واشنطن العاصمة 05:04 PM

بعد قصف "أبو الظهور".. رسالة إسرائيلية من داخل سوريا

ظهر رئيس الأركان الإسرائيلي في جنوب سوريا بعد يوم من قصف مطار "أبو الظهور" ليؤكد الرسالة نفسها بأن بلاده لن تسمح بنشوء تهديدات قرب حدودها.

· 5 دقيقة قراءة
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير يتفقد جنود الاحتياط في جنوب سوريا – المصدر: الجيش الإسرائيلي
رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير يتفقد جنود الاحتياط في جنوب سوريا – المصدر: الجيش الإسرائيلي

بعد أقل من 24 ساعة على غارة إسرائيلية استهدفت مطار “أبو الظهور” في سوريا لمنع انتشار قوة عسكرية تركية، عزز رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير الرسالة ذاتها من داخل الأراضي السورية هذه المرة، محذرا من أن بلاده لن تسمح بنشوء وجود عسكري يهدد أمنها.

وجاء تحذير زامير خلال جولة في جنوب سوريا، حيث تفقد القوات الإسرائيلية والتقى بجنود الاحتياط المنتشرين هناك.

وبعد سقوط الأسد، توغلت القوات الإسرائيلية داخل الشريط الحدودي مع محافظة القنيطرة، وأنشأت نقاطا عسكرية، وتقوم بدوريات في جنوب سوريا منذ ذلك الوقت.

وقال زامير: “نحن نرى ما يحدث ونتابع التغيرات على الجبهة السورية، وعلينا الاستعداد لها وفقا لذلك. لن نسمح لقوات معادية بالتمركز على حدودنا، وسنعرف كيف نستخدم قوتنا بصورة دقيقة، في المكان والوقت اللازمين”.

ولم يذكر زامير تركيا أو غارة أبو الظهور بالاسم، لكن صدور تصريحاته بعد يوم واحد فقط من الهجوم جعلها تبدو بمثابة استكمال للرسالة التي حملتها الغارة، وهي أن إسرائيل لا تراقب فقط إعادة بناء الجيش السوري، وإنما تعتزم استخدام القوة لمنع إدخال قدرات تعتبرها مهددة لتفوقها أو لحرية عملها الجوي.

وقال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في بيان إن إسرائيل وسوريا كانتا قد توصلتا إلى تفاهمات بشأن إبقاء الوضع الأمني القائم، وإن دمشق كانت على وشك خرقها عبر السماح لقوات تركية بالتمركز في قاعدة جوية قرب حلب.

وأضاف أن إسرائيل حذرت سوريا مرارا من أن انتشارا من هذا النوع سيشكل تهديدا لأمنها، متهما دمشق بتجاهل التحذيرات. وأضاف أن إسرائيل “لن تتسامح مع تهديد أمنها”، لكنها سترحب بالعودة إلى الوضع القائم.

وكان رئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان جوفمان أجرى مكالمة هاتفية مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قبل الغارة بأيام، ناقشا خلالها الوجود العسكري التركي في سوريا، حسبما كشفت رويترز يوم الأربعاء.

ووفق مصدر عسكري سوري، أصابت الغارات الإسرائيلية مدرج المطار ومستودعات مهجورة، واقتصرت الأضرار على الجانب المادي.

ورفضت دمشق الرواية الإسرائيلية. ونقلت وسائل إعلام عن مصدر دبلوماسي سوري قوله إنه لا يوجد اتفاق أمني محدد يمنع سوريا من إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، وإن إسرائيل نفذت الغارة رغم علمها بعدم وجود قوات أجنبية داخل المطار.

وأفادت تقارير بأن الغارات أعقبت زيارة وفد عسكري تركي إلى مطار أبو الظهور لبحث إعادة تأهيله.

أما أنقرة، فاتهمت إسرائيل باستخدام ادعاءات غير صحيحة لتبرير هجمات وصفتها بأنها تنتهك سيادة سوريا ووحدة أراضيها. وأكدت أنها ستواصل التعاون مع الحكومة السورية لإرساء الأمن والاستقرار، متهمة نتنياهو بانتهاج سياسة توسعية تزعزع استقرار المنطقة قبل الانتخابات الإسرائيلية.

وفي المقابل، نقلت شبكة “فوكس نيوز” عن مسؤول إسرائيلي قوله إن معلومات استخباراتية “شديدة الحساسية” أُرسلت إلى الولايات المتحدة قبل الغارة.  ولم يصدر تأكيد أميركي رسمي مستقل بشأن هذه التصريحات.

وتعليقا على قصف مطار “أبو الظهور” قالت الخارجية الأميركية لـ”الحرة” إن إدارة ترامب أجرت مناقشات مثمرة تركز على احترام سيادة سوريا واستقرارها، ودعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الأمنية. وشددت على أن واشنطن تواصل الانخراط مع إسرائيل وتركيا وسوريا وتؤمن بأن ضبط النفس والحوار يمثلان أفضل سبيل للمضي قدما.

وانتقد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا ولبنان توم براك الضربات، واصفا إياها بأنها “تصعيد غير ضروري”، وقال إن حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع أبدت رغبتها في الوصول إلى تهدئة مع إسرائيل. كما تعمل واشنطن على إنشاء آلية لتجنب المواجهة وتبادل المعلومات بين إسرائيل وسوريا وتركيا.

ولا يمثل الحضور العسكري التركي في سوريا تطورا جديدا. فأنقرة تنتشر منذ سنوات في عدد من المواقع شمالي البلاد، في إطار مواجهتها لقوات سوريا الديمقراطية التي تعتبرها أنقرة امتدادا لحزب العمال الكردستاني المصنف جماعة إرهابية في واشنطن وأنقرة.

ويرى الباحث المساعد في معهد دراسات الأمن القومي أمل حايك في تصريحات لـ “الحرة” أن السؤال الذي يفسر التصعيد الأخير لا يتعلق بمجرد وجود القوات التركية، وإنما باحتمال تغير طبيعة هذا الوجود وتحوله إلى بنية عسكرية أكثر تطورا.

وتنظر تركيا إلى نفسها باعتبارها الشريك الاستراتيجي الأساسي لسوريا الجديدة، وتسعى إلى مساعدة دمشق في إعادة بناء الجيش والمؤسسات الأمنية.

وبحسب حايك، تستطيع إسرائيل التعايش مع وجود تركي محدود في شمال سوريا، لكنها تتحفظ على أي نشر لمنظومات دفاع جوي أو قدرات جوية واستخباراتية يمكن أن تقيد حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي.

من جانبه، قال أمير أفيفي، مؤسس حركة “رجال الأمن” ونائب قائد فرقة غزة سابقا، إن إسرائيل ترفض تمركزا عسكريا تركيّا نوعيّا داخل سوريا، ولا سيما إدخال طائرات مسيّرة أو صواريخ أو قدرات جوية ومنظومات دفاع جوي، إضافة إلى أي قدرات غير تقليدية.

وتبنت إسرائيل عقيدة أمنية جديدة بعد السابع من أكتوبر تنص على عدم القبول بنشوء تهديدات على حدودها، وبموجب هذه العقيدة بدأت في تنفيذ ضربات محدودة ومتكررة لرسم خطوطها الحمراء ومنع الخصوم من بناء قدرات استراتيجية، من دون الوصول إلى حرب شاملة.

واستبعد أفيفي أن يتحول التوتر إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا، واصفا احتمال ذلك بأنه “منخفض جدا”، بسبب عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي والدور الذي قد تلعبه واشنطن في التهدئة.

وامتد الجدل بشأن طريقة التعامل مع تركيا إلى داخل الساحة السياسية الإسرائيلية. ففي خطاب ألقاه أمام مؤتمر “الرؤية الأمنية” لحزب “بيحَد”، قال زعيم المعارضة يائير لبيد إن تركيا تشكل تحديا لإسرائيل “خصوصا في سوريا”، وانتقد عدم امتلاك الحكومة سياسة واضحة تجاه أنقرة.

واعتبر لبيد أن الغارة على مطار أبو الظهور كانت “مبررة”، لكنه حذر من الوصول إلى مواجهة مباشرة مع قوة إقليمية، داعيا إلى محاولة خفض مستوى التصعيد وإقامة آلية لإدارة الاحتكاك. ويعتبر هذا التصريح ردا على من رأى أن الدافع وراء الغارة على مطار الظهور هو سياسي داخلي لصالح نتنياهو قبل الانتخابات.

وقال لبيد في ذات المؤتمر: “علينا أن نوضح أننا لن نتسامح مع لعب تركيا في ساحتنا الخلفية، لكن علينا أيضا بناء آلية لإدارة الصراع تمنع كوارث غير ضرورية. لسنا بحاجة إلى إنتاج مزيد من المواجهات الإقليمية، بل إلى منعها.”

وفي تطور لافت، تم الإعلان عن اجتماع بين لبيد ونتنياهو، بعد يوم واحد من الغارة على أبو الظهور. وعادة ما يلتقي رئيس الحكومة وزعيم المعارضة لإحاطات أمنية ضرورية لكن لم تُعلن تفاصيل الملفات التي تناولها اللقاء، ولذلك لا يمكن الجزم بوجود صلة مباشرة بينه وبين التطورات السورية، غير أن توقيته أضاف بعدا سياسيا آخر على الموقف الموحد للائتلاف الحاكم والمعارضة.

وبين تحذيرات زامير من داخل سوريا، وإجماع الائتلاف والمعارضة على رفض التمركز العسكري التركي، تبدو الرسالة الإسرائيلية واضحة: لن تسمح إسرائيل بتحول سوريا إلى منصة عسكرية تركية تقيد حرية عملها أو تهدد تفوقها الأمني في المنطقة.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة