لاحظتُ أولى علامات التغيير لدى عبوري الحدود. ففي زيارتي السابقة إلى سوريا، قبل 18 عاما، استقبلني حرس حدود عابسون يتعمدون إظهار التهديد. أما الآن، فقد حل محلهم شبان بزي عسكري أنيق، اقتربوا من سيارتنا بهدوء ولم يجروا سوى تفتيش سريع للغاية. لم يطلب أحد رشوة. ولم يشهر أحد سلاحا.
تنفست الصُعداء. عندها لاحظت مشهدا آخر، يتناقض تماما مع سوريا التي أتذكرها، لكنه بدا مألوفا جدا لعينيّ الأميركيتين. هناك، إلى جانب حديقة عشبية كبيرة ومعتنى بها جيدا، وبين شجيرتين مشذبتين بعناية، انتصبت لافتة كبيرة ومنسقة بعناية كتب عليها: “أنا ♥ سوريا”. حدقت في اللافتة الجاهزة لصور إنستغرام، التي يعرفها كل مسافر إلى أي مدينة أميركية كبيرة. وشاهدت زوارا ينتظرون دورهم لالتقاط الصور قرب هذه اللافتة المبهجة، وتساءلت إن كانوا يفكرون بما فكرت فيه أنا: هل يمكن أن تكون هذه هي الدولة نفسها التي حكمتها واحدة من أكثر الديكتاتوريات وحشية لأكثر من نصف قرن؟
أتاحت لي زيارتي التي استمرت أسبوعا إلى سوريا أن أختبر بلدا يقف عند نقطة تحول لافتة: يخرج من ظل الديكتاتور المخلوع بشار الأسد، وينفتح على العالم الخارجي بخطوات مترددة وغير متكافئة، أشبه بأسير حرب ضعيف ومصاب بصدمة نفسية وقد أُطلق سراحه حديثا.
عشت في سوريا لفترة وجيزة في ظل نظام الأسد عام 2008، ولن أنسى أبدا الخوف الذي كان يخيم على الأجواء. وكانت الصور المنتشرة في كل مكان للزعيم تعكس دولة مراقبة متكاملة الأركان. وفي مكان تحكمه سلطة مطلقة، كان الناس يحاولون تجنب التواصل المباشر بالعين، فيخفضون أنظارهم، ويندمجون مع المحيط، ويتجنبون لفت الانتباه. الآن رحل الأسد، ورحل معه أيضا الشعور بالحاجة إلى تغيير سلوك المرء. قد لا تكون سوريا مدرجة بعد ضمن قائمة الدول الحرة، لكن التغييرات التي رأيتها كانت بالفعل دراماتيكية بما يكفي. شعرت أن سوريا الأكثر حرية هي سوريا تولد من جديد.
الأمر لا يقتصر على اختفاء صور الأسد من شوارع سوريا. فلم تُستبدل بها أيضا صور الرئيس الجديد أحمد الشرع. ويبدو أن الجهادي السابق، الذي أطاحت قواته بالدكتاتور البعثي في ديسمبر 2024، يتمتع بحس قوي تجاه العلاقات العامة في العصر الحديث. هناك بوضوح مسعى لبناء هوية وطنية جديدة، لكن ليس هوية تتمحور حول زعيم آخر ذي سلطة مطلقة.
اليوم، تتزين العاصمة برسوم جدارية يدوية ترمز إلى ملامح الهوية، مثل السيف الدمشقي والوردة الدمشقية. كان من الصعب ألا أتأثر بمحاولات إعادة تشكيل المشهد. فالدهشة والفرح اللذان شعرت بهما وأنا أسير في شوارع دمشق الجديدة، الخالية من صور الطغيان، زادا من رغبتي في معرفة كيفية تفاعل السوريين مع هذه التغييرات. وبصفتي شخصا عايش انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد تعرفت على شعور النشوة الذي يسود سوريا ما بعد الأسد ورحبت به.
ومع ذلك، من المستحيل تجاهل التحديات المقبلة. فإعادة بناء سوريا بعد أربعة عشر عاما من الحرب ستكون أصعب بكثير من تحديث الصور والمظاهر العامة. في عشاء الليلة الأولى، سرعان ما تحول حديثنا إلى المشكلات: الفساد المستشري، والاقتصاد المختل، والمؤسسات الهشة، وحتى الارتباك الواسع بشأن قضايا، مثل كيفية بدء مشروع تجاري. ورغم أننا كنا نجلس في الهواء الطلق في مطعم قرب المدينة القديمة في دمشق، تحدث جميع السوريين الحاضرين بصراحة ووضوح.
لم يكن هناك تقريبا موضوع محظور. وكان شح الكهرباء مصدرا دائما للإحباط. قال رجل، سأطلق عليه اسم عمر، إن فاتورة الكهرباء الشهرية لديه تتجاوز 300 دولار، أي عدة أضعاف متوسط الراتب الشهري في سوريا. (ورغم أن دمشق كانت تحصل في المتوسط على أقل من ساعتين من الكهرباء يوميا قبل عام، فإن استعادة الكهرباء على مدار الساعة لا تزال هدفا ملحا). ويبلغ معدل البطالة الرسمي نحو 14 في المئة، رغم أن معظم الأشخاص الذين التقيتهم يعتقدون أن النسبة أعلى بكثير. وبما أن سوريا لا تزال اقتصادا قائما على النقد، فإن وطأة الضغوط المالية أكثر وضوحا.
والعلامات على ذلك ظاهرة في كل مكان. كانت أمهات برفقة أطفال صغار يتسولن على الأرصفة خارج الفندق الذي أقمت فيه. كما حثني حارس في الجامع الأموي بدمشق على الاحتفاظ بحذائي الذي خلعته معي، خشية أن يُسرق من الخزائن المخصصة للزوار.
السوريون واقعيون. وهم يعرفون أنه لن تكون هناك خطة مارشال لبلادهم. ويقدر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار؛ بينما يضع آخرون الرقم عند ضعف ذلك. وبينما لا تزال دمشق إلى حد كبير سليمة، فإن جزءا كبيرا من البلاد خارج قلب العاصمة ليس كذلك. ففي جوبر وغيرها من الضواحي، لم يكن عليك أن تقطع مسافة طويلة لترى صفوفا من المباني متعددة الطوابق، والمدمرة بالقنابل، مثل تجاويف عيون فارغة تشهد على سنوات من الألم والدمار. وكانت بعض الأنقاض مزينة بصور لأشخاص قتلهم نظام الأسد، في شكل نصب تذكارية مؤقتة أقامها الناجون تخليدا لذكرى أولئك الذين لن يكونوا جزءا من عملية إعادة بناء سوريا. ولم يبذل أي مسؤول جهدا لإخفاء الألم أو التحكم في رواية المعاناة. وكأن المدينة بأكملها توحدت لمنع محو ما مرت به.
مما سمعته، تدرك الحكومة الجديدة المشكلات التي تواجه الأنظمة الانتقالية. وتلوح تجربة بغداد ما بعد عام 2003 بشكل خاص في الأذهان. ويسعى الحكام الجدد إلى تجنب ديناميكية مدمرة من الاستقطاب السياسي، وانهيار الخدمات، وردود الفعل العنيفة.
ومع ذلك، لا توجد مؤشرات على وجود خطة واضحة لإعادة الاندماج أو المصالحة. ومن الصعب تصور نجاح سوريا في هذه المهمة الشاقة من دون مساعدة خارجية. وقد تعهدت دمشق بإشراك الأقليات العرقية والدينية، لكن مؤشرات العنف الطائفي بدأت تظهر بالفعل. ولا يزال الحكم النهائي بشأن ذلك غير محسوم، لكن جماعات الأقليات، مثل العلويين والمسيحيين والدروز، تشعر بالقلق من أن يكون الشرع “إسلاميًا يرتدي بدلة”. ولديها مخاوف من التحول نحو حكم إسلامي أكثر محافظة، ولا تزال متشككة بشأن سلامتها على المدى الطويل.
ثم هناك روسيا. لم أرَ أي مؤشر على أن موسكو تستعد لمغادرة سوريا في أي وقت قريب. وبينما لا تملك دمشق القدرة على مطالبة روسيا بالرحيل الكامل، فإن الأدلة على أن ذلك سيحدث تبدو قليلة للغاية. فالقوة التي ساعدت الأسد على قتل أكثر من نصف مليون من مواطنيه منحتْه اللجوء وتحميه حتى الآن، وهو أمر من غير المرجح أن ينساه السوريون.
لكن سوريا لا تزال عملية في حساباتها. فهي لا تستطيع بسهولة استبدال الأسلحة الروسية أو نفوذ موسكو الدبلوماسي بمؤسسات مثل الأمم المتحدة. ومن شبه المؤكد أن السوريين يتذكرون كيف وفرت روسيا الحماية للأسد فعليا في هذا المحفل، خصوصا من خلال عرقلتها المتكررة للمساعدات الإنسانية العابرة للحدود باستخدام حق النقض في مجلس الأمن الدولي. ومن اللافت أنه رغم أن القوات الروسية قصفت الشرع وقواته المتمردة عندما كانوا يسيطرون على محافظة إدلب خلال الحرب، فإنه أبرم مع ذلك اتفاقًا يسمح بوجود روسي في البلاد بعد الأسد. وأخبرني أحد مسؤولي وزارة الخارجية أنه فور سقوط الأسد، وصل مبعوثون روس يحملون حزمة من العقود الجديدة لتوقيعها مع السوريين. وكان الرد السوري، في البداية على الأقل، هو التأجيل، ما يؤكد في الوقت نفسه حذر سوريا من روسيا وإصرار موسكو اللافت على ترسيخ وجودها في عملية تعافي سوريا. (وخلال الأيام القليلة الماضية، وقعت موسكو ودمشق اتفاقات تمنح سوريا سيطرة أكبر على القواعد العسكرية الروسية في البلاد، لكنها تضمن أيضا احتفاظ قوات الكرملين بوجودها هناك).
أما إيران، التي استثمرت أكثر بكثير في نظام الأسد، فقد فشلت في التكيف بالمرونة نفسها. وأعرب بعض السوريين الذين التقيتهم عن مخاوفهم من أن تسارع روسيا أو الصين أو حتى تنظيم داعش إلى ملء الفراغ إذا عجز الغرب المتباطئ عن بلورة سياسة فعالة تجاه بلادهم.
ينبغي للغرب أن يغتنم هذه اللحظة. هناك حاجة ماسة إلى استراتيجيات جديدة. وقد تشمل هذه الاستراتيجيات تعزيز دور الأوكرانيين كقوة موازنة لروسيا، من خلال إمدادات من الأسلحة والغذاء على حد سواء. لكنني لمست تشككا في قدرة كييف على المنافسة. وقال لي أحد العاملين في وزارة الدفاع: “الشعب السوري يتعاطف مع الأوكرانيين، لكن في نهاية المطاف ستختار الحكومة ما هو جيد لسوريا”، في إشارة إلى أن قطع العلاقات مع روسيا من غير المرجح أن يُنظر إليه في سوريا على أنه يصب في مصلحتها. وسيحتاج صانعو السياسات الغربيون إلى أخذ هذه الحقائق في الاعتبار.
غادرت سوريا بتفاؤل حذر. وبعد فترة وجيزة من مغادرتي دمشق، انفجرت قنبلة في مقهى مكتظ في شارع النصر وسط دمشق، ما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص على الأقل وإصابة العشرات، في واحدة من سلسلة خروقات أمنية منذ سقوط الأسد. ويشتبه محللون في أن الهجوم مرتبط بتنظيم داعش، لكن لم تعلن أي جماعة رسميا مسؤوليتها عنه؛ ووقع هجوم آخر بعد أيام قليلة فقط، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وتسلط هذه الأحداث الضوء على هشاشة المرحلة الراهنة، سواء بالنسبة إلى سوريا أو للشرق الأوسط الأوسع. ولا شك في أن للغرب مصلحة حيوية ومباشرة في نجاح سوريا. لكن نافذة الفرصة لن تظل مفتوحة طويلا. المستقبل لا يزال غير مكتوب، وينتظر من يصوغه.
الآراء والمواقف الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب فقط، ولا تعكس بالضرورة الموقف أو السياسة الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (MBN).