واشنطن العاصمة 10:26 PM
هل تم إبلاغ الزيدي بالهجوم الأمريكي السعودي؟

ماغازين · يوليو 2026

هل تم إبلاغ الزيدي بالهجوم الأمريكي السعودي؟

عقب زيارته لواشنطن، يجد علي الزيدي نفسه أمام أزمة جديدة في بلاده.

منقذ داغر

الدكتور منقذ داغر هو المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة المعهد المستقل للإدارة ودراسات المجتمع المدني (IIACSS)، وهي مؤسسة بحثية مقرها بغداد.

اقرأ بـ English
· 4 دقيقة قراءة

في 28 يوليو (تموز)، شنّت الولايات المتحدة والسعودية هجوماً مشتركاً على ما قالت انها مواقع للميليشيات المدعومة من إيران في العراق. واتهمت الرياض هذه الميليشيات، بشنّ هجمات بطائرات مسيّرة على منشآت نفطية سعودية في شرق البلاد. واستهدفت الضربات الأمريكية السعودية قواعد للميليشيات والحشد الشعبي في سبع محافظات عراقية، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 20 من مقاتليه، بحسب ما أعلن الحشد الشعبي.

لم تتأخر رئاسة الجمهورية العراقية في إدانة الضربات، إذ وصفتها بأنها “انتهاك صارخ لسيادة العراق، يستهدف مؤسساته الرسمية”. وعلى الفور، تم تأجيل زيارة كانت مقررة للسعودية للقاء ولي العهد فيها محمد بن سلمان من قبل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي كان قد عاد قبل أيام قليلة فقط من لقائه ترامب في البيت الأبيض. ومن الواضح أن الزيدي، الذي يسعى جاهداً لتقديم نفسه كقائد قوي، لم يكن ليسمح لنفسه بأن يُنظر إليه على أنه سمح بشنّ هجمات على الأراضي العراقية

لقد اثارت هذه الهجمات العديد من الأسئلة أهمها ما افاد به مراسل شبكة فوكس نيوز من ان ترامب اخبره بأن هذه الهجمات تمت بالتنسيق مع الحكومة العراقية. فإذا صحّ ما قاله ترامب، فإن الهجوم الأمريكي السعودي لا يعود استهدافاً للسيادة العراقية، أو على الأقل لا يمكن عدّه عدواناً على العراق. كما أنه سيعني بالضرورة موافقة حكومية عراقية على استهداف تلك المواقع التي جرى قصفها. ولأن الجميع يعلم أنه لا يمكن الوثوق كثيراً بتصريحات ترامب، التي قد تتغير بسرعة أو تستهدف إحراج الآخرين أو توريطهم في النزاعات التي يخوضها، ذهب معظم المراقبين والمحللين إلى استبعاد صحة ذلك التصريح.

لكن عدم تصديق ترامب لا يعني أن تصريحه غير صحيح تماماً، كما اخبرني أحد المصادر المطّلعة على ما يجري في واشنطن وبغداد. إذ يبدو أنه تم “إعلام” العراق وليس التنسيق معه، بحسب ذلك المصدر. ومن الناحية المنطقية، لا يبدو هذا الخبر مستغرباً، فأمريكا لا تزال حريصة على علاقتها بالزيدي رغم أنها تدهورت بسرعة بعد أن بلغت أوجها في زيارة الزيدي الأخيرة إلى واشنطن. لذلك، يمكن أنها أعلمت الزيدي قبل وقت قليل من الهجوم كي لا يتسرّب الخبر إلى أطراف أخرى. وبحسب المصدر نفسه، فقد أبلغ الزيدي إحدى القيادات السياسية بسرعة قبل الهجوم، ما يعني أن الزيدي لم يوافق على الهجوم كما حاول ترامب الإيحاء به، بل تم إعلامه فقط.

لقد كانت رسالة الإطار التنسيقي للزيدي واضحة حتى قبل هذا الهجوم: لا يمكن دعمه سياسياً إذا قرر، بعد أيلول (سبتمبر) القادم، حلّ الفصائل المسلحة بالقوة العسكرية. فهذا بالنسبة للإطار التنسيقي خط أحمر، لأنه يعني حرباً مع سلاح  محور المقاومة وأفرادها . وعلى الرغم من أن السيد الزيدي هدد سابقاً بالاستقالة ان لم يتم دعمه إطارياً، فقد أظهر موقفاً أكثر ليونة في آخر اجتماعين للإطار التنسيقي معه، إذ أبلغ الإطار بأن قرار عدم المواجهة سيكون قرارهم وليس قراره. والملاحظ الآن أن البيانين الحكوميين اللذين صدرا بعد الهجوم الأمريكي السعودي، صدرا عن اجتماع المجلس الوزاري للأمن الوطني واجتماع الإطار التنسيقي، ولم يصدر أي بيان باسم رئيس الوزراء أو عنه!

منذ الإطاحة بنظام صدام في 2003 وجد القادة العراقيون أنفسهم مضطرين للحفاظ على توازن دقيق بين مطالب واشنطن، التي تُعد حاسمة الأهمية لاقتصاد العراق ومكانته الدبلوماسية، وطهران، التي أمضت أكثر من عقدين حتى الآن في بناء نفوذها داخل هذا البلد. وحتى اليوم، يستضيف العراق قوات أمريكية صغيرة، إلى جانب مجموعة واسعة من الجماعات والأفراد المسلحين الموالين لإيران. لقد وضعت الحرب التي اندلعت بين أمريكا وايران في شهر فبراير(شباط) الماضي السيد الزيدي في موقف لا يُحسد عليه، بين مطرقة أمريكا وسندان إيران وأذرعها في المنطقة. وقد غيّر هذا الهجوم الأخير من طبيعة الحرب الأمريكية الإيرانية، بحيث أدخل العراق رسمياً ضمن ساحة الصراع، وهو الأمر الذي حاول كل رؤساء الوزراء في العراق تجنبه. والأنكى من ذلك دخول جيران العراق رسمياً في إطار هذه الحرب. كما غيّر الهجوم قواعد الاشتباك التي كانت معتمدة حتى الآن، وجعل الرد العسكري على هجمات الفصائل المسلحة هو القاعدة المعتمدة.

يُذكر هنا أن جيران العراق (السعودية والكويت والإمارات والأردن) سبق أن أعلنوا أكثر من مرة عن تعرضهم لهجمات من قبل الفصائل المسلحة العراقية، بما في ذلك الهجوم على منشآت أرامكو السعودية في 2024، لكنهم لم يردوا عسكرياً إلا يوم أمس. لكن هذا بات من الماضي الآن. وبما أن الحرب بين أمريكا وحلفائها من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، باتت حرباً مصيرية صفرية لا تقبل القسمة سوى على واحد، فإن السيد الزيدي سيواجه قريباً الخيار النهائي الذي سبق أن طرحه أكثر من رئيس أمريكي منذ بوش، بمن فيهم ترامب: “إما معنا أو ضدنا”. ومما يزيد من صعوبة الإجابة أن السؤال نفسه (“معنا أو ضدنا”) سيُطرح على السيد الزيدي أيضاً من قبل الإطار التنسيقي، المعني دستورياً باختيار رئيس الوزراء!

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة