واشنطن العاصمة 10:00 AM

"درع أخيل" بين إسرائيل واليونان.. لماذا الآن؟

الصفقة تشمل حصول أثينا على "مقلاع داود" و"سبايدر" ونظام مضاد للمسيرات.

اقرأ بـ English
· 4 دقيقة قراءة
صفقة درع أخيل الدفاعية هي الأكبر بين إسرائيل واليونان.
صفقة درع أخيل الدفاعية هي الأكبر بين إسرائيل واليونان.

جاء إعلان إسرائيل واليونان عن صفقة “درع أخيل” الدفاعية في وقت تشهد العلاقات الإسرائيلية التركية توترا حادا، ما أثار تساؤلات فيما إذا كانت الصفقة تأتي في إطار هذا التوتر.

وعند الإعلان عن الصفقة الدفاعية الأكبر بين إسرائيل واليونان، لم يذكر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، تركيا بالاسم، لكن عباراته لم تترك مجالا واسعا للالتباس، فقد تحدث عن “جهات ذات تطلعات للهيمنة تسعى إلى توسيع نفوذها وزعزعة استقرار المنطقة”، مؤكدا أن إسرائيل وأثينا ستعملان معا لحماية أمنهما ومصالحهما المشتركة.

جاءت تصريحات كاتس بعد توقيع صفقة “درع أخيل”، التي تتجاوز قيمتها 10 مليارات شيكل (نحو 3.3 مليار دولار)، وتتولى إسرائيل بموجبها إنشاء شبكة دفاع جوي يونانية متعددة الطبقات، قادرة على التعامل مع الطائرات والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وتشمل الصفقة منظومات “مقلاع داود” و”سبايدر” من إنتاج شركة رافائيل، ومنظومة “باراك MX” التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية، إلى جانب رادارات متعددة المهام ونظام وطني جديد للقيادة والسيطرة. كما وقّع الجانبان صفقة إضافية بقيمة 26 مليون يورو لشراء منظومات “درون دوم” المضادة للطائرات المسيّرة.

ولا تقتصر الصفقة على بيع منظومات اعتراضية، بل تشمل بناء بنية دفاعية متكاملة، فضلا عن نقل المعرفة والتكنولوجيا وتعزيز الصناعات الدفاعية اليونانية، ما يعني ارتباطا أمنيا طويل الأمد بين الدولتين، وليس مجرد عملية تجارية عابرة.

وتبدو الرسالة السياسية من الصفقة فورية، بينما لن تصبح قدراتها العملياتية جاهزة قبل نحو ثلاثة أعوام.

الباحثة المتخصصة في الشؤون التركية في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، الدكتورة غاليا ليندنشتراوس، لا تؤيد الربط المباشر بين توقيع الصفقة والتوترات التي شهدتها المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة، خاصة بين إسرائيل وتركيا.

وقالت ليندنشتراوس لـ”الحرة” إنها “صفقة معقدة نوقشت منذ وقت طويل، واستكمالها لا يرتبط بأحداث الأشهر الأخيرة”، مشيرة إلى أنها أُقرت مبدئيا قرابة يوليو، وأنها لا تمثل ردا عسكريا سريعا على تطور بعينه.

وأضافت أن الأنظمة التي تشملها الصفقة دفاعية، وأن تسليمها يحتاج إلى سنوات، ولذلك “ليس من الصحيح ربطها بحدث آني في المنطقة.”

غير أن الفصل بين السياق المباشر والمسار الاستراتيجي الأوسع لا يلغي البعد التركي تماما. فالصفقة، بحسب ليندنشتراوس، تعكس تطورات طويلة الأمد في شرق البحر المتوسط، أبرزها تعميق العلاقات بين إسرائيل واليونان وقبرص، بالتوازي مع اتساع الخلافات بين هذه الدول وأنقرة.

وبهذا المعنى، لا تبدو صفقة “درع أخيل” ردا على تحرك تركي وقع بالأمس، لكنها ثمرة تراكم سياسي وأمني جعل تركيا عاملا حاضرا في حسابات التعاون الإسرائيلي–اليوناني.

وعزز توقيت التوقيع القراءة الإقليمية للصفقة. فقد أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن سلاح البحرية يرصد منذ أشهر تدريبات تركية مكثفة وتعزيزا للحضور البحري في المتوسط، وأن هذه التحركات تستوجب الاستعداد لاحتمال تحول التوتر السياسي إلى مواجهة عسكرية، من دون أن يعني ذلك أن المواجهة باتت وشيكة.

وتتابع إسرائيل بالتوازي النشاط التركي في سوريا. وكانت قد قصفت قاعدة أبو الظهور الجوية بعد معلومات قالت إنها تشير إلى استعداد أنقرة لنشر قوات ومنظومة رادار هناك، في خطوة رأت إسرائيل أنها قد تحد من حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي وتؤثر في ميزان القوى الإقليمي.

وفي المقابل، تؤكد مصادر أمنية إسرائيلية أن إسرائيل لا تريد تحويل تركيا إلى دولة عدو، وأن قنوات اتصال سرية لا تزال قائمة بين الجانبين بهدف تبادل الرسائل ومنع الاحتكاك العسكري.

وهنا يظهر التباين بين خطاب كاتس والقراءة الأكثر حذرا لليندنشتراوس. فالوزير يضع الصفقة داخل سردية سياسية راهنة عن مواجهة “طموحات الهيمنة”، بينما ترى الباحثة أن منشأها أقدم من التطورات الأخيرة، وأن مراحل التفاوض والتخطيط الطويلة لا تسمح باعتبارها ردا على تحرك تركي محدد.

حتى إشارة كاتس إلى اجتماعه قبل أشهر بوزير الدفاع اليوناني نيكوس دندياس لا تعني أن الصفقة وُلدت خلال ذلك الاجتماع، بل إن اللقاء كان محطة سياسية ضمن عملية تفاوضية وتقنية سبقت الأشهر الأخيرة.

وتأتي الصفقة أيضا فيما يعاد تشكيل التحالفات الدفاعية في المنطقة. ففي السابع من أغسطس، وقعت تركيا والسعودية وباكستان “اتفاق مكة للدفاع المشترك”، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما عليها جميعا، وإن كانت تفاصيل الالتزامات العملية وآليات التدخل لم تُعلن بالكامل.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تنقسم إلى محورين متقابلين أو أن الاتفاقين موجهان مباشرة أحدهما ضد الآخر. لكنه يكشف توجها متسارعا نحو بناء شبكات أمنية جديدة، تقوم على الدفاع المشترك والتكنولوجيا والتدريبات العسكرية وتكامل الصناعات الدفاعية.

بالنسبة إلى اليونان، تظل تركيا خصما عسكريا تاريخيا على خلفية النزاع في بحر إيجه وقبرص والحدود البحرية. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فالعلاقة مع أنقرة أكثر تعقيدا؛ إذ انتقلت خلال العقود الماضية بين التعاون الامني والاقتصادي الوثيق، قبل أن تبلغ مستوى غير مسبوق من التوتر بسبب ملفات غزة وسوريا وشرق المتوسط أو ما يراه آخرون توترا يكمن في شخصيتي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الذين يسعيا إلى تعزيز مكانتهما داخليا.

لذلك، قد تنظر أنقرة إلى صفقة “درع أخيل” باعتبارها جزءا من تعزيز القوة العسكرية اليونانية، وامتدادا للشراكة الثلاثية بين إسرائيل واليونان وقبرص. إلا أن الطبيعة الدفاعية للأنظمة وطول مدة تنفيذ الصفقة يسمحان لإسرائيل بالقول إنها لا تبني تحالفا هجوميا ضد تركيا.

في النهاية، لن تغيّر الصفقة ميزان القوى في البحر المتوسط غدا، ولن تمنح أثينا مظلة دفاعية إسرائيلية مكتملة خلال أسابيع. لكنها تؤسس لبنية استراتيجية قد تستمر عقودا، وتربط الأمن الجوي اليوناني بالتكنولوجيا والخبرة الإسرائيلية.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة