كشف المشهد داخل إيران، بعد مقتل علي خامنئي، هشاشة البنية التي قام عليها نظام ولاية الفقيه طوال أكثر من أربعة عقود.
فالنظام الذي اعتمد تاريخيا على وجود مرشد قادر على الفصل بين مراكز القوة، وجد نفسه أمام فراغ سياسي لا تملؤه المؤسسات بقدر ما تتنافس شبكات النفوذ داخله للسيطرة عليه.
خلال الأسابيع الأخيرة، كثّف ممثلو الولي الفقيه وخطباء الجمعة دعواتهم إلى الالتزام بقيادة مجتبى خامنئي، محذرين من أي خطاب قد ينتقص من “مكانة القيادة”. وتبدو الحملة محاولة لتثبيت موقعه، لكن تكرارها واتساعها يوحيان بأن سلطته لم تتحول بعد إلى موضع إجماع داخل النظام.
وقال سياسي إيراني معارض لـ”الحرة”، طالبا عدم الكشف عن هويته، إن الأزمة لا تتعلق بمجتبى خامنئي وحده، بل بنظام بُني على مركزية المرشد بوصفه صاحب القرار النهائي، لا على مؤسسات مستقلة تستطيع إدارة انتقال السلطة.
ومع تراجع قدرة المرشد الجديد على أداء الدور الذي كان يضطلع به والده، بدأت مراكز القوة تتحرك وفق حساباتها الخاصة. وبحسب المصدر الإيراني، يسعى الحرس الثوري، المدرج على قائمة الإرهاب الأميركية، إلى توسيع نفوذه في الملفات الأمنية والعسكرية، فيما يحاول البرلمان الحفاظ على موقعه في معادلة الحكم. وترى الحكومة في التفاوض مع الغرب وسيلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، بينما تلجأ المؤسسة القضائية والأجهزة الأمنية إلى الاعتقالات والإعدامات لتأكيد دورها في حماية النظام.
وتقول مصادر مطلعة لـ”الحرة” إن الأزمة تجاوزت الخلافات التقليدية بين المحافظين وسائر التيارات السياسية، وأصبحت تدور حول من يملك القرار داخل النظام. ففي عهد علي خامنئي، كان المرشد يفصل بين الحرس الثوري والحكومة والبرلمان والقضاء. أما اليوم، فلا يملك أحد القدرة نفسها على فرض التسويات، ولا تستطيع أي مؤسسة الانفراد بالقرار من دون أن تخاطر بتفجير صراع داخلي.
لكن المصادر تحذر من اختزال الخلاف في مواجهة بين إصلاحيين ومحافظين، أو بين دعاة الحرب وأنصار السلام. فمؤسسات النظام ما زالت متفقة على ثوابته الأساسية، وهي إحكام القبضة الأمنية في الداخل، والحفاظ على النفوذ الإقليمي، وضمان موقع الحرس الثوري بوصفه أحد أعمدة الجمهورية الإسلامية.
ويتركز الخلاف على كيفية إدارة هذه السياسات، ومن يتحمل كلفتها السياسية والاقتصادية، ومن يملك الكلمة الأخيرة فيها.
وفي هذا السياق، لم تنجح محاولات تقديم مجتبى خامنئي بوصفه امتداداً طبيعياً لوالده في تحويله إلى موضع إجماع داخل النظام. وتوحي التسريبات والخطابات الصادرة عن مؤسسات إيرانية بأن اسمه أصبح جزءا من الصراع على السلطة، لا حلا له.
في المقابل، تقدم مصادر مقربة من دوائر الحكم رواية مختلفة. وتقول لـ”الحرة” إن مجتبى خامنئي اضطلع خلال الأشهر الماضية بدور في احتواء الخلافات بين بعض مراكز القرار، ولا سيما بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة، وسعى إلى منع تحول التباينات السياسية إلى مواجهة مفتوحة بين مؤسسات الدولة.
وبحسب هذه المصادر، لا يدور الصراع حول شرعية النظام، بل حول كيفية إدارة المرحلة الحالية، وحدود التنازلات الممكنة في التفاوض، وطريقة التعامل مع الضغوط الخارجية.
لكن باحثين في الشأن الإيراني يحذرون من المبالغة في تقدير نفوذ مجتبى خامنئي، مشيرين إلى أن القرار لا يزال موزعا بين مكتب المرشد والمجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري والرئاسة والبرلمان.
ولا تنفي المصادر القريبة من النظام وجود خلافات داخلية، ولا سيما بشأن التعامل مع الولايات المتحدة، ومستقبل المفاوضات، وحدود التصعيد العسكري. لكنها ترى أن الخلاف يدور حول الوسائل التي تضمن بقاء الجمهورية الإسلامية، لا حول طبيعة النظام نفسه.
وقال الباحث في الشأن الإيراني نزار جاف لـ”الحرة” إن التباين الحالي لا يعكس انقساما بين تيارين متناقضين، بقدر ما يكشف اختلافا بين المؤسسات حول الوسيلة الأنسب لحماية النظام في مرحلة استثنائية. فالحكومة ووزارة الخارجية وبعض أعضاء البرلمان يرون في التفاوض أداة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، بينما يخشى الحرس الثوري أن يفتح أي تنازل الباب أمام مطالب أميركية تمس ركائز النظام، وخصوصا البرنامج النووي والقدرات الصاروخية.
ويظهر هذا التباين بوضوح في الجدل حول شعار “الانتقام” لمقتل خامنئي. فقد تساءلت صحيفة «هم ميهن» عما يعنيه الشعار عمليا: هل يتطلب وقف المفاوضات، أم استهداف شخصيات أميركية وإسرائيلية، أم الانسحاب من تفاهمات سابقة، أم الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة؟
وتقول مصادر معارضة لـ”الحرة” إن أهمية هذه الأسئلة تكمن في صدورها عن وسيلة إعلام إيرانية، بما يعكس غياب رؤية موحدة داخل مؤسسات الدولة بشأن كيفية التعامل مع المرحلة الجديدة.
وظهرت التناقضات أيضا داخل البرلمان، الذي استأنف جلساته بعد فترة تعطيل فرضتها الحرب الأخيرة. كما عُدلت آليات العمل في حالات الطوارئ، بما يسمح بعقد الجلسات في أماكن آمنة أو عبر وسائل افتراضية.
ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات لا تعكس استعدادا تقنيا فحسب، بل إقرارا بأن الحرب طالت مؤسسات الدولة نفسها ودفعتها إلى اعتماد ترتيبات استثنائية لإدارة الحكم.
كما أظهرت انتخابات اللجان البرلمانية محاولة لإعادة رسم موازين القوى داخل المعسكر المحافظ، مع تراجع نفوذ جبهة “بايداري” المتشددة في لجنتي الأمن القومي والطاقة، وصعود الكتلة القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف. واعتُبر استبعاد شخصيات مثل محمود نبويان وإبراهيم رضائي مؤشرا إلى صراع داخلي حول إدارة المرحلة المقبلة.
ويشغل قاليباف موقعا خاصا في هذا المشهد. فهو من أبرز المسؤولين القادمين من صفوف الحرس الثوري، لكنه يتبنى مقاربة أكثر براغماتية تجاه الأزمة. ووفق مصادر سياسية تحدثت إلى “الحرة”، يرى قاليباف أن استمرار المواجهة المفتوحة بعد غياب علي خامنئي قد يدفع النظام إلى أزمة يصعب على مؤسساته احتواؤها.
لذلك، لا يُنظر إلى دفاع قاليباف عن إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة بوصفه تحولا سياسيا، بل محاولة لتجنيب الدولة تداعيات صراع داخلي قد يهدد تماسكها.
وقال جاف لـ”الحرة” إن التفاوض أصبح أبرز ملفات الخلاف داخل النظام. فالحرس الثوري لا يعارضه من حيث المبدأ، لكنه يرفض أن يقود إلى تنازلات استراتيجية تمس عناصر القوة التي يعدها ضمانة لبقاء الجمهورية الإسلامية.
غير أن هذا الموقف لا يحظى بإجماع داخل التيار المحافظ. فقد اتهم النائب كامران غضنفري الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان قاليباف، إلى جانب مؤيدي مسار التفاوض، بمحاولة تنفيذ “انقلاب” داخل النظام.
لكن الرد جاء من داخل المعسكر المحافظ نفسه. فقد هاجمت صحيفة “جوان” المقربة من الحرس الثوري تصريحات النائب المتشدد كامران غضنفري، ووصفتها بأنها غير منطقية، معتبرة أن الاتهامات المتبادلة بلغت مستوى غير مسبوق داخل النظام.
ويكشف هذا السجال تحولا لافتا في الخطاب السياسي الإيراني. فمفردة “الخيانة”، التي استُخدمت طويلا ضد خصوم النظام، بدأت تُستخدم داخل مؤسسات الحكم نفسها.
وازدادت حساسية الخلاف بعد تصريحات محمد جعفر قائم بناه، معاون الرئيس بزشكيان، الذي تساءل عن العلاقة بين المؤسسات وموقع الولي الفقيه. وقال إنه إذا كانت قرارات المرشد تُنفذ حرفياً ومن دون نقاش، فما الحاجة إلى مؤسسات مثل المجلس الأعلى للأمن القومي أو البرلمان أو الحكومة؟
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى “الحرة”، كان من الصعب طرح سؤال كهذا في عهد علي خامنئي، حين كانت سلطة المرشد تُعامل بوصفها أمرا غير قابل للنقاش. أما اليوم، فإن مجرد طرحه يكشف تغيرا في طريقة التعامل مع موقع الولي الفقيه نفسه.
ودفع ذلك ممثل المرشد في مشهد، أحمد علم الهدى، إلى مهاجمة التصريحات واعتبارها مساسا بمكانة ولاية الفقيه.
وامتد القلق إلى المؤسسة العسكرية. فقد وجه ممثل الولي الفقيه في الحرس الثوري، عبد الله حاجي صادقي، رسالة إلى قيادات الحرس والباسيج دعاهم فيها إلى عدم اتهام المسؤولين بالخيانة بسبب التفاوض، أو التشكيك في اتفاقات حصلت على موافقة القيادة.
ويرى مراقبون أن الرسالة هدفت إلى منع انتقال الخلاف السياسي إلى داخل المؤسسة العسكرية التي يعتمد عليها النظام في الحفاظ على تماسكه.
ولم تبقَ الخلافات محصورة في المؤسسات السياسية والأمنية، بل امتدت إلى الإعلام الرسمي، الذي أصبح طرفا في الصراع على صياغة رواية الدولة.
وتصاعد التوتر بين حكومة مسعود بزشكيان وهيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية بعد سلسلة من الوقائع أظهرت أن الخلاف لم يعد يدور حول أسلوب التغطية وحده، بل حول الجهة التي تملك حق تحديد خطاب الدولة.
فقد أعلن مجلس إعلام الحكومة أن حذف أجزاء من كلمة للرئيس تناولت موافقة القيادة السابقة على بدء المفاوضات لم يكن حادثة منفردة، مشيرا إلى حذف أجزاء من مقابلات مع رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية أيضا.
وبحسب موقع “انتخاب”، شهد اجتماع للحكومة مواجهة بين بزشكيان ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، بيمان جبلي، بعدما اعترض الأخير على عرض تقرير وزاري بشأن مسار المفاوضات.
وامتد الخلاف إلى محيط الرئيس نفسه. فقد تساءل يوسف بزشكيان، نجله ومستشاره، عن الجهة التي تقرر أي أجزاء من تصريحات رؤساء السلطات الثلاث تُبث وأيها تُحذف.
ووصل الجدل أيضا إلى السياسة الخارجية، إذ قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن المفاوضات لم تكن قرارا فرديا، بل قرارا جماعيا اتخذته مؤسسات الدولة، مضيفا أن إنهاء الحرب بدوره لا يمكن أن يكون قرار شخص واحد.
وأثارت تصريحات عراقجي انتقادات من وسائل إعلام قريبة من التيار المتشدد، اتهمته بالإضرار بالوحدة الوطنية، فيما دافع هو عن استمرار التفاوض باعتباره أقل كلفة من الحرب.
ورغم دعوة مجتبى خامنئي إلى وحدة الصف والثقة بمؤسسات الدولة، أظهر استمرار الخلافات السياسية والإعلامية أن الأزمة أعمق من أن تُحتوى بالدعوات إلى الانضباط.
وترى مصادر مطلعة تحدثت إلى “الحرة” أن النظام يواجه مسارين محتملين: أن يحاول الحرس الثوري فرض وحدة مؤقتة عبر تشديد القبضة الأمنية ومنع اتساع الخلافات، أو أن يستمر الصراع الداخلي مع تصاعد الاتهامات والتسريبات وانتقال الخلافات من الغرف المغلقة إلى العلن.
في المحصلة، لا تبدو إيران أمام انتقال سلس للسلطة، بل أمام إعادة ترتيب لمراكز القوة داخل النظام. فمجتبى خامنئي لم يرسخ بعد موقعه مرجعيةً تحظى بإجماع النخبة الحاكمة، فيما لا يستطيع الحرس الثوري، على اتساع نفوذه، إدارة الدولة منفردا من دون إثارة مخاوف المؤسسات الأخرى.