستان، حتى بالنسبة إلى الدول التي لا تناصرها في المنطقة، تمثل خيارا جيوسياسيا أفضل من أي شيء سيحل محلها”.
وأضاف أن انخراط دول المنطقة مع الحركة يأتي في إطار حسابات جيوسياسية براغماتية.
وقال: “على مدى 20 عاما، كان عليها التعامل مع صراع عنيف للغاية في أفغانستان في ظل وجود انتشار عسكري أميركي ضخم تدعمه دول أخرى في حلف شمال الأطلسي”.
اعتراف بحكم الأمر الواقع
وقال وزير خارجية طالبان أمير خان متقي مؤخرا لـ”بي بي سي” إنه بعد إجراء اتصالات أولية مع دول مختلفة، أرسلت طالبان دبلوماسيين وعينت سفراء في عدد من الدول، معتبرا أن هذه الاتصالات الدبلوماسية تقود إلى تعميق العلاقات الاقتصادية والسياسية.

وأضاف: “لدينا اليوم ممثلون في عدد من الدول الأوروبية. وقد أحرزنا تدريجيا تقدما كبيرا، إذ يعمل ممثلونا اليوم في نحو 40 بعثة دبلوماسية في الخارج”.
واعترفت موسكو رسميا بحكومة طالبان في يوليو 2025.
أما الصين وباكستان والإمارات وتركيا وأوزبكستان وكازاخستان وتركمانستان وقطر وإيران والهند والسعودية وماليزيا وإندونيسيا وأذربيجان، فقد قبلت إما سفيرا لطالبان أو قائما بالأعمال، أو تستضيف دبلوماسيين آخرين تابعين للحركة.
وتقول وزارة خارجية طالبان إن لديها أيضا تمثيلا دبلوماسيا في طاجيكستان وسلطنة عمان والعراق والأردن والكويت.
وبحسب دبلوماسيين أفغان في أوروبا، توجد ما لا يقل عن 18 بعثة دبلوماسية أجنبية تعمل في كابول.
وعينت طالبان ممثلين دبلوماسيين في ألمانيا والنرويج. كما يواصل دبلوماسيون عينتهم الجمهورية الأفغانية السابقة العمل مع وزارة خارجية طالبان في تقديم الخدمات القنصلية في جمهورية التشيك وهولندا وبلغاريا.
وفي المقابل، أغلقت السفارات والبعثات الدبلوماسية الأفغانية في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان وأستراليا. كما قطعت طالبان علاقاتها مع بعثات دبلوماسية في عدد من الدول في الغرب.
ثمن العزلة
يرى مشتاق رحيم، الخبير في الشأن الأفغاني المقيم في ولاية فرجينيا، أن رفض طالبان بناء نظام سياسي شامل يمكن أن يحظى بشرعية جميع الأفغان سيواصل عرقلة حصولها على الاعتراف الدبلوماسي الرسمي والقبول الدولي.
وقال إن ذلك سيواصل تحميل المواطنين الأفغان العاديين كلفة أكبر من تلك التي يتحملها قادة طالبان وأنصارهم. فالأفغان مستبعدون بالفعل من النظام المالي الدولي، كما باتوا غير قادرين على السفر إلى عدد متزايد من الدول الغربية التي رفضت منح تأشيرات لأفغان يسعون إلى الدراسة أو تلقي العلاج الطبي.
ويرى رحيم أن تشدد طالبان يحرم الأفغان من المساعدات الإنسانية الدولية، في وقت لا تزال فيه أفغانستان تمثل واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
وقال: “كل هذه المعاناة لم تؤثر في طالبان. ولم تتراجع خطوة واحدة”.
لكن عبيد الله باهير، المحاضر في العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في أفغانستان، يرى أن النهج الغربي الحالي القائم على استخدام الاعتراف كورقة ضغط لم ينجح، بل دفع أفغانستان نحو مزيد من العزلة.
ويقول إن عزلة أفغانستان في ظل حكم طالبان تضغط على اقتصادها الهش، وتمنع الأفغان من بناء حياة عامة وسياسية مستدامة يمكن أن تساعد في مواجهة سياسات طالبان المتشددة.
وأضاف: “في نهاية المطاف، لا بد أن يأتي أي تغيير من داخل البلاد، لكن النهج الحالي القائم على عدم الاعتراف بالحركة يعرقل ذلك”.