كانت بغداد أول عاصمة يزورها علي لاريجاني، بعد أسبوع واحد على تعيينه أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
تمخضت الزيارة التي جرت في أغسطس عن اتفاق أمني، أثار كثيرا من الجدل داخل العراق وخارجه.
“الاتفاق مقلق بطبيعته، ومدى القلق يعتمد مرة أخرى على نصه وكيفية استغلال إيران لبنوده،” يقول جيمس جيفري الزميل في معهد واشنطن، السفير الأميركي السابق في العراق في حديث مع “الحرة”.
فما هي بنود الاتفاق؟
وفقاً لبيانات حكومية، وقعت بغداد وطهران مذكرة تفاهم تهدف لتطوير اتفاق الأمني سابق بين الطرفين يعود إلى العام 2023، ويركز على “التنسيق الأمني للحدود المشتركة بين البلدين”.
وقال المتحدث الرسمي باسم الحكومة العراقية، باسم العوادي أن المذكرة تركز على عدة محاور: “تعزيز التعاون الأمني الحدودي المشترك” و”التعاون الاستخباري” و”منع حالات التسلل المتقابل”.
وقع المذكرة، بحضور رئيس الوزراء العراق محمد شياع السوداني، مستشار الأمني الأمن القومي قاسم الأعرجي، ومن الجانب الإيراني علي لاريجاني.
في واشنطن، يقول جيفري، يُنظر إلى أي اتفاق بين العراق وإيران على أنه سيكون منحازا لصالح إيران وأجندتها الإقليمية، على حساب العراقيين والمنطقة والولايات المتحدة”.
ويشير الباحث في المجلس الأطلسي، توم واريك إلى أن العراقيين وصفوا الاتفاق بأنه يهدف لحماية الحدود، مع ذلك تخشى واشنطن أن يذهب الاتفاق إلى أبعد من ذلك، وأن يمنح إيران ذريعة للتدخل في شؤون العراق الأمنية.
“الاتفاق أثار مخاوف في واشنطن تتعلق باحتمال قيام بغداد بمساعدة طهران على الإفلات من العقوبات بعد أن تضررت قدراتها النووية بشدة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل،” يضيف واريك لـ”الحرة؟.
لم يخل توقيت توقيع الاتفاق من مؤشرات.
وصل المسؤول الايراني البارز إلى بغداد وسط انقسامات عميقة وجدل حاد داخل البرلمان العراقي حول “مشروع قانون الحشد الشعبي” الذي يثير قلق البيت الأبيض.
تخشى واشنطن أن يضفي مشروع القانون حال إقراره شرعية على وجود الحشد الشعبي كـ”دولة داخل الدولة” العراقية من خلال منح الميليشيات مزيدا من الاستقلالية المالية والإدارية.
وفي ردها على سؤال بشأن توقيع الاتفاق الأمني مع طهران ومحاولات تمرير قانون الحشد، أوضحت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، تامي بروس، أن واشنطن “تعارض أي تشريع يتعارض مع أهداف مساعداتنا الأمنية الثنائية وشراكتنا، ويتناقض مع جهود تعزيز المؤسسات الأمنية القائمة في العراق”.
وصرحت بروس بأن الولايات المتحدة “تدعم السيادة العراقية الحقيقية، لا التشريعات التي من شأنها تحويل العراق إلى دولة تابعة لإيران”.
ويحذر السفير جيمس جيفري من أن “مثل هذه الاتفاقيات ليست مجرد ترتيبات تقنية لعبور الحدود، بل، بالنظر إلى اتفاقيات حدودية إيرانية سابقة، قد تتضمن منح إيران سيطرة فعلية على الحدود العراقية-الإيرانية، ما يسمح لها بإدخال أي شيء تريده، بما في ذلك الأسلحة”.
وحول انعكاس مشروع قانون الحشد وزيارة لاريجاني على العلاقة بين بغداد وواشنطن، يشير المحلل العراقي زياد العرار “من الواضح جدا أن هناك توترا في العلاقة بين بغداد وواشنطن لدرجة أصبحت هناك رسائل خطية تحدث عنها وزراء سابقون وقيادات في الدولة العراقية وجهت من واشنطن إلى بغداد، وخاصة ما يتعلق بمحاولات تمرير قانون الحشد الشعبي”.
“الاتفاق الجديد مع إيران، سيكون نقطة أخرى في ملف التوتر بين بغداد وواشنطن” يضيف العرار لـ”الحرة”.
و”تعقيبا على ما ورد في تصريحات المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية خلال مؤتمرها الصحافي الأخير،” قالت السفارة العراقية في واشنطن إن العراق “دولة ذات سيادة كاملة” وله الحق في إبرام اتفاقات ومذكرات تفاهم وفقا لدستوره وقوانينه، وفقا لما نشرته السفارة على منصة أكس.
وأضافت أن العراق “ليس تابعاً لسياسة أي دولة” وأن الاتفاق الأمني يأتي “في إطار التعاون الثنائي لحفظ الأمن وضبط الحدود”.
من جانبها، وصفت السفارة الإيرانية في بغداد ردود الفعل الأميركية بأنها “تدخل غير مقبول في علاقات دولتين مستقلتين متجاورتين”.
ولم ترد السفارة العراقية في واشنطن ولا المتحدث باسم الخارجية العراقية ومستشارون عدة لرئيس الحكومة العراقية على اتصالات متكررة من “الحرة” للحصول على تعليق.
كذلك لم ترد وزارة الخارجية الأميركية على إيميل طلب تعليق أرسلته “الحرة”.
ماذا تضمّن اتفاق 2023؟
وفقا للبيانات الحكومة، يهدف اتفاق الأعرجي – لاريجاني إلى تطوير الاتفاق الموقع في مارس 2023.
وركز اتفاق 2023 بشكل أساسي على أمن الحدود بين البلدين، مع بند جوهري ينص على قيام العراق بنزع سلاح الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة، ونقل مقارها بعيدا عن الحدود المشتركة، في إقليم كردستان العراق.
الأربعاء، أصدرت مستشارية الأمن القومي العراقية توضيحاً بشأن “مذكرة التفاهم” الأمنية، قالت فيه إن “العراق لديه محضر أمني مع إيران وقع في 2023.. عُرِف بالاتفاق الأمني المشترك الخاص بأمن الحدود والإجراءات الخاصة بتحييد المعارضة الكوردية الإيرانية المتواجدة في إقليم كردستان”.
وأضافت المستشارية في بيان أنه “جرى التنسيق لتحويل هذا المحضر الأمني لمذكرة تفاهم أمنية لنفس المحتوى الخاص بأمن الحدود والتعاون الأمني وما يخص المعارضة الإيرانية الكوردية”.
وأشار بيان المستشارية إلى أن التنسيق لتوقيع هذه المذكرة كان قد جرى قبل الحرب الأخيرة بين أسرائيل وإيران.
تطوير الاتفاق السابق؟
يبدو أن الجهود السابقة لتأمين الحدود لم تكن كافية من وجهة النظر الإيرانية، وأن تنفيذ بنود اتفاق 2023 المتعلقة بالجماعات الكردية المعارضة ربما لم يرقَ إلى مستوى توقعات طهران.
“من الواضح أن إيران تريد أن تضمن عدم قيام الأحزاب الكردية الإيرانية بأية عمليات داخل العمق الايراني، أي انها قد تكون تستعد لتأمين جبهتها مع العراق في حال اندلاع حرب جديدة مع إسرائيل،” يقول العرار.
“زيارة لاريجاني كانت على مستوى عال جدا، وأعتقد أنه حمل رسالة رسمية من طهران لما تريده أو تطلبه من بغداد في ظل استعداد إيران لمواجهة الحرب” يضيف.
يضع الاتفاق الحكومة العراقية في موقف معقد بعض الشيء.
تسعى بغداد لتحقيق توازن بين تأكيد سيادتها الوطنية، واستيعاب المطالب الأمنية لجارتها إيران، والتعامل مع الضغوط الأميركية.
وبلغت حدة التوتر ذروتها بين العراق والولايات المتحدة في يوليو الماضي، عندما أصدر وزير الخارجية الاميركي ماركو روبيو بيانا أعقب اتصالا هاتفيا مع السوداني.
روبيو تحدث في البيان، آنذاك، عن مشروع قانون الحشد الشعبي. وكانت تلك من المرات القليلة جدا التي يتم الكشف فيها عن حديث بين مسؤولين عراقيين وأميركيين بشأن قضايا تخص مجلس النواب.
جاء في بيان وزارة الخارجية الأميركية ما نصه أن “الوزير كرر المخاوف الأميركية الجادة بشأن مشروع قانون هيئة الحشد الشعبي المعروض حاليا على مجلس النواب، وأكد أن أي تشريع من هذا القبيل من شأنه أن يكرس النفوذ الإيراني والجماعات الإرهابية المسلحة، مما يقوض سيادة العراق”.
توقيت تصريحات روبيو لم يكن عرضياً. فمشروع قانون جديد للحشد الشعبي يُناقش حالياً في البرلمان العراقي، وهو ما دفع واشنطن إلى دق ناقوس الخطر خشية أن يؤدي مشروع القانون إلى “شرعنة” وضع هذه الجماعات المسلحة وتحويلها إلى مؤسسة موازية للقوات النظامية، على غرار الحرس الثوري الإيراني.
بعد ساعات قليلة فقط من توقيع الاتفاق بين لاريجاني والأعرجي، وجه النائب الجمهوري جو ويلسون على حسابه في منصة “أكس” انتقادات لاذعة للمسؤولين العراقيين.
كتب ويلسون أن “مستشار الأمن القومي العراقي يلتقي رئيسه، مستشار الأمن القومي الإيراني، بينما تعمل الحكومة العراقية على تمرير قانون يمنح الميليشيات الإيرانية السيطرة الكاملة على البلاد”.
وأضاف “لن يسمح الرئيس ترامب والكونغرس الجمهوري باستمرار هذه الخدعة لفترة أطول”.
يقول جيمس جيفري إن “واشنطن زادت بالفعل من ضغطها، بما في ذلك سحب الإعفاء الذي كان يُمنح للعراق لدفع ثمن الغاز والكهرباء المستوردين من إيران. وتركز حاليًا على منع تمرير قانون الحشد الشعبي المقترح”.
ويضيف أن “الأهم من ذلك، إذا تضمنت الاتفاقية بنودًا تمنح إيران الاطلاع على أو حتى السيطرة على تحركات القوات أو المعدات العسكرية الأميركية داخل العراق أو خارجه، أو منحت إيران الحق في إدخال أشخاص أو مواد من دون إشراف عراقي أو إشراف غير مباشر من الولايات المتحدة، فسيكون ذلك مشكلة كبيرة”.
ويرى واريك أن “العراق سيحتاج إلى إقناع إدارة البيت الأبيض بأنه لا توجد بنود سرية في الاتفاق الجديد مع إيران من شأنها أن تقوّض السيادة العراقية، وإن هذا الاتفاق لن يجعل من الصعب على الولايات المتحدة والعراق العمل معا، سواء في المجالات الأمنية أو التجارية مستقبلا”.

غسان تقي
صحفي متخصص في الشؤون العراقية، يعمل في مؤسسة الشرق الأوسط للإرسال MBN منذ عام 2015. عمل سنوات مع إذاعة "أوروبا الحرة" ومؤسسات إعلامية عراقية وعربية.


