في واشنطن، السياسة الخارجية تولد في الداخل.
من الكنائس، ومن المنابر الانتخابية، ومن غرف المعيشة.
لفهم قرارات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، عليك أن تُصغي لما يُقال هناك، لا لما يُعلن في المؤتمرات الصحافية فقط.
ضيف “The Diplomat” هو آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق في ملف السلام الفلسطيني-الإسرائيلي، المستشار لست إدارات جمهورية وديمقراطية، شارك في كواليس قمم رئاسية مثل “كامب ديفيد” وفي ملفات غزة وإيران.
اليوم، يتحدث بصراحة عن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وعن الحرب في غزة، والخطوط الحمراء التي لا يجرؤ أي رئيس أميركي على الاقتراب منها مع إسرائيل، وفق تعبيره.
هذا نص الحوار:
– لنبدأ من ترامب، نتنياهو، والإنجيليين. من يقود العلاقة الآن؟
– بعد ثمانية أشهر فقط من ولايته الثانية، يواجه ترامب رئيس الوزراء الأطول بقاءً في تاريخ إسرائيل وأكثرهم شراسة سياسية. وهو رجل لديه فرصة حقيقية إذا جرت الانتخابات في إسرائيل مطلع 2026 أن يُعاد انتخابه.
دونالد ترامب، في المقابل، لديه غرائز استراتيجية، لكنه لا يفكر من حيث التنفيذ الاستراتيجي على المدى الطويل. يتأثر جدًا باللحظة، بالسياسة الداخلية، بمصالحه المالية، بأنانيته، بغروره، وبأهوائه وأمزجته. هذه العوامل كلها ما زالت تدفع الكثير مما رأيناه خلال الأشهر الستة الماضية.
العلاقة بين ترامب ونتنياهو علاقة مصلحية، قائمة على مصالح مشتركة أحيانًا. لكن هناك توتر، وكان هناك توتر من قبل. عملت في كل الإدارات منذ جيمي كارتر وحتى بوش الابن، ولم أرَ أي رئيس أميركي، جمهوري أو ديمقراطي، يتخذ خطوات لتهميش أو تقييد إسرائيل كما فعل ترامب.
– قلت إنه همّش إسرائيل. كيف؟
– على سبيل المثال، في مارس، طلب من مفاوض الرهائن الأميركي، آدم بولر، فتح حوار مع “حماس”، وهي منظمة مصنفة “إرهابية” وفق القانون الأميركي. الإسرائيليون علموا بذلك بعد حدوثه.
عقد صفقة مع الحوثيين تنص على أنهم طالما لا يستهدفون السفن البحرية الأميركية، فإن هجماتهم على إسرائيل ليست شرطًا لوقف التفاهم.
رفع عقوبات عن حكومة أحمد الشرع، رغم اعتراض نتنياهو. بدأ مفاوضات مع إيران وأعلن عنها بحضور نتنياهو في أبريل، رغم أن نتنياهو حثه على عدم القيام بذلك.
وأفرج عن إيدان ألكسندر في صفقة مرّت عبر وسيط أميركي – فلسطيني، هو بشارة بحبح الذي كان يتعامل مباشرة مع قيادة “حماس” الموجودة في الدوحة، وهو أمر عرفه الإسرائيليون بعد حصوله.
لم أرَ رئيساً أميركياً يقلّص المسافة مع إسرائيل كما فعل ترامب. ومع ذلك، ظل نتنياهو بعيداً عن الخطوط الحمراء الثلاثة التي قد تدفع ترامب إلى ممارسة ضغط حقيقي عليه.
– وما هي هذه الخطوط الثلاثة؟
– الأول: أن يقتنع ترامب، حتى لو ظن ذلك سرًا، أن نتنياهو يخدعه.
– الثانية: أن يرى أن نتنياهو أظهره ضعيفًا. بل بالعكس، يمكن القول إن ضربات إسرائيل على إيران، والتي استمرت 12 يومًا، فتحت الباب أمام ترامب ليبدو قويًا. ترامب فعل ما لم يفعله أي رئيس أميركي: ضرب إيران مباشرة من دون إشعال حرب إقليمية، وبلا تكلفة تقريبًا، باستثناء بعض الانتقادات من قاعدته “الماغا” التي تريده أن يبقى بعيدًا عن الحروب.
– الثالث، أن يرى ترامب في نتنياهو عقبة أمام هدف يريده بشدة، كاتفاق تطبيع إسرائيلي سعودي أو جائزة نوبل للسلام. لكننا الآن بعيدون جداً عن هذا السيناريو.
اليوم، هناك تنسيق وثيق بينهما. أعلنت الإدارة خطة مساعدات جديدة لغزة، بقيمة 30 مليون دولار، طلب ترامب من الإسرائيليين تمويلها. ولا أظنه توصل بعد إلى قناعة بضرورة الضغط على نتنياهو لإنهاء الحرب في غزة. إنها علاقة مصلحية، بلا ثقة متبادلة أو مودة شخصية حقيقية.
– لكن ترامب منح نتنياهو القدس والجولان. هل الخلاف اليوم صدع استراتيجي أم مجرد “ترامب كعادته”؟
– الرؤساء الأميركيون، في تجربتي، لا يحبون الصدام مع رؤساء وزراء إسرائيل عمدًا. حتى مع لحظات التوتر، لم يكن هناك رئيس يسعى لذلك.
في عهد رونالد ريغان، علّقت واشنطن ثلاث شحنات أسلحة متطورة كانت متجهة إلى إسرائيل. وفي عهد بوش الأب، رفض وزير خارجيته جيمس بيكر منح إسرائيل ضمانات قروض إسكانية بقيمة 10 مليارات دولار. لكن الرئيس الأميركي الوحيد الذي لوّح بعقوبات مباشرة كان دوايت أيزنهاور عام 1956، حين طالب بن غوريون بالانسحاب من سيناء خلال العدوان الثلاثي، مهدداً بفرض عقوبات اقتصادية. منذ ذلك الحين، لم يجرؤ أي رئيس على تكرار ذلك.
– لماذا لا ينتقد الرؤساء الأميركيون إسرائيل علنًا؟
– هناك ثلاثة أسباب رئيسية:
الأول سياسي. مواجهة إسرائيل تضر انتخابيًا، باستثناء ربما جيمي كارتر. الإنجيليون الأميركيون يلعبون دورًا كبيرًا، كما فعلوا في الضغط على ترامب للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة. بل عُيّن لأول مرة في التاريخ سفير أميركي لإسرائيل من خلفية إنجيلية صريحة، مايك هاكابي.
الثاني عاطفي. بعض الرؤساء لديهم ارتباط شخصي عميق بإسرائيل. رأيت بنفسي حزن بيل كلينتون العميق بعد اغتيال إسحاق رابين، وكتب لاحقًا أنه أحب رابين كما لم يحب أي رجل آخر.
رونالد ريغان أيضًا كان لديه التزام راسخ تجاه إسرائيل. وجزء من سبب امتناع بايدن عن الضغط على إسرائيل بعد 7 أكتوبر 2023 هو هذا الارتباط الشخصي.
الثالث هو الإيمان بأن التعاون مع إسرائيل يحقق نجاحات. ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد توصلا إلى اتفاقيات فك الاشتباك بعد حرب أكتوبر. جيمي كارتر جمع أنور السادات ومناحيم بيغن في كامب ديفيد. جيمس بيكر عمل مع إسحاق شامير رغم الخلافات. بالنسبة لكثير من الرؤساء، كانت إسرائيل شريكاً لتحقيق اختراق دبلوماسي، لا عبئاً يستحق المواجهة.
كيف ينعكس هذا على صورة واشنطن في الشرق الأوسط؟
– منذ 7 أكتوبر 2023، شاهدت إدارتين أميركيتين تتبنيان وتدعمان ما يفعله بنيامين نتنياهو في غزة بلا أي كلفة أو عواقب. لم تفرض أي دولة عربية عقوبة، ولم تمارس ضغطاً على واشنطن أو تل أبيب. مصر والأردن، وهما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان وقعتا معاهدات سلام مع إسرائيل، لم تفعلا شيئاً. دول اتفاقات أبراهام لم تتحرك. حتى السعودية، والإمارات، والمغرب ظلوا بلا فعل يذكر.
هذا مذهل بالنسبة لي. في الماضي حاولنا إقناع حافظ الأسد بفتح قنوات مع إسرائيل، ورفض. أما اليوم، فحتى بعد انتهاكات إسرائيل المتكررة للسيادة السورية، تجري لقاءات برعاية أميركية بين ممثلين إسرائيليين وحكومة أحمد الشرع. السبب بسيط: الأنظمة العربية، حتى الاستبدادية منها، تتحرك وفق مصالحها الوطنية، لا وفق شعاراتها.
– إلى الإنجيليين مجددًا. هل نفوذهم يتراجع؟
– كل استطلاعات الرأي، حتى إذا استبعدنا الإنجيليين، تكشف حقيقتين واضحتين. الأولى، تراجع ملحوظ في الصورة الإيجابية لإسرائيل، رغم بقاء النسبة الإجمالية للدعم فوق 50%. الثانية، انقسام حزبي حاد: الجمهوريون، رغم وجود أصوات يمينية متطرفة تنتقد، يظلون في معظمهم حزب “إسرائيل لا تخطئ”، بينما الديمقراطيون منقسمون بعمق.
تصويت مجلس الشيوخ الأخير على المساعدات العسكرية لإسرائيل انتهى بـ 70 صوتاً مقابل 27، وجاءت معظم الأصوات المعارضة من الديمقراطيين. سبعة وعشرون سناتوراً ديمقراطياً حاولوا تمرير تشريع يربط تسليم قنابل تزن ألف رطل ومعدات أخرى بكيفية تعامل إسرائيل مع الوضع الإنساني في غزة.
هناك بلا شك بعد جيلي: القاعدة الصلبة لدعم إسرائيل في الولايات المتحدة تظهر علامات تصدع. لكن هل يعني هذا أننا على مسار حتمي لتغيير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل؟ لست مستعداً للجزم بذلك، لأنني لم أرَ بعد ترجمة حقيقية لهذا المزاج الشعبي في السياسة الفعلية.
– لقد شهدت أسوأ لحظات الدبلوماسية الأميركية-الإسرائيلية. هل توقعت أن نسمع أصواتًا يمينية في الإعلام تنتقد إسرائيل بهذا الشكل؟
– هناك بالتأكيد تزايد في وتيرة وانتشار انتقاد إسرائيل من كلا الحزبين. السؤال هو: هل هذا مجرد عنوان لحظي، أم مؤشر على مسار طويل الأمد؟
– ما الفرق بينهما؟
– العنوان يعكس اللحظة، الاتجاه يعكس المستقبل.
– من تجربتك الطويلة، هل تخيلت أن دولة أوروبية مثل هولندا ستصف إسرائيل بأنها تهديد للأمن القومي؟
– لا، لم أتخيل. لكن السؤال نفسه يُطرح مرة أخرى: هل ما نراه الآن هو لحظة عابرة، أم شكل المستقبل؟ لا أحد يمكنه الإجابة بيقين.
لفهم ما إذا كان هذا تغيرًا عابرًا أو تحولاً طويل الأمد، نذكر: سلوفينيا والسويد تحظران تصدير السلاح، بريطانيا وفرنسا وكندا تتجه نحو الاعتراف بفلسطين. هل هذا موجة سياسية لاسترضاء الرأي العام أم بداية انعطافة دولية؟
منذ 7 أكتوبر، كان رد المجتمع الدولي منقسمًا، مصلحيًا، مشتتًا، وعاجزًا في الغالب. لم تُفرض أي كلفة حقيقية تغيّر سياسة الولايات المتحدة أو إسرائيل.
الشرق الأوسط مليء بحطام القوى الكبرى التي ظنت أنها تستطيع فرض إرادتها على دول أصغر. هذه ليست “أرض الفرص” لأميركا، بل أرض المصالح. لدينا أعداء ولدينا حلفاء.
إذا سألتني عن المصالح الحيوية الثلاثة للولايات المتحدة في المنطقة، فهي: أولاً، سياسة مكافحة الإرهاب لحماية الوطن والمصالح الأميركية. ثانيًا، ضمان التدفق الحر للنفط، حتى لو لم نحتجه نحن، لأن العالم يحتاجه، وأمن الطاقة يؤثر على اقتصادنا بشكل غير مباشر. وثالثًا، منع ظهور قوة إقليمية مسيطرة تمتلك سلاحًا نوويًا.
– تقصد إيران؟
نعم. أي شيء آخر مهم، لكنه ليس “ضرورة وجودية” مثل هذه الثلاثة. أمضيت معظم حياتي أحاول الدفع نحو سلام عربي-إسرائيلي، وأتمنى أن يتحقق، لكن في سلم الأولويات الأميركية، هو في خانة “من الجيد أن يحدث”، وليس “يجب أن يحدث”.
– إيران اليوم… تصعيد محسوب أم فوضى مدروسة؟
– حتى الخبراء الإيرانيون الذين أعرفهم يقولون إنهم أحيانًا لا يعرفون. الهدف الأول لإيران هو بقاء النظام. لا أعرف إن كانت الضربات الإسرائيلية والساعات القليلة من الضربات الأميركية جعلتهم أكثر اقتناعًا بالحاجة لسلاح نووي، أو دفعتهم للتريث واتباع استراتيجية أطول أمدًا: إعادة بناء وكلائهم، الحفاظ على العلاقات مع الصين وروسيا، وتطوير برنامجهم النووي تدريجيًا.
هناك احتمال ثالث، رغم أنني أراه ضعيفًا، وهو سعي إيران لاتفاق “تبادلي” مع الولايات المتحدة، يخفف العقوبات مقابل العودة لمفاوضات تنتج نسخة جديدة من الاتفاق النووي لعام 2015. لكن لا أعرف أين يقف الإيرانيون حاليًا.
– لنربط بين إيران، ودول الخليج، والصين وروسيا. الخليج يشتري من الصين، يبيع لروسيا، ويحافظ على قنوات مع إيران. هل النفوذ الأميركي يتراجع؟
– السعودية تتبع ما أسميه سياسة “360 درجة”: علاقات مفتوحة مع الجميع، من الصين إلى روسيا. الأمير محمد بن سلمان يسعى إلى علاقة وثيقة مع واشنطن، لكن ليس على طريقة “الزواج الكاثوليكي” الذي يصعب الخروج منه. يريد شراكة أمنية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يوسّع مصالحه الاقتصادية مع قوى أخرى.
هو يريد ضمانات دفاعية، ودعمًا لبرنامجه النووي المدني، وهذا ما كانت تعمل عليه إدارة ترامب في اتفاق يحتاج مصادقة مجلس الشيوخ، ويلزم الولايات المتحدة بالدفاع عن السعودية. باقي دول الخليج، بدرجات متفاوتة، تفضل واشنطن كشريك أمني، لكن تبقي خياراتها الاقتصادية والسياسية مفتوحة، خصوصًا في ظل أهمية النفط في علاقتها مع روسيا والصين.
– كلمة أخيرة… ما المصطلح الذي يجب أن تتوقف واشنطن عن استخدامه؟
لم أؤمن يوماً بشعار “أميركا أولاً”، لأنه يقود، في أغلب الأحيان، إلى “أميركا وحدها”. وهذا يضعف نفوذنا، ويجعلنا نتجاهل احتياجات ومصالح شركائنا، كما رأيت بوضوح في سياسات ترامب تجاه المنطقة.

جو الخولي
جو الخولي صحافي مختص في الشؤون الدولية، يتمتع بخبرة ميدانية تمتد لأكثر من عقدين بين واشنطن العاصمة والشرق الأوسط. وهو خريج جامعة جورجتاون وشارك في برنامج الزمالة الصحافية لشبكة CNN. تتركز أعماله على السياسة الخارجية الأميركية، والسياسة في العالم العربي، والدبلوماسية. بفضل معرفته بالمنطقة وأسلوبه الواضح، يقدّم تغطية تجعل القضايا العالمية المعقدة سهلة الفهم وقريبة من الناس.

