منذ أكثر من عقد، شرعت دول الخليج في مسار معقد لإعادة تشكيل أسواق العمل، عبر تقليص الاعتماد على العمالة الوافدة وتعزيز حضور المواطنين في الوظائف.
أطلقت الرياض وأبوظبي ومسقط والمنامة برامج متعددة مثل: “السعودة” و”التعمين” و”نافِس”، حملت وعودا بمكافحة البطالة، وتخفيف الأعباء على الموازنات العامة، وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة الاقتصادية.
ورغم تحقيق تقدم ملحوظ في نسب التوظيف بين المواطنين، تكشف لغة الأرقام أن التقدم لا يزال محدودا.
لا تزال العمالة الأجنبية تمثل أكثر من %80 من القوى العاملة في الخليج.
ما معن ذلك؟
هل نجحت هذه السياسات في إحداث تحول هيكلي حقيقي يعيد التوازن لسوق العمل، أم أنها مجرد استجابات ظرفية لا تمس جوهر الخلل البنيوي؟
جهود متباينة وتجارب مختلفة..
يرى المحلل الاقتصادي العُماني، د. أحمد بن سعيد كشوب، رئيس مكتب “المؤشر” للاستشارات الاقتصادية والمالية، أن برامج التوطين انطلقت في دول الخليج منذ عقدين ضمن خطط اقتصادية “تهدف إلى تقليص الاعتماد على الوافدين وزيادة مشاركة المواطنين، لا سيما في القطاع الخاص، إلا أن النتائج، بحسب قوله كانت متفاوتة تبعا لنموذج كل دولة.
في السعودية، يتابع، “ساهم برنامج ‘نطاقات’ في رفع معدلات التوظيف بين السعوديين، لكن لم يواكبه ارتفاع مماثل في الإنتاجية، خصوصا في المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حيث كان التوظيف غالبا استجابة للمتطلبات التنظيمية وليس لاعتبارات الجودة”.
وفي المقابل، اعتمد النموذج الإماراتي نهجا أكثر مرونة عبر برنامج “نافس” الذي “ركز على الحوافز والدعم بدل الفرض، ما ساعد على تحسين جودة الأداء، خاصة في القطاعات التقنية والخدمية، بفضل دعم الرواتب والتدريب”.
“النموذج الإماراتي أثبت أن التوطين يصبح أكثر فاعلية حين يُقرن بالتمكين،” يضيف.
وواجهت تجربة “التعمين” العمانية تحديات في مواءمة الكوادر الوطنية مع طبيعة ومتطلبات السوق، خاصة في الوظائف الفنية والتشغيلية. في حين ركزت البحرين على دعم التدريب المرتبط بالتوظيف عبر مؤسسة “تمكين”. وفضلت قطر والكويت نهجا تدريجيا أكثر تحفظا، ما جعل القطاع العام الخيار المفضل للمواطنين، وهو ما قلّص فاعلية التوطين في القطاع الخاص، وفقا للدكتور كشوب.
ويشير كشوب إلى أن “برامج التوطين رفعت نسبة المشاركة الوطنية، لكنها لم تؤدِ تلقائيًا إلى رفع الكفاءة أو التنافسية، باستثناء التجارب التي ارتبطت بالتدريب والدعم وتحسين بيئة العمل”.
بين الحلم والواقع
يتحدث الاقتصادي الكويتي صلاح الجيماز عن وجهين لتوطين الوظائف.
يسهم التوطين في “تطوير رأس المال البشري الوطني، ويعزز من استدامة القاعدة العمالية المحلية وزيادة الدخل القومي”.
ويساهم أيضا في إبقاء الرواتب داخل الدولة، ما يؤدي بدوره إلى “تعزيز الإنفاق الاستهلاكي، وتنشيط الأسواق، وتحسين استقرار سوق العمل، وخفض الهجرة المالية”.
من ناحية أخرى، يحذر الجيماز من “ارتفاع تكاليف الإنتاج نتيجة ارتفاع الرواتب التي يتقاضاها المواطنون مقارنة بالوافدين، بالإضافة إلى نقص الكفاءة أو الخبرة أحيانا، وصعوبة توطين بعض القطاعات مثل المقاولات أو الأعمال الشاقة”.
ويلفت النظر إلى ظاهرة “التوطين الشكلي” التي قد تلجأ إليها بعض الشركات من خلال “توظيف المواطنين دون أن يؤدوا دورا فعلية، ما يؤثر سلبا على إنتاجية السوق وفعالية التوطين”.
التوطين وتكاليف التشغيل في الخليج
ويؤكد د. أحمد كشوب، بدوره، أن برامج التوطين رفعت من تكاليف التشغيل، خصوصا في ” القطاعات ذات الهوامش الربحية المحدودة”.
ويشرح كيف أن فرض نسب توطين مرتفعة في السعودية مثّل “عبئًا على المنشآت الصغيرة والمتوسطة لاسيما في قطاعي التجزئة والضيافة، بسبب ارتفاع التكاليف المتعلقة بالأجور والتأمينات والإجازات، ما دفع بعض الشركات إلى الإغلاق أو التحايل الإداري”.
“أما في عُمان، فقد واجهت الشركات الخاصة تحديات مماثلة مع تطبيق نسب ‘التعمين’ الإلزامية، وسط ضعف المخرجات الفنية ورفض بعض المواطنين للعمل في وظائف تشغيلية”.
وفي الإمارات ساهم برنامج “نافس” في تخفيف الأعباء من خلال الدعم المالي، ما جعل توظيف المواطن خيارا أقل كلفة، رغم استمرار الحاجة لبيئة عمل أكثر مرونة وإعادة هيكلة ثقافية ومهنية”.
وتجنبت قطر والكويت “فرض نسب توطين عالية دفعة واحدة في القطاع الخاص، للحفاظ على التوازن المالي في السوق”، يتابع كشوب.
وترى كثير من الشركات في البحرين، رغم الحوافز المالية والتدريب، أن ” توظيف المواطن يأتي بتكلفة أعلى مقابل إنتاجية غير مضمونة في المراحل الأولى”.
ما الحل، إذن؟
“التوطين في بيئات اقتصادية اعتمدت لعقود على العمالة الوافدة الرخيصة يتطلب إعادة هندسة شاملة لهياكل التوظيف وسلاسل القيمة والثقافة المؤسسية،” يجيب كشوب.
بين التخطيط والاستدامة
يعتبر صلاح الجيماز أن التوطين يمثل خطوة استراتيجية كبرى ” لتعزيز الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على العمالة الوافدة ” لكنه يؤكد على ضرورة “تطبيقه بشكل تدريجي ومدروس، مع تكامله مع برامج التعليم والتدريب، ومراقبة الأداء لضمان أثره طويل الأمد على الإنتاج والكفاءة”.
وفي هذا الإطار، يشير د. أحمد كشوب “إلى أن الحوافز المالية” ساهمت في دعم توظيف المواطنين ، لكنها تطرح تساؤلات حول استدامتها.
يقول إن “هذه الحوافز ليست حلًا دائمًا، بل هي جسر مؤقت نحو سوق عمل مستقر، ويجب ربطها بالأداء لا بالجنسية، كما ينبغي إعادة تصميم نظام التوظيف الوطني وفق معايير الجدوى الاقتصادية”.
ويشدد في حديثه على أن “نجاح التوطين مرهون باعتماد مقاربة شاملة تشمل التأهيل الحقيقي للمواطن، ربط الحوافز بالأداء، والتفاعل مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية”.
و”فقط عندما يتحول المواطن إلى قيمة مضافة حقيقية، وتصبح الوظائف فرصًا إنتاجية لا شكلية، يمكن القول إن التوطين قد حقق أهدافه التنموية، وليس فقط أهدافه الرمزية،” وفق رأيه.
سكينة المشيخص
كاتبة وباحثة ومقدمة برامج سعودية


