واشنطن العاصمة 07:45 AM

"العقل المدبر" لهجمات سبتمبر.. لماذا استغرقت محاكمة خالد شيخ محمد أكثر من ربع قرن؟

محطتان بارزتان في مسار محاكمة خالد شيخ محمد، الأولى هي إبطال اتفاق يجنبه الإعدام، والثانية تحديد موعد النظر في القضية.

· 6 دقيقة قراءة
يظهر خالد شيخ محمد في هذه الصورة الأرشيفية أثناء اعتقاله في 1 مارس/آذار 2003. رويترز/بإذن من U.S. News & World Report/ملفات
يظهر خالد شيخ محمد في هذه الصورة الأرشيفية أثناء اعتقاله في 1 مارس/آذار 2003. رويترز/بإذن من U.S. News & World Report/ملفات

لا تزال صورة خالد شيخ محمد، المتهم بتدبير هجمات 11 سبتمبر أثناء اعتقاله، واحدة من أكثر الصور شهرة في تاريخ “الحرب على الإرهاب”. ثلاثيني أشعث الشعر، تبدو عليه علامات الإرهاق والصدمة بعدما اقتيد بملابس نومه.

وثقت الصورة اللحظة التي جُرّد فيها أخطر إرهابيي العالم من سطوته، عندما تم القبض عليه مع آخرين، عام 2003، بعد نحو عامين فقط من الهجمات الدامية.

لكن فصول محاكمة شيخ محمد ومساعديه، استمرت نحو 23 عاما بسبب إجراءات قانونية معقدة أبقته مع الآخرين في سجن غوانتانامو ينتظرون القصاص.

إلا أن القضية قد تكون اقتربت أخيرا من مرحلة الحسم، وإن كان بعد نحو عامين من الآن، إذ أعلن القاضي العسكري مايكل شراما، موعدا لمحاكمة شيخ محمد، في يونيو 2028.

ويحيل قرار القاضي كلا من شيخ محمد، ووليد محمد صالح مبارك بن عطاش، وعلي عبد العزيز علي، ورمزي بن الشيبة، ومصطفى أحمد آدم الهوساوي إلى المحكمة العسكرية.

وبموجب أمر القاضي الذي جاء في 11 صفحة، واطلعت عليه “الحرة” ، فقد وجهت إليهم اتهامات من بينها التآمر، ومهاجمة المدنيين، والتسبب عمدا في إصابات جسدية جسيمة، والقتل، والاختطاف والإرهاب.

وتتيح المحاكمة المزمعة إمكانية تطبيق حكم الإعدام على المتهمين، وفق تصريح مسؤول في مكتب اللجان العسكرية، التابع للبنتاغون، تحدث لـ”الحرة”.

يأتي ذلك بعدما أُبطل اتفاق إقرار بالذنب توصل إليه الادعاء مع خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين في يوليو 2024، وكان يقضي بإقرارهم بالذنب مقابل أحكام بالسجن المؤبد من دون إمكانية الإفراج المشروط، لتجنب الإعدام.

وأكد رونالد فليسفيغ، مدير إدارة الشؤون العامة في مكتب اللجان العسكرية لـ”الحرة” أن جهة الادعاء قد تسعى إلى المطالبة بعقوبة الإعدام كأحد خيارات الحكم.

والمكتب يتبع البنتاغون ومهمته تنظيم سير المحاكمات العسكرية.

ورفض القاضي طلب الادعاء بدء المحاكمة في يناير 2027، حتى يمنح الطرفين وقتا كافيا لحسم النزاعات القانونية بينهما.

نزلاء غوانتانامو

يعد خالد شيخ محمد، أشهر نزلاء سجن غوانتانامو بسبب سجله كواحد من أخطر الإرهابيين في العالم، الذي تجول بين الدول والمناطق للتخطيط وتنفيذ الهجمات، والتقى زعيم القاعدة آنذاك أسامة بن لادن وعرض عليه خطة الهجوم الكبير.

