واشنطن العاصمة 03:21 PM

حسابات معقدة.. رؤية واشنطن لاتفاق "مكة" الدفاعي

تبدو اتفاقية الدفاع المشترك منسجمة مع سياسة أميركية تريد من الشركاء تحمل عبء أكبر، لكنها قد تكون مدفوعة أيضاً برغبتهم في تقليل مخاطر الاعتماد على واشنطن.

· 3 دقيقة قراءة
ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في واشنطن في 19 نوفمبر 2025. رويترز/إيفلين هوكستين
ترامب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان في واشنطن في 19 نوفمبر 2025. رويترز/إيفلين هوكستين

بينما تواجه القوات الأميركية ضغوطاً متزايدة بسبب حرب إيران وأزمة هرمز، لا تخفي إدارة الرئيس دونالد ترامب رغبتها في تحمل حلفائها مسؤولية أكبر في الدفاع عن أمنهم.

ويبدو اتفاق الدفاع المشترك السعودي-التركي-الباكستاني منسجما مع هذه الرغبة من حيث المبدأ، لكنه يطرح احتمالا آخر قد يزعج واشنطن: أن تكون الدول الثلاث تبني قدرات إضافية لأنها باتت أقل يقيناً من استمرار الضمان الأميركي.

وسبق أن قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في حديث عن أزمة هرمز، إن “مهمة الولايات المتحدة ليست حماية الملاحة للعالم بأسره إلى الأبد”.

وتلخص العبارة توجها معلنا في سياسة إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط، تستهدف تقليص الكلفة المباشرة لحماية المصالح الأميركية، ومطالبة الشركاء بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.

وتضمنت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الأخيرة نصا صريحا بهذا المعنى، ففي القسم الخاص بالشرق الأوسط تتحدث الوثيقة عن “نقل الأعباء وبناء السلام”، مع الحفاظ على مصالح واشنطن الأساسية مثل أمن مضيق هرمز والبحر الأحمر، ومنع قوة معادية من الهيمنة على المنطقة.

ويسبق هذا التوجه الحرب الدائرة حاليا، ففي يونيو 2025 اعتبرت مساعدة وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي السابقة كاثرين تومسون أن حزمة مبيعات أسلحة أميركية للسعودية بقيمة 142 مليار دولار ستساعد على تقاسم الأعباء بشكل أكبر في المنطقة.

وينسجم هذا المبدأ بوضوح مع “اتفاق مكة” الذي تم توقيعه قبل أيام، لكن موقف الإدارة ليس بهذا الوضوح.

ومنذ توقيع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقها للدفاع المشترك، لم يخرج تصريح علني من مسؤول في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية أو البنتاغون يصفه بأنه خطوة مرحب بها بسياسة تقاسم الأعباء، أو يعتبره في المقابل تطوراً يهدد المصالح الأميركية.

ويقول المتخصص في شؤون الخليج، غريغوري غوز، إن السعودية ودول الخليج تبحث عن مرونة في علاقاتها الأمنية، عبر توسيع عدد الشركاء ومصادر الدعم، ولكن من دون التخلي عن الولايات المتحدة.

ويرى أن ذلك يتفق مع ما تطلبه واشنطن من شركائها: قدرات أكبر، وردع إقليمي أوسع، واعتماد أقل على التدخل الأميركي.

لكن غوز يشكك في القيمة العسكرية الفورية للاتفاق، لأن تعهد الدفاع المشترك لا يعني في تقديره أن تركيا أو باكستان ستدخلان تلقائيا في أي حرب تخوضها السعودية.

بينما يقول مايكل آيزنشتات، مدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن، لـ”الحرة” إن الاتفاق قد يكون “وثيقة تأمين” من أجل نظام أمني إقليمي أكثر تعددية، حتى مع استمرار واشنطن كقوة مركزية بالنسبة للأمن السعودي على المستقبل المنظور.

وتفرض الحرب الحالية أبعادا أخرى، فالمعارك المستمرة منذ نحو 6 أشهر، أثرت على انتشار القوات الأميركية وعلى بعض مخزونات الذخائر الدقيقة ووسائل اعتراض الدفاع الجوي، كما رفعت أزمة هرمز كلفة حماية الملاحة.

وتضاعف هذه الضغوط أهمية مبدأ تقاسم الأعباء، لكن ذلك لا يعني أن اتفاق مكة جاء استجابة لها، أو أن الاتفاق يحظى بترحيب أميركي بسببها. كما لا تكشف التقارير المتاحة إذا كانت واشنطن تعتبر الاتفاق وسيلة لتخفيف العبء عن قواتها.

ويرى فريدريك ويري، الزميل الأول في برنامج الشرق الأوسط لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي لـ”الحرة”، إن الاتفاق يضفي طابعاً رسمياً على تعاون كان يتوسع بالفعل، وإن قيمته الأساسية سياسية وردعية، خصوصاً تجاه إيران.

بينما يقدم كريستوفر هيل، السفير الأميركي السابق، قراءة مشككة في استمرارية الضمان الأميركي. وقال هيل لشبكة CNN إن دول الاتفاق الثلاث ما زالت تريد العمل مع الولايات المتحدة، لكنها تتحرك بمفردها لأنها لم تعد متأكدة من أن واشنطن “ستكون موجودة” في وقت الحاجة إليها.

ولا تتساوى هذه الحسابات بالنسبة لأطراف الاتفاق الثلاثة، فالسعودية تريد تقليل مخاطر الاعتماد على ضامن أمني واحد، وتركيا ترى فرصة لتوسيع نفوذها والاستفادة من نمو صناعتها الدفاعية. أما باكستان فتريد الحفاظ على شراكتها التاريخية مع الرياض من دون تجاهل علاقتها بإيران أو حساباتها في جنوب آسيا.

ويعني ذلك أن تفسير الولايات المتحدة لمبدأ تقاسم الأعباء ليس واحدا، فهناك فارق بين حلفاء يبنون قدرات إضافية داخل نظام أمني تقوده واشنطن، وحلفاء يسعون إلى خيارات بديلة لأنهم يريدون ضمانا بديلا.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة