دخلت أزمة الإيراني محمد رضا شيباني مرحلة جديدة في 24 أغسطس، مع انتهاء تأشيرته في لبنان، بعد خمسة أشهر على سحب وزارة الخارجية الموافقة على اعتماده سفيرا لطهران وإعلانه “شخصا غير مرغوب فيه”.
وخلال الساعات القليلة الماضية، دار حديث عن مخرج يسمح ببقائه في لبنان، لا بصفته ممثلا دبلوماسيا لطهران، بل كمواطن إيراني يحمل إقامة شخصية. وتداولت وسائل إعلام لبنانية معلومات عن اتصالات جرت على مستوى رئاسة الجمهورية، وانتهت إلى تكليف المديرية العامة للأمن العام بمنحه ما يعرف بـ”إقامة مجاملة”، استنادا إلى كونه دبلوماسياً سبق أن خدم في لبنان.
وقال مصدر حكومي لموقع “الحرة” إن الموقف الرسمي لم يتغير، وإن شيباني “لم تعد له أي صفة رسمية أو دبلوماسية في لبنان”. وأضاف أن البحث عن مخرج لبقائه يأخذ في الاعتبار موقف القوى التي تضغط في هذا الاتجاه، لكنه لا يعيد إليه صفته الدبلوماسية.
لكن المحلل السياسي، إلياس الزغبي، يعتبر في حديث لموقع “الحرة” أن منح شيباني إقامة بصفة دبلوماسي سابق “يمس جوهر السيادة اللبنانية”، ويكرّس برأيه نفوذا إيرانيا على القرار اللبناني.
غير أن الفصل بين شيباني الدبلوماسي وشيباني المقيم أبقى الخلاف قائما حول معنى القرار الذي اتخذته الدولة بحقه أصلا، وما إذا كان إعلان ممثل دولة أجنبية شخصا غير مرغوب لا يتعارض مع السماح له بالبقاء في البلاد تحت صفة أخرى.
ويرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن منح شيباني إقامة بصفته دبلوماسيا سابقا يفرغ القرار اللبناني من مضمونه، ويحول القضية من مسألة قانونية إلى اختبار لقدرة الدولة على تنفيذ قرارها.
ولم تبدأ القضية بانتهاء تأشيرة شيباني. ففي مارس الماضي، سحب وزير الخارجية يوسف رجي الموافقة على اعتماده وأعلنه “شخصا غير مرغوب فيه”، في خطوة كان يفترض أن تنتهي بمغادرته لبنان.
وأبلغ الأمين العام لوزارة الخارجية، السفير عبد الستار عيسى، القرار رسميا إلى القائم بأعمال السفارة الإيرانية توفيق صمدي خوشخو.
واستند رجي إلى اتهام شيباني بتجاوز الأعراف الدبلوماسية والتدخل في الشأن الداخلي اللبناني، في مخالفة للمادة 41 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية. وقالت الخارجية إن التجاوزات شملت تصريحات تناولت الشأن اللبناني وتقييما لقرارات حكومية، إلى جانب لقاءات مع جهات لبنانية من دون المرور بوزارة الخارجية.
وقال المحامي والمحلل السياسي أمين محمد بشير إن إعلان دبلوماسي “شخصا غير مرغوب فيه” يقتضي أن تسحبه دولته وأن يغادر البلد المضيف، لكنه أشار إلى أن منح شيباني إقامة جديدة كمواطن إيراني يبقى من صلاحيات الأمن العام.
وبرأيه، فإن المشكلة تصبح سياسية عند هذه النقطة. وقال: “إذا كانت الدولة قد سحبت اعتماده وأعلنت أنه غير مرغوب فيه، فمن غير المنطقي أن تمنحه لاحقا إقامة تتيح له الاستمرار في لبنان”.
وكان وزير الخارجية الأسبق فارس بويز قد قال لموقع “الحرة”، بعد صدور قرار رجي، إن الخطوة، وإن صدرت تقنيا عن وزارة الخارجية، تعكس توجها لدى السلطة التنفيذية ولا يمكن فصلها عن موقف رئيسي الجمهورية والحكومة.
وأوضح أن اتفاقية فيينا تتيح للدولة المضيفة إعلان أي دبلوماسي “شخصا غير مرغوب فيه”، بما يوجب مغادرته البلاد ضمن مهلة محددة.
لكن القرار واجه منذ صدوره اعتراضا من حزب الله وحركة أمل، إلى جانب رفض إيراني، رغم تأكيد بيروت أن الخطوة لا تعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران.
ووصف حزب الله القرار آنذاك بأنه “خطوة متهورة وخطيئة وطنية واستراتيجية كبرى وخضوع للإملاءات الخارجية تفتقر إلى أي مسوّغ قانوني”، فيما وصفت حركة أمل القرار بأنه “متهور وغير مسؤول من قبل الجهات المؤتمنة على حفظ السيادة”.
أما طهران، فرفضت القرار، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن شيباني “سيواصل عمله”، مؤكدا أن السفارة ستستمر في أداء مهماتها.
وبقي شيباني في لبنان بالفعل طوال الأشهر التالية. ومع انتهاء تأشيرته، لم يعد الخلاف مقتصرا على ما إذا كانت إيران ستلتزم قرار بيروت، بل امتد إلى الطريقة التي ستنفذه بها السلطات اللبنانية.
وقال رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، لـ”الحرة” إن استمرار شيباني في لبنان بعد اعتباره شخصا غير مرغوب فيه يشكل “تحديا لإرادة الدولة اللبنانية وانتهاكا واضحا لقرارها”.
وكان وزير الخارجية اللبناني قد شدد قبل أيام في حديث صحفي على أن “أي حديث عن استمرار سريان تأشيرة السيد شيباني أو إمكان تجديدها لا يُعتدّ به قانونا، ولا يمكن أن يشكّل أساسا لاستمرار وجوده في لبنان”.
وأضاف أن بقاء شيباني بعد صدور قرار اعتباره شخصا غير مرغوب فيه “يتعارض مع قرار سيادي واضح صادر عن الدولة اللبنانية”، مؤكدا أن القرار “نهائي وواجب النفاذ، ولا يقبل استثناء أو تأويلا أو التفافا عليه”.