وفي تقرير لجنة 11 سبتمبر المستقلة عن الحزبين الديمقراطي والجمهوري، الذي صدر عام 2004، يحتل شيخ محمد وآخرون مقدمون لمحاكمة 2028، فصلا كاملا استعرض رحلتهم مع الإرهاب.

ويبدو أن شيخ محمد، وهو من أصول باكستانية ونشأ في الكويت، كانت لديه خبرة مهنية لعبت دورا حاسما في ترقيته في رحلة الصعود.

بعد المرحلة الثانوية سافر إلى الولايات المتحدة في الثمانينات، حيث درس الهندية الميكانيكية بجانب ابن اخته رمزي يوسف الذي كان رفيقه في دروب التشدد بعد ذلك لسنوات.

لم يلفت الأنظار في الولايات المتحدة باعتناق أية أفكار متشددة، وغادرها ليبدأ رحلته في عالم “الجهاد” ضد السوفييت في أفغانستان، وهناك تدرب على وسائل القتل ووثق علاقاته بقادة الجماعات المسلحة.

لم تقتصر رحلته على أفغانستان. سافر أيضا إلى البوسنة وزار السودان واليمن وماليزيا والبرازيل. وفي قطر حصل على وظيفة مهندس في وزارة المياه والكهرباء، كما يرد تقرير اللجنة.

كانت المحطة الفاصلة له في عالم الإرهاب هو تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 الذي كان ابن أخته العقل المدبر له، بينما ساعده هو بتقديم النصح والمال.

وفي ذلك الهجوم، انفجرت شاحنة محملة بمتفجرات في مرآب السيارات أسفل البرج الشمالي، وأسفر الانفجار عن مقتل 6 أشخاص وإصابة أكثر من ألف شخص.

والشهرة التي اكتسبها شقيقه ألهمته للتخطيط لهجمات ضد الولايات المتحدة.

في العام التالي، 1994، بدأ التخطيط لأول عمل إرهابي له ضد الولايات المتحدة، فيما عرف باسم “مؤامرة مانيلا” وهي تفجير طائرات شحن متجهة إلى الولايات المتحدة لكن الخطة لم تنجح.

بعد عامين، كانت هناك فرصة للتخلص من شيخ محمد وربما منع وقوع هجمات سبتمبر .

فقد علمت الاستخبارات الأميركية بدوره في محاولات تفجير طائرات ركاب أميركية. وعندما كان في شقته بقطر في عام 1996 كانت المخابرات تستعد للقبض عليه، لكن، تقرير 11 سبتمبر يرجح أن مسؤولا قطريا حذره، ما أتاح له فرصة للهروب إلى أفغانستان.

ومن هناك، بدأ التخطيط الفعلي لهجمات 11 سبتمبر.

في ذلك الوقت، كان بن لادن قد غادر السودان ليرسخ وجوده في أفغانستان، بينما كانت شهية شيخ محمد مفتوحة لتنفيذ هجوم كبير.

تمكن من لقاء بابن لادن في معقله “تورا بورا” بعدما وافق الأخير على اللقاء به، استنادا إلى شهرة ابن اخته منفذ الهجوم الأول على مركز التجارة العالمي.

في الاجتماع، أطلع شيخ محمد، زعيم “القاعدة” آنذاك، على سيرته الذاتية، خاصة في ما يتعلق بدوره في تفجير مركز التجارة العالمي ومخطط مانيلا، ثم عرض مخططا لتفجير كبير في الولايات المتحدة يتضمن تدريب طيارين.

ووفقا لاعترافات شيخ محمد، مثّلت تفجيرات السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام عام 1998 نقطة تحول جوهرية في تطور مخطط هجمات 11 سبتمبر.

أقنعته هذه التفجيرات بأن بن لادن كان عازما حقا على مهاجمة الولايات المتحدة.

ومنح بن لادن، خالد شيخ محمد الضوء الأخضر لتنفيذ هجمات 11 سبتمبر، وقبِل شيخ محمد دعوة بن لادن للانتقال إلى قندهار والعمل مباشرة مع تنظيم “القاعدة”، والتخطيط للهجوم.

من باكستان إلى غوانتانامو

بعد الأحداث الدامية بنحو عامين، تمكنت السلطات الأميركية من القبض على شيخ محمد في روالبندي في باكستان، بعد وشاية من عنصر آخر في “القاعدة”.

في ليلة الأول من مارس 2003، ألقي القبض عليه مع أربعة آخرين في عملية استخباراتية دقيقة، شملت أيضا العثور على كم هائل من المعلومات داخل أجهزة كمبيوتر تمت مصادرتها من غرفة نومه.

ونُقلوا عبر سجون سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ثم إلى سجن غوانتانامو الشهير في كوبا، ووجهت إليهم أول اتهامات رسمية في يونيو 2008 خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش.

وظلت القضية طيلة العقدين الماضيين في أروقة المحاكم، بسبب جمود قانوني يتعلق بتغيّر القضاة المتكرر، والخلافات السياسية حول اتفاقيات الإقرار بالذنب، ونظام المحاكم العسكرية، وفق ما قاله لـ”الحرة” يوجين فيديل، وهو محاضر زائر في القانون العسكري بكلية الحقوق بجامعة ييل.

يقول فيديل إن المحاكمات العسكرية تطلبت تشريعات وتعديلات قانونية متنوعة أثرت على سرعة سير القضية.

وخلال المحاكمات، تذبذب موقف إدارة أوباما بشأن إبقاء القضية في نظام اللجان العسكرية أم تحويلها إلى المحاكم الفيدرالية. وفي النهاية، أبقت الإدارة على القضايا ضمن نظام اللجان العسكرية بعد اعتراضات.

وبعد ذلك، دخلت القضية في متاهة معقدة لسنوات عدة، تغيرت فيها ملامح شيخ محمد الذي ظهر في المحاكمة بملابس تقليدية وبلحية مصبوغة باللون البرتقالي.

يقول ديفيد غلازير، أستاذ القانون في كلية لويولا الأميركية للحقوق، إن من أبرز الإشكالات التي برزت في نظام المحاكم العسكرية صعوبة تحديد القوانين واجبة التطبيق، ما جعل الفصل في أي قضية تتعلق بالإجراءات أو بالقانون الموضوعي تحديا قانونيا فريدا.

في تلك الفترة أيضا، تقدم فريق الدفاع بمئات الطلبات من بينها مزاعم إساءة معاملة.

ويقول فيديل إنه في قضية تطبق فيها عقوبة الإعدام يبذل فريق الدفاع الكثير من الوقت لتجنب هذه العقوبة ما يؤخر سير المحاكمة.

وأمضى أطراف القضية وقتا طويلا في محاولة التوصل إلى اتفاق، إلا أن تلك العملية استغرقت وقتا طويلا وباءت بالفشل في نهاية المطاف، مع سعي فريق الدفاع لاستبعاد عقوبة الإعدام، بينما رفض الادعاء ذلك لفترة طويلة.

ورغم أن اختيار القضاء العسكري كان يهدف إلى تسريع النظر في القضية، حدثت مشكلة أخرى، وهي أن القضاة المدعين العامين ومعظم محامي الدفاع هم من العسكريين في الخدمة الفعلية.

وهؤلاء الأفراد يتناوبون في مواقعهم كل عامين أو ثلاثة أعوام، ويحتاج القضاة والمدعون الجدد وقتا كافيا من أجل الإلمام بمجريات القضية.

يقول غلازير لـ”الحرة” : “يشكل هذا عائقا كبيرا بشكل خاص أمام فرق الدفاع التي تحتاج إلى بناء الثقة مع موكليها”.

وفي يوليو 2024، توصل الادعاء إلى اتفاق بالإقرار بالذنب قبل إلغائه من قبل وزير الدفاع الأسبق لويد أوستن، لتعود القضية من جديد إلى المحاكمة مع تحديد موعد هذه المرة.

ويعتقد فيديل أن قرار إلغاء الاتفاق يوحي بأن الإدارة الحالية راغبة في تطبيق عقوبة الإعدام.

اكتشاف المزيد من الحرة

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة