واشنطن العاصمة 08:23 AM
لا ينبغي لأي دولة أن تخضع لاختبار من أجل سيادتها

ماغازين · يوليو 2026

لا ينبغي لأي دولة أن تخضع لاختبار من أجل سيادتها

تكشف "المناطق التجريبية" التي تم الاتفاق عليها في المفاوضات مع إسرائيل مدى افتقار لبنان إلى السلطة الفعلية على أراضيه.

جمانة حداد

جمانة حداد هي كاتبة وصحفية وناشطة من لبنان

اقرأ بـ English
· 5 دقيقة قراءة

كان أحد أكثر الأحاسيس التي طبعت طفولتي هو الانتظار. انتظار توقف إطلاق النار، وانتظار عودة الكهرباء، وانتظار فتح الطريق، وانتظار أن يقرر الكبار ما إذا كان الخروج من المنزل قد أصبح آمناً. كأطفال، نادراً ما كنا نفهم من يقاتل أو لماذا. كل ما كنا نعرفه هو أن حياتنا كانت تعتمد على قرارات تُتخذ في مكان آخر، على يد أشخاص لم نلتقِ بهم يوماً ولم يكن بوسعنا التأثير عليهم. لذلك، كنا ننتظر.

كنت أفكر كثيراً في ذلك الشعور خلال الأسابيع الماضية، وأنا أتابع المفاوضات بشأن جنوب لبنان. ليس لأنها تعيد إلى ذهني الحرب نفسها، بل لأنها أعادت إحياء أمر ظننت أننا تجاوزناه: عادة انتظار الآخرين ليقرروا متى يمكن لبلدنا أن يصبح لنا أخيراً.

مرة أخرى، يجد لبنان نفسه معلقاً بين شروط متبادلة. فإسرائيل تصر على أنها لا تستطيع الانسحاب قبل أن يسلّم حزب الله سلاحه. وحزب الله يصر على أنه لا يستطيع تسليم سلاحه قبل أن تنسحب إسرائيل. أما الدولة اللبنانية، فتتعهد ببسط سلطتها فقط بعد تحقق الشرطين معاً. كل موقف يبدو منطقياً بحد ذاته، لكن اجتماعها جميعاً يؤدي إلى الشلل.

لم تعد السيادة شيئاً تمتلكه الدولة اللبنانية بحكم وجودها، بل أصبحت شيئاً يتعين عليها أن تثبت باستمرار أنها جديرة بممارسته.

غير أن القصة الحقيقية ليست هذا الجمود بحد ذاته. فحالات الانسداد السياسي ليست جديدة على لبنان. الجديد هو الحل الذي يجري التفكير فيه اليوم. فعجزنا عن استعادة السيادة على كامل البلاد يدفعنا إلى الاستعداد لاستعادتها على دفعات.

قد يستعيد لبنان قريباً أجزاءً من لبنان. ليس كله بالطبع. فالسيادة، شأنها شأن كل الأنواع المهددة بالانقراض، باتت تحتاج إلى إعادة إدخالها بحذر إلى موطنها الطبيعي. قرية هنا، وشريط أرض هناك. يدخل الجيش اللبناني. ينسحب الجيش الإسرائيلي. يختفي حزب الله عن الأنظار. ويسجل المراقبون الدوليون ملاحظاتهم.

ويُطلق على هذه المناطق اسم “المناطق التجريبية”.

تبدو العبارة مطمئنة إلى حد ما. آلية عملية لاختبار ترتيب أمني جديد. نبدأ بخطوات صغيرة، ونقيس النتائج، ثم نتوسع إذا نجحت التجربة. إنها لغة المهندسين، والمستشارين، ووكالات التنمية. لغة إدارة المخاطر.

لكن الكلمات مهمة. وأحياناً تكشف أكثر بكثير مما يقصده من يستخدمها.

فالمنطقة التجريبية هي مساحة تُنشأ لاختبار ما إذا كان نموذج معين ينجح قبل تعميمه على نطاق أوسع. ننشئ مدارس تجريبية، ومشروعات تجريبية، وتقنيات تجريبية. نختبر منتجاً في مساحة محدودة قبل أن نقرر ما إذا كان يستحق إطلاقه على نطاق واسع. لكن المنتج الذي يخضع للاختبار في جنوب لبنان ليس خدمة توصيل جديدة ولا تطبيقاً مصرفياً، بل لبنان نفسه. لقد تحول بلدنا إلى مختبر تختبر فيه القوى الخارجية ما إذا كان بالإمكان إعادة بناء الدولة قرية بعد أخرى.

ثمة شيء مقلق للغاية في هذا التحول. ليس لأن البراغماتية أمر غير مرغوب فيه، بل لأنها تحول السيادة بهدوء من حق طبيعي إلى اختبار. فلم تعد السيادة شيئاً تمتلكه الدولة اللبنانية بحكم وجودها، بل أصبحت شيئاً يتعين عليها أن تثبت باستمرار أنها جديرة بممارسته.

والأكثر إثارة للقلق ليس أن القوى الخارجية تعود مرة أخرى إلى رسم مستقبل لبنان، فهي تفعل ذلك منذ عقود. وليس أيضاً أن إسرائيل، أو حزب الله، أو الولايات المتحدة، أو إيران، أو غيرها، يسعى كل منها إلى فرض شروطه الخاصة. فهذا أيضاً ليس أمراً غير مسبوق. ما تغير هو أمر أكثر جوهرية.

فعلى مدى أجيال، كانت السيادة تُعد الحالة الطبيعية للبنان، مهما كانت منقوصة في الواقع. جاءت احتلالات أجنبية ورحلت. واستمرت الوصاية السورية قرابة ثلاثة عقود. ورسخ حزب الله تدريجياً موقعه كدولة داخل الدولة. ومع ذلك، ظلت السيادة طوال تلك السنوات هي نقطة الانطلاق، حتى عندما كانت تُنتهك.

أما اليوم، فقد أصبحت هي نقطة الوصول.

لم نعد نتحدث كما لو أن لبنان يمتلك السيادة ويحتاج فقط إلى استعادتها. بل أصبحنا نتحدث كما لو أن على لبنان أولاً أن يثبت أنه قادر على امتلاكها. ومن دون أن ندرك تماماً، تجاوزنا خطاً غير مرئي. لم يعد النقاش يدور حول استعادة منزل مسروق، بل حول إقناع الآخرين بأننا أهل للثقة لحمل مفاتيحه.

لعل هذا هو المعنى الحقيقي للمفاوضات الجارية اليوم. فـ”المناطق التجريبية” لا تختبر في الواقع ما إذا كان حزب الله سينسحب، أو ما إذا كانت إسرائيل ستغادر، أو ما إذا كان الجيش اللبناني قادراً على الانتشار بفاعلية. إنها تختبر شيئاً أكبر بكثير: ما إذا كانت الدولة اللبنانية نفسها قابلة للحياة.

قد تكون “المناطق التجريبية” ترتيبات أمنية معقولة. لكن لا ينبغي لأي دولة أن تُجبر على الخضوع لاختبار من أجل سيادتها.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو مدى ضآلة الصدمة التي يثيرها هذا التصور لدينا. تخيلوا لو أن أحداً اقترح قبل عشرين عاماً أن تُختبر السيادة اللبنانية أولاً في مناطق مختارة بعناية قبل أن تُمد إلى بقية البلاد. كان هذا الاقتراح سيبدو عبثياً، بل ومهيناً. فالسيادة، بحكم تعريفها، غير قابلة للتجزئة. يمكن انتهاكها، أو احتلالها، أو تقويضها، لكن لا يمكن إدارتها على أجزاء.

فلنستمع إلى العبارة مرة أخرى: “المناطق التجريبية”. تعبير إداري يبدو بريئاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي في داخله طرحاً جذرياً: أن على الدولة اللبنانية أن تنجح أولاً خلال فترة اختبار قبل أن تستعيد ما يُفترض أن تمتلكه كل دولة منذ البداية. هكذا تتغير الوقائع السياسية، ليس فقط عبر الحروب والمفاوضات، بل أيضاً عبر المفردات. يدخل تعبير جديد إلى الخطاب العام، ويتكرر بما يكفي ليبدو معقولاً، حتى نتوقف عن ملاحظة الثورة الهادئة التي تجري تحت الكلمات.

عندما كنا أطفالاً، كنا ننتظر لأنه لم يكن أمامنا خيار آخر. كان الآخرون يملكون السلطة على حياتنا. ولم أتخيل يوماً أنه بعد عقود، سيظل بلدي هو الآخر ينتظر. ينتظر انسحاب الأعداء. وينتظر نزع سلاح الميليشيات. وينتظر أن يتوسط الآخرون. وينتظر أن تُسوّى حسابات القوى الإقليمية. وينتظر الإذن بأن يصبح نفسه.

ولعل هذه هي الحقيقة الأكثر إيلاماً. فالمشروع التجريبي الحقيقي لا يجري في بضع قرى في جنوب لبنان، بل في مخيلتنا الجماعية. لقد تقبلنا تدريجياً أن السيادة لم تعد نقطة انطلاقنا، بل أصبحت مكافأتنا، شيئاً يجب أن نستحقه وأن يُمنح لنا على مراحل.

قد تكون “المناطق التجريبية” ترتيبات أمنية معقولة. لكن لا ينبغي لأي دولة أن تُجبر على الخضوع لاختبار من أجل سيادتها.

 الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة