قبل 25 عاما، كشفت هجمات 11 سبتمبر عن حجم الصلة بين بعض مواطني دول الخليج والحركات الجهادية، التي كانت قد بدأت في التشكل قبلها بسنوات في أفغانستان.
أظهرت التحقيقات أن 15 من منفذي الهجمات البالغ عددهم 19 إرهابيا يتحدرون من السعودية، فيما كان اثنان آخران من الإمارات وواحد من مصر وآخر من لبنان.
منذ الحرب الأفغانية في ثمانينيات القرن الماضي، توجه آلاف “المتطوعين” من دول الخليج إلى ساحات القتال، حيث انضم العديد منهم لاحقا لتنظيمات جهادية مثل القاعدة، فيما انتقلت موجات أخرى إلى العراق بعد عام 2003، ثم إلى سوريا مع اندلاع الحرب عام 2011 وصعود داعش وجبهة النصرة.
وخلال هذه العقود تغيرت التنظيمات والساحات ووسائل التجنيد والتمويل، وتغيرت معها أيضا طريقة تعامل دول الخليج مع الظاهرة. فبعد أن كانت تغض النظر عنها في البداية، بدأت خلال السنوات الأخيرة بملاحقة الخلايا والأفراد وشددت الرقابة على التحويلات المالية والعمل الخيري، وأعادت النظر في جوانب من التعليم والخطاب الديني، كما طورت برامج لإعادة التأهيل.
واليوم وبعد ربع قرن من هجمات 11 سبتمبر، من الصعب القول إن التطرف الجهادي اختفى من الخليج، كما يصعب القول إن البيئة التي أنتجت موجاته السابقة ما زالت على حالها.
“تبقى المتطلبات الأساسية لنمو الجماعات الإرهابية المحلية قائمة في الشرق الأوسط، ومنها عدم الاستقرار العام، والصراعات الأيديولوجية والعلاقات المتوترة بين الدول، والمناطق الخارجة عن سيطرة الدولة”، يقول الدبلوماسي الأميركي السابق جيمس جيفري.
“وهناك أيضا نسبة صغيرة من عدد كبير جدا من المسلمين الذين يتبنون عقيدة إسلامية متطرفة أو مطلقة، والتي، وإن لم تكن بالضرورة داعمة للعنف، قد تصبح متسامحة معه أو قابلة للتجنيد فيه”، يضيف لـ”الحرة”.
كانت أفغانستان إحدى أولى ساحات القتال التي شهدت تدفقا واسعا للمتطوعين العرب في ثمانينيات القرن الماضي، وكان بينهم أعداد من دول الخليج.
ولا يعني الذهاب إلى أفغانستان في تلك المرحلة أن جميع من توجهوا إليها أصبحوا أعضاء في تنظيمات متطرفة، لكن الحرب وفرت مساحة التقى فيها مقاتلون ومتطوعون من دول مختلفة، وتشكلت بينهم علاقات وشبكات ظهر بعض أفرادها لاحقا في جماعات جهادية جديدة.
وتشير دراسة للباحث المتخصص في الحركات الجهادية توماس هيغهامر شملت 161 سعوديا توجهوا إلى أفغانستان والبوسنة وطاجيكستان والشيشان قبل عام 1996، إلى أن معظم أفراد العينة كانوا شبانا في أوائل العشرينيات ومن بيئات حضرية وطبقة وسطى، مع اختلاف خلفياتهم الاجتماعية والتعليمية.
وتتباين التقديرات بشأن عدد السعوديين الذين توجهوا إلى أفغانستان، فقد وصلت بعض التقديرات إلى نحو 20 ألف شخص، فيما يرجح هيغهامر أن عدد الذين تلقوا تدريبا عسكريا فعليا تراوح بين ألف وخمسة آلاف.
كانت تلك الشبكات واحدة من البيئات التي استفادت منها القاعدة لاحقا في بناء تنظيم عابر للحدود، قبل أن تنتقل المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة عندما شنت القاعدة هجومها على الولايات المتحدة في سبتمبر عام 2001.
بعد عامين من هجمات 11 سبتمبر، أصبح العراق إحدى أبرز ساحات استقطاب المقاتلين الأجانب، وانتقلت شبكات الجهاد من أفغانستان إلى ساحة جديدة في قلب المنطقة.
وتقدم ما يعرف بـ”سجلات سنجار”، وهي وثائق داخلية لتنظيم القاعدة في العراق استولت عليها القوات الأميركية عام 2007، صورة عن إحدى مراحل هذا التدفق، فمن بين 576 مقاتلا عرفت جنسياتهم في الوثائق، كان هناك 235 سعوديا، أي نحو 41 في المئة.
ولا تمثل هذه الأرقام جميع المقاتلين الأجانب في العراق، كما أنها لا تعني أن كل السعوديين الذين وصلوا إلى العراق مروا بالطريقة نفسها، لكنها تكشف استمرار الدور الذي لعبه بعض مواطني الخليج في موجة المقاتلين الأجانب بعد 11 سبتمبر.
تشير هذه المعطيات إلى أن الشبكات التي تشكلت في المرحلة الأفغانية لم تنته تماما، وكيف أنها قادرة على التكيف مع ظروف سياسية وأمنية مختلفة والعمل في ساحة جديدة.
ثم جاءت سوريا لتفتح الباب أمام أكبر موجة من هذا النوع منذ أفغانستان والعراق، فمع اندلاع الحرب الأهلية، أصبحت سوريا مركزا جديدا لاستقطاب المقاتلين الأجانب.
وبحسب مسؤول سعودي رفيع المستوى نقلت عنه CNN في مارس 2014، توجه نحو 1200 سعودي إلى سوريا، عاد نحو 200 منهم إلى المملكة..
وفي وقت لاحق، كشفت وثائق مسربة من داعش، حللها المركز الدولي لدراسة التطرف في كلية كينغز لندن، بيانات 759 سعوديا من المواطنين والمقيمين، دخل معظمهم إلى مناطق سيطرة التنظيم في العراق وسوريا خلال عامي 2013 و2014.
لم يقتصر الانضمام إلى التنظيمات على السعوديين.
ففي الإمارات، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في أكتوبر 2018 أحكاما في قضايا مواطنين أدينوا بالانضمام إلى داعش وجبهة النصرة والقتال معهما في سوريا، ومن بينها قضية إماراتي أدين بالقتال مع التنظيمين وتجنيد آخرين لصالحهما.
وفي البحرين، وصل تركي البنعلي إلى موقع أكثر تأثيرا داخل داعش، وأصبح أحد أبرز منظري التنظيم الشرعيين، وشارك في نشاطه الدعوي والتجنيدي قبل مقتله في سوريا عام 2017.
كان هذا الجيل مختلفا في كثير من جوانبه عن جيل أفغانستان، لكنه حمل السمات نفسها، وهي ساحات حرب خارجية، وشبكات عابرة للحدود، وخطاب ديني متشدد، وقدرة التنظيمات على تحويل الصراعات الإقليمية إلى أدوات للتجنيد.
لماذا انضموا؟
يقول أستاذ الفلسفة السياسية والمعاصرة في جامعة الكويت، محمد الوهيب، لـ”الحرة” إن كثيرا من المنضمين إلى الجماعات المتطرفة كانوا من الطبقة الوسطى ومن المتعلمين، معتبرا أن الرخاء الاقتصادي لا يلغي بالضرورة البحث عن الهوية أو المعنى والانتماء.
ويربط الوهيب الظاهرة بمجموعة من العوامل، من بينها الحاجة إلى الانتماء إلى “قضية كبرى”، والتأثر بالأحداث السياسية في المنطقة والعالم، إضافة إلى العلاقات الاجتماعية والعائلية والدينية التي أحاطت بالفرد.
كما يتوقف عند طبيعة بعض الخطابات الدينية والتعليمية في مراحل سابقة، ويرى أن بعضها قدم نظرة حادة إلى الآخر المختلف دينيا أو مذهبيا. ويقول إن الجماعات المتطرفة استطاعت استغلال بعض هذه الأفكار، حتى عندما لم يكن الخطاب الأصلي يدعو إلى ممارسة العنف.
وبحسب الوهيب، لم تنشئ القاعدة وداعش الفكر المتطرف من فراغ، وإنما أخذتا أفكارا كانت موجودة وحولتاها إلى مشروع سياسي وعسكري، مستفيدتين من الدعاية وشبكات التجنيد، ثم من الصراعات التي شهدتها المنطقة.
مرت السنوات في أفغانستان ومن بعدها في العراق وسوريا وازداد الخناق على الجماعات الجهادية، لتشهد دول الخليج هذه المرة هجرة عكسية للجهاديين.
بعد 11 سبتمبر، تعرضت دول خليجية نفسها لهجمات مرتبطة بالقاعدة، ثم عاد داعش لاحقا ليشكل تهديدا أمنيا جديدا داخل المنطقة.
وهنا تحولت القضية بالنسبة لدول الخليج إلى أزمة خطيرة تتعلق بمنابع التجنيد والتمويل والأفكار داخل المجتمعات نفسها.
مع اتساع الخطر، بدأت الدول الخليجية في تشديد الإجراءات المتعلقة بجمع التبرعات والتحويلات المالية والعمل الخيري، إلى جانب القوانين الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
يقول العقيد المتقاعد والمستشار السابق في جهاز الأمن الوطني الكويتي، خليل ملا يوسف، إن دول الخليج حققت نجاحات كبيرة في قطع قنوات التمويل والتحويل التقليدية، ويقدر حجم النجاح في هذا الجانب بأكثر من 95 في المئة.
ويربط ملا يوسف ذلك بالغرامات والقيود المفروضة على المصارف ومحلات الصرافة ونقل الأموال النقدية، إلى جانب تنظيم عمليات جمع التبرعات وتحديد الجهات المسموح لها بجمع الأموال والحسابات التي تمر من خلالها.
لكن ملا يوسف يقول إن “منابع التمويل لم ولن تجف”، مشيرا إلى أن الجماعات تغير طرقها مع تشديد الرقابة على الوسائل التقليدية.
ومن بين الوسائل التي يشير إليها استخدام الذهب والأحجار الكريمة، أو شراء السلع والبضائع في مكان وبيعها في مكان آخر للحصول على السيولة، وهو ما يعتبر أنه يفرض تعاونا أكبر بين دول المنطقة بدلا من اقتصار المواجهة على الإجراءات الوطنية.
هل جفت المنابع؟
خلال السنوات الماضية، اتجهت دول الخليج إلى بناء منظومات أكثر تشددا لمكافحة تمويل الإرهاب.
وفي السعودية، عززت السلطات إطارها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فقد أشارت مجموعة العمل المالي “فاتف” في تقرير متابعة صدر عام 2020 إلى أن المملكة اتخذت عددا من الإجراءات لمعالجة أوجه قصور رصدها تقييم 2018، وأعادت تصنيف عدد من التوصيات بعد إحراز تقدم في الالتزام بالمعايير.
وفي قطر، قالت “فاتف” في تقييمها لعام 2023 إن البلاد أجرت “تحسينات جوهرية” في منظومتها لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإن مستوى امتثالها الفني لمتطلبات المجموعة أصبح قويا، مع استمرار الحاجة إلى تطوير جوانب تتعلق بالاستجابة القضائية لتمويل الإرهاب.
وفي الكويت، خضعت منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب بدورها لتعديلات. وأشار تقرير متابعة صادر عن “فاتف” ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في يونيو 2026 إلى تقدم البلاد في معالجة عدد من أوجه القصور الفنية التي رصدها تقييم عام 2024.
وعلى المستوى الخليجي المشترك، تشارك الدول الست إلى جانب الولايات المتحدة في “مركز استهداف تمويل الإرهاب”، الذي تأسس عام 2017، ونفذت من خلاله إجراءات مشتركة استهدفت شبكات وأفرادا مرتبطين بتمويل تنظيمات متطرفة.
“عدم نجاح أي حركة إرهابية خلال السنوات العشرين الماضية يشير إلى استعداد متزايد لدى القوى الإقليمية، بدعم من الولايات المتحدة وأحيانا الدول الأوروبية، للتحرك بحزم ضد أي مؤشر على تجدد النشاط الإرهابي”، يقول جيفري.
كذلك شهدت بعض دول الخليج خلال السنوات الماضية تغييرات في التعليم والخطاب الديني، بالتوازي مع برامج لإعادة تأهيل الأشخاص المتأثرين بالأفكار المتطرف.
في السعودية، خلصت مراجعة شملت 371 كتابا مدرسيا صدرت بين عامي 2019 و2024 إلى حدوث تغييرات شملت إزالة أو تعديل مواد اعتبرت مشجعة على الجهاد العنيف، إلى جانب تعديلات مرتبطة بصورة المختلف دينيا ومذهبيا.
ويرى الكاتب والباحث السعودي، وحيد الغامدي، صاحب كتاب “حكاية التدين السعودي”، أن التحول أوسع من تعديل المناهج، ويشمل الخطاب الديني والمجتمع نفسه.
ويقول إن الجماعات فقدت جزءا كبيرا من بنيتها التنظيمية وقياداتها، وإن إعادة بناء شبكات قادرة على العمل بالطريقة نفسها التي عرفتها مراحل سابقة أصبحت أكثر صعوبة.
لكن الكاتب والباحث في شؤون الحركات الإسلامية، ماهر فرغلي، يتوقف عند جانب آخر من المواجهة، يتعلق بالأشخاص الذين سبق أن انخرطوا في جماعات متطرفة أو تأثروا بأفكارها.
ويقدر فرغلي نسبة نجاح برامج إعادة التأهيل بنحو 50 في المئة، ويرى أن المشكلة تكمن في أن بعض البرامج ركزت على فك ارتباط الفرد بالتنظيم أكثر من تركيزها على الأفكار التي قادته إليه.
وبالنسبة إليه، تحتاج إعادة التأهيل إلى أكثر من مرحلة، تبدأ بفك الارتباط التنظيمي، ثم التعامل مع الأفكار المتطرفة، وصولا إلى إعادة دمج الفرد في المجتمع ومنحه دورا يساعده على عدم العودة إلى البيئة السابقة.