أذربيجان.. لاعب جديد في شرق أوسط قيد التشكُّل

اتسم تعامل أذربيجان مع الملف السوري خلال الحرب الأهلية بالحذر النسبي، مع دعم ضمني للموقف التركي المناهض لنظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.

لكن مع انهيار النظام في ديسمبر، سارعت باكو إلى ملء الفراغ عبر خطوات محسوبة.

يقول سفانتي كورنيل، مدير معهد آسيا الوسطى والقوقاز في واشنطن لـ”الحرة” إن “هذا التحرك من جانب أذربيجان يتماشى تماماً مع تحالف باكو مع أنقرة، ومن المحتمل جداً أنه جاء بناءً على طلب تركي بأن تلعب أذربيجان دوراً في هذا المسار”.

وفي ما اعتبر أول اعراف دبلوماسي ضمني بالسلطة الانتقالية الجديدة في دمشق، أصدرت وزارة الخارجية الأذربيجانية في 11 ديسمبر 2024 بيانًا أكدت فيه دعمها “لوحدة وسيادة الأراضي السورية”.

وبين فبراير ومارس 2025، أرسلت الحكومة الأذربيجانية عدة قوافل إغاثية إلى مناطق متضررة من النزاع في حلب ودمشق، بالتنسيق مع الهلال الأحمر السوري.

وفي مايو، ترأس نائب رئيس الوزراء الأذري، سمير شريفوف، وفدا رسميا زار دمشق والتقى بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، وتم بحث ملفات التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتعليم.

لكن أبرز مؤشر على الدور المتصاعد لأذربيجان في سوريا جاء في يوليو 2025، عندما وقّع الجانبان اتفاقًا لتصدير الغاز الأذربيجاني إلى سوريا عبر الأراضي التركية.

في ذلك الشهر زار الرئيس السوري أحمد الشرع العاصمة باكو، وجرى الإعلان عن اتفاق سنوي يقضي بتوريد 1.2 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي عبر خط انبوب يمر داخل الأراضي التركية وبتمويل قطري.

ويرى الباحث في مركز الدراسات العربية الأوراسية بكير أتاجان أن “الطرفين (اذربيجان وسوريا) وجدا فراغا في العلاقات بينهما أبان حكم الأسد ويعملان على ملئه”.

“تركيا لعبت هنا دورا كبيرا، وهذا طبيعي لإن لديها علاقات طيبة مع الطرفين” يضيف أتاجان للحرة.

أعادت الحكومة السورية الجديدة، بقيادة الشرع، توجيه سوريا بسرعة نحو الغرب وتركيا ودول الخليج، بعيدا عن تحالفها السابق مع إيران.

وفي خضم هذا التحول، تبرز أذربيجان، الدولة الواقعة في جنوب القوقاز، كلاعب مهم.

تتمتع أذربيجان بموقع استراتيجي يجعلها حلقة وصل بين آسيا الوسطى وأوروبا.

وزاد وضعها بين إيران وروسيا، كذلك، من أهميتها الاستراتيجية، ما جعلها مشاركًا رئيسيًا في مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق ووصلة حاسمة في ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب.

مارست كلتا الدولتين تاريخياً نفوذاً على باكو. لكن إيران تنظر إلى تحالفات أذربيجان بريبة.

ترى طهران أن علاقات أذربيجان الوثيقة مع إسرائيل تشكل “تهديداً وجودياً” و”خاصرة رخوة” تستغلها إسرائيل لشن عمليات على الأراضي الإيرانية، وهي مزاعم تنفيها باكو.

وأدت حرب ناغورنو كاراباخ عام 2020 إلى تصاعد هذه الاتهامات، خاصة في ما يتعلق بالوجود العسكري والاستخباراتي الإسرائيلي بالقرب من الحدود الإيرانية.

وأدى الهجوم على السفارة الأذربيجانية في طهران في يناير 2023 إلى تعميق انعدام الثقة بين البلدين.

تاريخ من التوتر

كانت مناطق أذربيجان الحالية جزءًا من الإمبراطوريات الفارسية (بما فيها الصفوية والقاجارية) لقرون طويلة.

في أوائل القرن التاسع عشر، خسرت إيران (القاجارية) أراضي شاسعة في جنوب القوقاز لصالح روسيا القيصرية بموجب معاهدتي غولستان (1813) وتركمانجاي (1828)، وهو ما أدى إلى فصل أذربيجان الحالية عن إيران.

رغم الحدود السياسية، ظل هناك تواصل ثقافي وديني ولغوي بين شعبي البلدين، خاصة أن قرابة 25–30 مليون أذري يعيشون اليوم في شمال غرب إيران، ما يجعلهم أكبر أقلية قومية فيها.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي واستقلال أذربيجان، اعترفت إيران سريعًا بالدولة الجديدة، لكنها بدأت تقلق من الخطاب القومي الأذري الذي يطالب بتوحيد “أذربيجان الشمالية والجنوبية”، ما يمثل تهديدًا مباشرًا لوحدة أراضي إيران.

دعمت إيران أرمينيا سياسيًا واقتصاديًا خلال حرب ناغورنو قره باغ الأولى (1992–1994)، رغم أن أرمينيا دولة مسيحية وأذربيجان ذات غالبية شيعية، وهو ما أدى إلى توتر حاد مع باكو.

ورغم أن كلا البلدين ذو غالبية شيعية، يحمل النظام الإيراني طابعا ثيوقراطيا إسلاميا، في حين أن أذربيجان دولة علمانية، بل أن طهران تتهمها بترويج العلمانية التركية والنموذج الغربي.

بدورها تتهم أذربيجان إيران بدعم الحركات الإسلامية داخلها ومحاولة زعزعة استقرارها الأمني.

وعلى الرغم من المحاولات الأخيرة لتطبيع العلاقات، بما في ذلك زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى باكو في أبريل 2025، لا تزال النخب المحافظة الإيرانية تنتقد “مساعدة أذربيجان لإسرائيل”.

وقد صرحت أذربيجان علناً بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها لضرب طرف ثالث.

يرى كورنيل أن التقارب الاذربيجاني مع سوريا يهدف بالمقام الأول لمواجهة “محاولات إيران فرض هيمنتها في الشرق الأوسط”.

“لأذربيجان علاقات قوية مع تركيا وعدة دول في مجلس التعاون الخليجي، ودعمها للحكومة السورية الجديدة ينسجم مع الجهود المبذولة لمواجهة الأجندة الإيرانية في المنطقة” يقول كورنيل.

ويضيف: “بالمحصلة ينبغي اعتبار هذا الأمر تطورا إيجابياً بشكل عام، لا سيما وأن أذربيجان لعبت سابقاً دور الوسيط لتحسين العلاقات أو إدارة التوترات بين إسرائيل وتركيا، ويمكن أن تلعب دورا مشابهاً بين سوريا وإسرائيل”.

يشار إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع كان قد أدلى بتصريحات في مايو الماضي خلال زيارة لفرنسا تحدث فيها عن حصول محادثات غير مباشرة مع إسرائيل عبر وسطاء تهدف إلى تخفيف التوتر ومنع الانزلاق نحو حرب مفتوحة وتفادي التصعيد.

وفي مايو أيضا نقلت رويترز عن “مصادر مطلعة” القول إن “إسرائيل وسوريا على اتصال مباشر وأجرتا في الأسابيع القليلة الماضية لقاءات مباشرة بهدف تهدئة التوتر والحيلولة دون اندلاع صراع في المنطقة الحدودية بين الجانبين”.

اتفاقات أبراهام.. هل باكو على الطريق؟

من هنا وفي ظل التوازنات المتغيرة في منطقة الشرق الأوسط، قد لا تكون باكو لاعبا كبيرا مثل إيران أو تركيا، لكنها تمتلك ما يكفي من الأدوات لفرض نفسها كصوت مؤثر. والخطوات الأولى بدأت تظهر بالفعل على الأرض عبر سوريا.

وتعد علاقات أذربيجان مع إسرائيل من الأقوى في العالم الإسلامي، وقد ازدادت عمقًا خلال العقد الأخير.

فباكو تُزود إسرائيل بحوالي 40% من احتياجاتها النفطية، في حين تحصل على تقنيات عسكرية متقدمة، منها طائرات بدون طيار وأنظمة دفاع جوي.

في أغسطس الجاري، نقلت وكالة رويترز عن مصادر دبلوماسية أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تسعى لضم أذربيجان إلى اتفاقات أبراهام، ضمن مسعى أوسع يشمل دول آسيا الوسطى.

وبموجب اتفاقيات ابراهام التي أُبرمت في عامي 2020 و2021 خلال فترة ولاية ترامب الأولى في رئاسة الولايات المتحدة، وافقت أربع دول هي الإمارات والبحرين والمغرب والسودان على تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل بعد وساطة أميركية.

وحول هذا يقول مدير مركز توران للأبحاث في معهد يوركتاون بواشنطن جوزيف إبستين إن “انضمام أذربيجان إلى اتفاقات أبراهام سيكون بمثابة إشارة إلى الدول ذات الأغلبية المسلمة في آسيا الوسطى مثل كازاخستان وأوزبكستان بأن التعاون العلني مع إسرائيل ممكن وجدير بالاهتمام”.

“سيُشكل ذلك ضغطاً على طهران، التي ترى في دولة شيعية علمانية متحالفة مع إسرائيل وتركيا مشكلة استراتيجة” وفقا لإبستين.

وبحسب مصادر، طلبت من رويترز عدم الكشف عن هويتها، فإن أذربيجان وكل دول آسيا الوسطى لديها بالفعل علاقات طويلة الأمد مع إسرائيل، ما يعني أن توسيع الاتفاقيات لتشمل هذه الدول سيكون خطوة رمزية إلى حد كبير.

يتفق بكير أتاجان مع هذا الطرح بالقول إن “اتفاقات أبراهام هي بالأساس اتفاقات سلام مع دول جوار إسرائيل التي لا تعترف بها مثل سوريا، العراق وبعض الدول الخليجية”.

ويضيف “بالنسبة لأذربيجان فالعلاقة وطيدة مع إسرائيل وهي دولة صديقة لها، فلماذا تحتاج إلى هذا الاتفاق؟ حتى لو حصل فسيكون شكليا فقط”.

لكن مع ذلك هناك بعض التحديات التي تواجه هذا التحرك، مثل العلاقة المتوترة مع أرمينيا.

وتشترط واشنطن إحراز تقدم ملموس في ملف السلام الأرمني-الأذربيجاني قبل طرح مسألة الانضمام الرسمي إلى اتفاقات أبراهام.

ومع ذلك، يجادل بعض الخبراء بأن ربط دخول أذربيجان بشروط غير ذات صلة مثل اتفاق السلام مع أرمينيا من شأنه أن يقوض روح الاتفاقيات ويعرض عملية هشة في جنوب القوقاز للخطر.

يقول إبستين إن “اتفاقات أبرهام بُنيت لتوحيد الدول المسلمة التي تختار التسامح وترفض التطرف، وأرمينيا ليست جزءاً من هذا المسار، وإقحامها فيه سيكون غير مجدٍ”.

ويدور الخلاف بين أذربيجان وأرمينيا منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي حول إقليم ناغورنو قرة باغ، وهي منطقة في أذربيجان تقطنها أغلبية من الأرمن، عندما انشق الإقليم عن أذربيجان بدعم من أرمينيا التي تربطها علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة،.

وفي 2023، استعادت أذربيجان الإقليم، مما دفع نحو 100 ألف أرمني إلى الفرار إلى أرمينيا. ومنذ ذلك الحين، يعلن الجانبان رغبتهما في توقيع معاهدة لإنهاء الصراع رسميا.

غسان تقي

صحفي متخصص في الشؤون العراقية، يعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال MBN منذ عام 2015. عمل سنوات مع إذاعة "أوروبا الحرة" ومؤسسات إعلامية عراقية وعربية.


اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك لتصلك أحدث التقارير من الحرة

* حقل الزامي

اترك رد

https://i0.wp.com/alhurra.com/wp-content/uploads/2025/08/footer_logo-1.png?fit=203%2C53&ssl=1

تابعنا

© MBN 2026

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading