واشنطن العاصمة 01:35 AM

الحرب مع إيران تهدد طفرة الذكاء الاصطناعي في الخليج

إيران تعتبر دعم الولايات المتحدة لهذا القطاع مبرراً لاستهداف مراكز البيانات.

اقرأ بـ English
· 7 دقيقة قراءة
الرئيس الأميركي دونالد ترامب وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان خلال منتدى للأعمال في قصر الوطن بأبوظبي، في ختام جولة ترامب الخليجية، 16 مايو/أيار 2025. تصوير: عمرو الفقي – رويترز.

سلطت الضربات الإيرانية التي استهدفت مراكز البيانات في دول الخليج الضوء على مواطن ضعف محتملة في جهود الحكومة الأميركية لتعزيز استثمارات شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية في المنطقة، وجذب دول الخليج بعيداً عن العروض الصينية.

ففي مارس الماضي، تسببت طائرات مسيّرة أطلقتها إيران في إلحاق أضرار بمركزي بيانات تابعين لشركة “أمازون لخدمات الإنترنت” (Amazon Web Services) في الإمارات، كما عطلت مركزاً آخر في البحرين، ما أدى إلى اضطراب مؤقت في بعض الخدمات المصرفية وغيرها من الخدمات السحابية في المنطقة.

ولا توجد مؤشرات على تراجع واسع النطاق في الاستثمارات التكنولوجية في الخليج، لكن تنامي العلاقات في مجال الذكاء الاصطناعي بين المنطقة والشركات الأميركية يواجه تحديات أمنية متزايدة مع احتدام الحرب مجدداً بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي وقت لاحق من الشهر نفسه، أعلن الحرس الثوري الإيراني، المدرج على قوائم الإرهاب الأميركية، أن شركات التكنولوجيا الأميركية والمنشآت التي تمتلكها أو تستخدمها الولايات المتحدة في الخليج أصبحت “أهدافاً عسكرية مشروعة“.

وجاء ذلك بعد أقل من عام على توقيع الرئيس دونالد ترامب، في مايو/أيار 2025، اتفاقية تعاون في مجال الذكاء الاصطناعي مع الإمارات، إلى جانب استثمارات أميركية إماراتية أخرى تجاوزت قيمتها الإجمالية 200 مليار دولار.

وقالت وزارة الخارجية الأميركية إن هذه المبادرة تهدف إلى “ترسيخ مكانة الولايات المتحدة بوصفها الشريك المفضل للإمارات في مجال الذكاء الاصطناعي”. كما أُعلن بعد أشهر قليلة عن اتفاق شراكة استراتيجية مماثل مع السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي، مستفيداً من صندوق “آلات” التقني التابع للمملكة، البالغة قيمته 100 مليار دولار.

وإلى جانب أثرها التجاري، تحمل هذه الاتفاقيات قيمة سياسية وعسكرية حقيقية. فقد صُممت لتحويل دول الخليج، بما تملكه من موارد مالية ضخمة، بعيداً عن الصين، وترسيخ معايير للأمن السيبراني من خلال حظر استخدام منتجات منافسين صينيين في مجال الذكاء الاصطناعي مثل “هواوي”.

ولهذا السبب، ابتعدت شركة “جي 42” (G42)، وهي شركة الذكاء الاصطناعي السيادية في أبوظبي، عن الشركات الصينية لتعزيز فرص الحصول على رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة.

وفي الوقت نفسه، أقرت الولايات المتحدة باستخدام نظام “كلود” (Claude) المطور من شركة “أنثروبيك” (Anthropic) ، ونظام “مافن ” (Maven) التابع لشركة “بالانتير” (Palantir)، في اتخاذ القرارات خلال الحرب مع إيران، ما جعل مراكز البيانات ضمن دائرة الاستهداف الإيرانية.

وقال مايك سيكستون، كبير مستشاري السياسات للذكاء الاصطناعي في مركز الأبحاث الأميركي “ثيرد واي ” (Third Way)، إن الطلب العالمي على مراكز البيانات اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي يشهد ارتفاعاً حاداً، وهو ما يمنح دول الخليج حافزاً واضحاً للانخراط في هذا القطاع.

وقال سيكستون: “يخلق منح هذه الشراكة الاقتصادية لهذه الدول لديها حافزا لتقول: نحن نحصل على هذه الفوائد من الولايات المتحدة، وهي تفضل ألا نتعامل مع الشركات الصينية في هذه المجالات”.

الحضور الأميركي للذكاء الاصطناعي في الخليج

يمثل تراجع الموارد الهيدروكربونية مصدر قلق حقيقيا لدول الخليج، في حين تنجذب الشركات العملاقة المشغلة لمراكز البيانات الضخمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى وفرة التمويل وانخفاض أسعار الطاقة في المنطقة.

وقالت جون بارك، الباحثة البارزة المنتسبة إلى مركز القانون الرقمي في جامعة سنغافورة للإدارة: “أعتقد أنه في حالة الإمارات، ينبع التعاون مع الولايات المتحدة من شعور بالإلحاح. فهم يريدون التركيز على مسار بديل يتيح تحقيق إمكاناتهم الاقتصادية، وقد وقع اختيارهم على الذكاء الاصطناعي”.

لكن وزارة التجارة الأميركية تفرض قيوداً على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الشرق الأوسط، ما لم تقدم الحكومات ضمانات بأن هذه المكونات لن تُستخدم من قبل جهات صينية.

وأضاف سيكستون: “أود أن أقول إن المنافسة مع الصين هي على الأرجح الدافع الأول لسياسة الذكاء الاصطناعي هنا في الولايات المتحدة.”

وفي إطار ربط استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي بمعايير سلاسل التوريد التي تقودها الولايات المتحدة، انضمت الإمارات رسمياً إلى مبادرة “باكس سيليكا” (Pax Silica)  التابعة لوزارة الخارجية الأميركية، وهي مبادرة رئيسية للأمن الاقتصادي والتكنولوجي.

وتتيح هذه المبادرة للجهات الحكومية الإماراتية والشركات المعتمدة، بما فيها “جي 42″، شراء منتجات حوسبة متقدمة مثل رقائق الذكاء الاصطناعي من شركتي “إنفيديا” (Nvidia) و”إيه إم دي” (AMD)، إضافة إلى خوادم الذكاء الاصطناعي، ومن دون الحاجة إلى تراخيص تصدير فردية.

كما سمحت الولايات المتحدة بتصدير رقائق ذكاء اصطناعي متقدمة إلى مشروع الذكاء الاصطناعي السعودي المدعوم من الدولة “هيومين” (HUMAIN)، شريطة الالتزام بمتطلبات صارمة تتعلق بالأمن وإعداد التقارير.

ومع ذلك، لا يعني هذا أن دول الخليج ستتوقف تماماً عن التعامل مع الصين في المجال التكنولوجي. فدول مثل كوريا الجنوبية تحافظ على علاقات تكنولوجية مع العديد من الدول في الوقت نفسه، بحسب بارك.

إضافة إلى ذلك، تحظى شركة “جي 42” بدعم مالي كبير من شركة “مبادلة”، وهي شركة استثمار عالمية مملوكة للدولة وتُعد أحد صناديق الثروة السيادية التابعة لحكومة أبوظبي.

وتمتلك “مبادلة” محفظة استثمارات في الصين تتجاوز قيمتها 200 مليار دولار، كما تشارك في صندوق الاستثمار المشترك بين الإمارات والصين، الذي يوجه رؤوس أموال بديلة إلى مشروعات البنية التحتية الجديدة والتقنيات الهندسية.

وقالت بارك: “في جوهر الأمر، هناك فرق بين ما تستطيع الولايات المتحدة أن تُجبر الدول على فعله، وما تستطيع هذه الدول عمله فعلياً. إنها استراتيجية تحوط، كما هو الحال في العديد من الدول الحليفة للولايات المتحدة.”

الذكاء الاصطناعي الصيني

أصبحت النماذج مفتوحة المصدر مثل “ديب سيك” (DeepSeek) الصينية تحظى باهتمام واسع، إذ تُعد في كثير من التطبيقات فعالة بالقدر نفسه الذي تتمتع به النماذج الأميركية، مثل “o1” من “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”كلود 3.5″ من “أنثروبيك”، لكنها أقل تكلفة بكثير.

غير أن طريقة استجابتها قد تختلف بصورة ملحوظة، خصوصاً عند طرح أسئلة تتعلق بقضايا تعتبرها بكين حساسة، مثل احتجاجات ساحة تيانانمن، أو قضية الإيغور، أو التبت.

ويرى سيكستون أن مدى إمكانية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط على فرض قيود مشابهة لا يزال غير واضح.

وقال: “في حين أنه من المهم أن ندرك التداعيات التي سيتركها انتصار الصين فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وهو أمر نتفق جميعاً على أنه سيكون سيئاً، أعتقد أنه لا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب لضمان أن تكون العلاقات التكنولوجية الأقوى التي تطورها الولايات المتحدة قائمة على أساس أخلاقي متين، وألا تُستخدم لتعزيز الحكومات السلطوية.”

وتعمل الصين بنشاط على دمج الطاقة النووية لدعم بنيتها التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما تفعله الإمارات أيضاً من خلال محطة براكة للطاقة النووية.

لكن بارك تشير إلى أنه إذا أرادت هذه الدول مواصلة التوسع، فمن المرجح أن تضطر إلى بناء المزيد من المحطات. وقالت: “أخشى أنه إذا وسعوا هذه القدرات، فلن يكون ذلك سليماً من الناحية الجيوسياسية.”

ومع ذلك، لا تزال الصين والولايات المتحدة ترتبطان بعلاقات اقتصادية عميقة في مجالات المعادن الحيوية، والأدوية، والتصنيع. ووفقاً لاستطلاع مجلس الأعمال الأميركي الصيني لعام 2026، يرى 80% من الشركات الأميركية المشاركة في الاستطلاع أن السوق الصينية ضرورية لقدرتها التنافسية العالمية، ارتفاعاً من 66% في عام 2025.

استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب

في الوقت الذي يوسع فيه الجيش الأميركي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحديد أهداف الضربات الجوية داخل إيران، يطالب أعضاء في الكونغرس بوضع ضوابط وآليات رقابة أكبر على استخدام هذه التكنولوجيا في الحروب.

وفي 12 يونيو، أصدرت الحكومة الأميركية توجيهاً بشأن ضوابط التصدير أجبر شركة “أنثروبيك” على تعطيل الوصول العالمي بشكل مفاجئ إلى نماذجها المتقدمة التي كانت قد أطلقتها حديثاً: “فابل 5″ (Fable 5) و”ميثوس 5” (Mythos 5).

وبحلول الأول من يوليو، كانت الشركة أصلحت الثغرة الأمنية التي أثارت المخاوف، وأصبحت بعض الطلبات شديدة الحساسية تُحوَّل تلقائياً وبصورة غير معلنة إلى نماذج أقدم مثل “كلود أوبوس 4.8” (Claude Opus 4.8).

وشهدت الحرب بالفعل أمثلة على أخطاء في تحديد الأهداف بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ففي مارس 2026، أصابت غارة مدرسة “شجرة طيبة” في إيران، ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين.

وكشف تحقيق أولي أجراه محققون عسكريون تابعون للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)  أن المنشأة كانت قد تحولت منذ فترة طويلة من ثكنة عسكرية إلى منشأة مدنية.

وقال سيكستون إن ولاء الصين لإيران ظل إلى حد كبير رهناً بالظروف على الأرض. وأضاف أنه بينما قد ترى بكين في هذه المرحلة فرصة مناسبة للدخول في شراكة مع إيران، فمن المرجح أيضاً أن تنظر إلى الوضع وتخلص إلى أن الحكومة الإيرانية تعرضت لضرر بالغ.

وفي الوقت نفسه، ترى بارك أن الحرب أوجدت أيضاً منافذ جديدة للصين في المنطقة. وأوضحت أن الإمارات اشترت واستخدمت منظومة “تشيونغونغ ” (Cheongung) الكورية الجنوبية المتقدمة للدفاع الصاروخي متوسط المدى، وهي أقل تكلفة بكثير من نظيراتها الأميركية، مضيفة أن القوات المدعومة من إيران والجماعات الوكيلة تستخدم على نطاق واسع طائرات “دي جي آي” (DJI)  المسيرة وهي من تصنيع شركة صينية.

ورغم استمرار حالة عدم اليقين التي تفرضها الحرب، يرى سيكستون أن التحالف التكنولوجي بين دول الخليج والولايات المتحدة سيظل متيناً وطويل الأمد.

وقال: “لم تكن التداعيات الاقتصادية للحرب هي الأشد تأثيراً على صناعات الذكاء الاصطناعي أو التكنولوجيا المتقدمة في الخليج. ولذلك أعتقد أن هذا النوع من التعاون سيستمر على الأرجح. فهو اليوم أحد أهم جوانب العلاقة الأميركية مع هذه الدول”.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة