واشنطن العاصمة 05:17 PM

من المدارس للمنابر.. كيف حاربت دول الخليج منابع التطرف؟

المواجهة مع التطرف امتدت من السلاح إلى مراقبة التعليم وضبط الفكر الديني ومكافحة خطاب الكراهية.

· 8 دقيقة قراءة
الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة آخرون، بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (في الأسفل، الثاني من اليسار) ورئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق (الرابع من اليمين)، يتفاعلون مع بدء تشغيل جدار من شاشات الكمبيوتر، خلال جولة لهم في المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف في الرياض، السعودية، في 21 مايو 2017. رويترز/جوناثان إرنست.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقادة آخرون، بينهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (في الأسفل، الثاني من اليسار) ورئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرزاق (الرابع من اليمين)، يتفاعلون مع بدء تشغيل جدار من شاشات الكمبيوتر، خلال جولة لهم في المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف في الرياض، السعودية، في 21 مايو 2017. رويترز/جوناثان إرنست.

خلال السنوات الأخيرة، تحولت جهود مكافحة الإرهاب تدريجيا، من التركيز على ملاحقة الجماعات المتطرفة المسلحة وتفكيك قدراتها، إلى محاولة معالجة الجذور الفكرية والاجتماعية التي تنتج التطرف وتوفر له بيئة حاضنة له.

واتجهت دول خليجية وعربية إلى التركيز على ما يسبق الهجمات الإرهابية نفسها، وحاولت الوصول إلى المناخ الذي يمكن أن ينتج التطرف أو يمنحه مساحة للانتشار، وخاضت معارك كانت ميادينها المنابر والمناهج التعليمية والمجتمعات والفضاءات الرقمية.

وبعد هجمات 11 سبتمبر، التي نفذها 19 متطرفا من دول خليجية وعربية، بدأت المقاربة الدولية تتوسع تدريجيا من ملاحقة التنظيمات وتجفيف أموالها، إلى الوقاية من الظروف التي تسمح للتطرف بالنمو.

وفي ديسمبر 2015، قدم الأمين العام للأمم المتحدة خطة عمل لمنع التطرف العنيف، تضمنت مجموعة من مجالات الوقاية، من بينها إشراك المجتمعات المحلية وتمكين الشباب، والتعليم وتنمية المهارات، والاتصال الاستراتيجي والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لمعالجة الظروف التي يمكن أن تستغلها الجماعات المتشددة قبل تحولها إلى عنف.

ووصلت دول المنطقة العربية إلى هذه النقطة عبر تجاربها الخاصة.

ففي السعودية، كانت هجمات تنظيم القاعدة داخل المملكة بعد عام 2003 نقطة فارقة في نقل المواجهة إلى البيئة الداخلية، ومع السنوات تجاوز الأمر الخلايا المتطرفة، إلى المحتوى الذي يتلقاه الطلاب.

وتظهر مراجعة أجراها “المركز الدولي للدين والدبلوماسية” في الولايات المتحدة، حجم العملية، فقد فحص المركز 22 كتابا دينيا سعوديا للمرحلة الثانوية من طبعة 2017، وحدد داخلها 120 وحدة دراسية اعتبر أنها تتضمن عنفا أو عداء اجتماعيا، وبحسب المركز، نقلت الملاحظات دوريا إلى وزارة التعليم السعودية، وعندما أعاد الباحثون مراجعة كتب التوحيد والحديث والتفسير في طبعات 2019 و 2020، وجدوا أن عددا من الكتب التي تضمنت أكثر المواد إثارة للاعتراض ألغي، فيما تم تعديل كتب أخرى.

وإلى جانب مراجعة المحتوى، اتجهت الوزارة السعودية إلى ما اعتبرته مصادر التأثير التنظيمي داخل التعليم، ففي 2017 أمرت بسحب مؤلفات يوسف القرضاوي من مكتبات المدارس والجامعات والكليات، وقالت إن هذه المؤلفات قد تشكل خطرا على فكر الطلاب.

وفي عام 2018، قال وزير التعليم آنذاك، أحمد العيسى، إن عناصر من جماعة “الإخوان المسلمين” عملوا خلال الستينيات والسبعينيات في قطاعي التعليم العام والجامعي في السعودية، وأسهم بعضهم في صياغة المناهج والأنشطة الطلابية. وأعلن العيسى حينها خطة لإبعاد هؤلاء وإعادة صياغة المناهج، ومنع الكتب المرتبطة بالجماعة، التي صنفت واشنطن فروعا منها على قوائم الإرهاب.

ولم تقتصر التحركات الرقابية السعودية على المناهج والقائمين عليها، فقد أنشأت وزارة التعليم في 2018 برامج مثل “حصانة”، ودربت قيادات تعليمية، بالتعاون مع رئاسة أمن الدولة، للتعرف على مؤشرات الفكر المتطرف ولتفعيل دور المدرسة في تعزيز المواطنة والوحدة الوطنية.

ويرى الكاتب والباحث الأكاديمي المختص في شؤون الشرق الأوسط وأمن الخليج، محمد محسن أبو النور، أن التحول الأهم في التجارب الخليجية، فيما يتعلق بمكافحة الفكر المتطرف، خلال العقد الأخير تمثّل في الانتقال من التعامل مع الخلايا والممولين والعمليات الإرهابية، إلى محاولة تنظيم المجال الديني ومراجعة المناهج وضبط المنابر وتأهيل الأئمة ومواجهة الدعاية المتطرفة رقميا.

وفي الحالة السعودية، يشير أبو النور، إلى أن التغيير لم يقتصر على المناهج، بل تزامن مع تقليص مساحة بعض المؤسسات والرموز الدينية التقليدية، وتراجع دور “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وتحول الخطاب الرسمي بصورة أكبر نحو مفاهيم الاعتدال والتعايش والانتماء الوطني.

وارتبط تراجع التطرف في المملكة أيضا، بعوامل أخرى، بينها التحولات الاجتماعية والاقتصادية وتغير الأجيال وأنماط استهلاك الإعلام وتراجع احتكار الجماعات الدينية للمجال العام.

وفي عام 2017، أطلقت السعودية المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف “اعتدال” في الرياض، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف مواجهة الفكر المتطرف والحد من انتشاره، خصوصا عبر الفضاء الرقمي.

أما في مصر، فقد وصل التغيير إلى تفاصيل أصغر داخل الكتب نفسها، ففي مارس 2015 قررت وزارة التعليم حذف دروس من بينها “صلاح الدين الأيوبي” و”عبقرية عقبة الحربية” و”نهاية الصقور”، ضمن مراجعة قالت إن هدفها تنقية الكتب من موضوعات يمكن أن تحث على العنف أو التطرف أو تستغل بصورة خاطئة.

وفي الشهر نفسه وبعد مراجعة الأزهر ووزارة الأوقاف لمناهج التربية الدينية من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، تغير عنوان درس “الجهاد في سبيل الله” إلى “صلح الحديبية وأثره في نشر الدعوة”، وحذفت صور تضمنت طفلا يحمل بندقية وصورة معركة يظهر في خلفيتها علم يشبه علم تنظيم القاعدة، وأضيفت مواد عن قبول الآخر وعلاقة أبناء الوطن الواحد.

ثم انتقل الأزهر من الحذف إلى بناء محتوى مضاد، ففي ديسمبر 2015 أطلق مجمع البحوث الإسلامية برنامجا في المدارس والمعاهد لتصحيح المفاهيم التي تروج لها الجماعات الإرهابية حول التكفير والجهاد والتفسيرات الخاطئة للنصوص الشرعية، وفي مناهج لاحقة أصبح كتاب الثقافة الإسلامية يتناول صراحة قضايا التكفير والجهاد والمواطنة والحاكمية والخلافة، ويقدم الجهاد باعتباره مرتبطا بصد العدوان لا بقتال الناس بسبب معتقداتهم.

وجاءت هذه المراجعات في مرحلة كان فيها تنظيم داعش، الذي تصنفه واشنطن جماعة إرهابية، يقدم مثالا شديد الوضوح على طريقة إعادة توظيف التراث الديني، فعندما أحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة في سوريا عام 2015، أرفق التنظيم جريمته باستشهاد بنص منسوب لابن تيمية، ما فتح جدلا حول الفرق بين النص التاريخي وبين طريقة انتزاعه من سياقه واستخدامه لتبرير فعل معاصر.

من المدرسة إلى المنبر والفتوى

في المغرب، كانت تفجيرات الدار البيضاء في مايو 2003، بداية لمسار مختلف، وبعد أقل من عام، أعلن الملك محمد السادس إعادة هيكلة الحقل الديني، وفي أبريل 2004 أعيد تنظيم المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية، وأنشئت هيئة علمية مختصة بالإفتاء، ثم طرحت خطة لتحديث التربية الإسلامية وتأهيل المدارس الدينية التقليدية وإدماج طلابها في المنظومة التعليمية الوطنية.

وبذلك، لم تستهدف الدولة فقط ما يقوله رجل الدين، بل كيفية تكوينه ومن يملك سلطة الإفتاء، وتطور هذا المسار لاحقا إلى معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وأصبح يستقبل كذلك أئمة من دول أخرى، فيما تحولت تجربة المرشدات الدينيات إلى أحد مكونات السياسة الدينية المغربية.

وبعد ذلك انتقلت التجربة إلى السجون، عبر برنامج “مصالحة” المخصص لمدانين في قضايا الإرهاب، والذي لا يركز فقط على قطع الصلة بالتنظيم، بل على إعادة بناء علاقة الشخص الخاضع للبرنامج بالنص الديني والمجتمع ومؤسسات الدولة.

أما الأردن، فذهب بدوره إلى نقطة قريبة، ففي نوفمبر 2004 تم الإعلان عن “رسالة عمّان“، وهي مبادرة أطلقها العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، بهدف تقديم تعريف بالإسلام يقوم على الاعتدال والتسامح، ومواجهة التكفير والتشدد الديني.

ثم عقد في العاصمة الأردنية مؤتمر إسلامي دولي في يوليو 2005 انتهى إلى ثلاثة مبادئ رئيسية، الاعتراف بالمذاهب الإسلامية الثمانية، ورفض التكفير بين أتباعها، ووضع شروط لمن يملك أهلية إصدار الفتوى، في محاولة للحد من الفتاوى غير المنضبطة، ولاحقا أقرت هذه المبادئ في منظمة المؤتمر الإسلامي.

وتعكس هذه التجارب محاولة للسيطرة على الطريق الذي تتحول فيه الفكرة إلى شرعية دينية، لكن دولا أخرى واجهت المشكلة عندما انتقلت من الخطاب إلى القتل.

ففي الكويت، فجر انتحاري من “داعش” مسجد الإمام الصادق للمسلمين الشيعة في يونيو 2015 وقتل 26 شخصا ، وبعد الهجوم شددت السلطات الإجراءات المرتبطة بالمساجد والمنابر، واستمرت وزارة الأوقاف في تعيين ومراجعة الأئمة السنة، وتزويد المساجد بنص أساسي لخطبة الجمعة، ومطالبة الأئمة بتجنب ما يثير الطائفية أو الإساءة إلى أديان أخرى، كما أصبحت التسجيلات الصوتية للخطب ترسل إلى الوزارة للمراجعة، وفي 2016 منع ثلاثة أئمة سنة نهائيا من ممارسة النشاط الديني بسبب مخالفات تتعلق بخطاب سياسي أو متطرف.

ويضع الكاتب والباحث السعودي كامل الخطي، المختص في رصد ودراسة التيارات والحركات اليسارية والقومية والإسلامية في الخليج والعالم العربي، المسألة في إطار أوسع من التشريع، إذ يرى أن القوانين قادرة على الحد من خطاب الكراهية ورفع كلفة ممارسته علنا، لكنها لا تستطيع وحدها اقتلاع جذوره من الثقافة والمجتمع، ويرى أن المعالجة الأعمق تحتاج إلى ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية في الممارسة.

ومن زاوية قانونية، يفرق المحامي والمستشار القانوني العماني صلاح المقبالي بين التكفير باعتباره موقفا دينيا أو فكريا، وبين تحوله إلى تحريض أو تبرير للعنف، ويرى أن التقييم القانوني لا يتوقف على الكلمة وحدها، وإنما يشمل السياق الذي قيلت فيه، والجمهور الذي وجهت إليه، ومكانة المتحدث وقدرته على التأثير، وما إذا كان الخطاب يتضمن دعوة صريحة أو ضمنية إلى العنف أو التمييز ويمكن أن يترتب عليه ضرر فعلي.

وتبرِز الإمارات نموذجا مختلفا، إذ سبقت المواجهة فيها صعود داعش بسنوات، فمع توسع نفوذ “جمعية الإصلاح” داخل قطاعات اجتماعية وتعليمية، بدأت السلطات تدريجيا في تقليص هذا الحضور، قبل أن تصنف الجمعية وجماعة الإخوان ضمن التنظيمات الإرهابية في 2014.

ولم تتوقف الإمارات عند المسار الأمني، ففي 2012 افتتح مركز “هداية” في أبوظبي ليعمل على الوقاية من التطرف العنيف، ثم جاء مركز “صواب” لمواجهة الدعاية المتطرفة رقميا، وتبعت ذلك منظومة قانونية أوسع لمكافحة التمييز والكراهية والتطرف.

ويرى القانوني الكويتي سعود السبيعي أن دول الخليج قطعت مسافة في بناء تشريعات لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض، لكن مستوى الحماية القانونية ليس متماثلا بينها، فبعض الدول وضعت نصوصا صريحة تتعلق بالتمييز والكراهية والتحريض الديني والطائفي، بينما تتوزع المعالجة في دول أخرى بين قوانين الجزاء والإعلام والجرائم الإلكترونية ومكافحة الإرهاب.

وبحسب السبيعي، فإن وجود القانون لا يعني اختفاء خطاب الكراهية، لكنه أسهم في تضييق مساحة التحريض العلني ورفع الكلفة القانونية لممارسته. ويشير إلى أن جذور المشكلة قد تبقى مرتبطة بعوامل أخرى، من بينها البيئة الاجتماعية والتعليم والإعلام والفضاء الرقمي، إضافة إلى الأزمات السياسية والطائفية التي يمكن أن تعيد إنتاج هذا النوع من الخطاب.

أما المقبالي فيرى في تصريحه لـ”الحرة” أن التحدي لا يكمن دائما في غياب التشريع، بل في وضوح التعريفات وكيفية التطبيق، خصوصا عند رسم الحدود بين نقد فكرة أو مذهب وبين التحريض على الكراهية أو التمييز والعنف ضد أتباعه. ويشير إلى أن تطور المنظومة القانونية يحتاج بالتالي إلى موازنة بين مواجهة التحريض وحماية المجال المشروع للنقاش والنقد.

ولم تتوقف تجربة دول الخليج عند التعليم والمؤسسة الدينية، فقد بنت خلال العقدين الماضيين منظومات أكثر صرامة لمراقبة الأموال والجمعيات والتحويلات.

وقد أغلقت دول الخليج بدرجة كبيرة القنوات التقليدية المنظمة لتمويل الإرهاب خلال السنوات الماضية، لكن طرق التمويل انتقلت إلى مسارات أكثر تعقيدا، بينها التمويل الجماعي والحملات الإنسانية الوهمية والأصول الافتراضية والشركات التي تبدو مشروعة.

وتظهر تقييمات “مجموعة العمل المالي” الفارق بين قوة التشريع وفاعلية التطبيق، ففي الإمارات سجل تقييم المجموعة لعام 2020 محاكمة 92 شخصا في قضايا تمويل الإرهاب وإدانة 75 منهم، بينما خلص تقييم قطر لعام 2023 إلى وجود إطار فني قوي، لكنه سجل حاجة إلى تحسين الاستجابة الجنائية لجرائم تمويل الإرهاب.

وبعد سنوات من مراجعة المناهج وتنظيم الفتوى وتأهيل الأئمة وضبط المنابر والتبرعات، ظهرت ثغرة لا تمر بالمدرسة أو المسجد بالضرورة، إذ أصبح الفرد قادرا على الوصول إلى خطاب متطرف من خلال هاتفه، بعيدا عن المؤسسات التي نجحت الدول في إحكام الرقابة عليها.

ويرى أبو النور أن هذه أصبحت إحدى الثغرات الرئيسية، فالفضاء الرقمي نقل جزءا من الاستقطاب من المسجد والكتاب إلى المنصات المفتوحة والمغلقة، فيما ظلت فجوة أخرى بين الخطاب الرسمي وبين تغير الثقافة الاجتماعية نفسها.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة