في صباح 11 سبتمبر 2001، صعدت لورا روكفلر إلى الطابق 106 من البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي لأداء مهمة عمل مؤقتة.
كانت روكفلر، البالغة 41 عاما، ممثلة مسرحية ومغنية، تجمع بين العمل الفني ووظائف مؤقتة تساعدها على تغطية نفقات حياتها في مانهاتن.
في ذلك اليوم، كان من المفترض أن تبدأ عملا يستمر يومين للمساعدة في تنظيم مؤتمر داخل مجمع “ويندوز أون ذا وورلد”، الذي كان يضم مطاعم وقاعات للفعاليات في أعلى البرج الشمالي.
لم تكن موظفة دائمة هناك، ولم يكن ذلك سوى عمل مؤقت من نوع الأعمال التي اعتادت القيام بها بين مشروع وآخر.
لكنه كان المكان الذي قضت فيه ساعاتها الأخيرة.
في المكان ذاته، كان ويليام “بيل” هيل كيلي جونيور يحضر المؤتمر الذي كانت تنظمه لورا. وكان بيل، الذي كان في الثلاثين من عمره، زائرا هو الآخر، وليس موظفا في مركز التجارة العالمي.
جمعت الصدفة بيل ولورا في البرج الشمالي ذلك الصباح، ثم جمعت بعد سنوات شقيقتيهما، كولين كيلي وتيري روكفلر، لكن في ظروف مختلفة تماما. فقد عملتا معا ضمن منظمة تسعى إلى تعزيز السلام والحوار.
كان بيل قد بدأ قبل عام فقط من 11 سبتمبر فصلا جديدا من حياته في نيويورك، بعد انضمامه إلى شركة “بلومبرغ إل بي” في وظيفة مبيعات. وتتذكره عائلته شخصية محبة للحياة، قريبة من الناس، وكان يحب البحر وركوب الأمواج.
ثم في لحظة واحدة، انتهى كل شيء.
بعد ربع قرن، لا تزال عائلتا بيل ولورا تستعيدان أحداث ذلك اليوم، وتتساءلان عن الحياة التي كان يمكن أن يعيشها كل من بيل ولورا، وعن الخطط والأحلام التي توقفت في 11 سبتمبر.
وتقول كولين كيلي، شقيقة بيل، وهي ممرضة وناشطة من أجل السلام تقيم في نيويورك، لـ”الحرة”، إن الأسرة لم تكن تعلم أنه موجود في مانهاتن قرب مركز التجارة العالمي صباح ذلك اليوم.
بعد الهجمات، اتصل بها أفراد من العائلة يسألون عن بيل، فطمأنتهم بأنه على الأرجح بخير. لم تكن تتوقع أن يكون في مركز التجارة العالمي، إذ كان مكتب شركته في نيويورك بعيدا نسبيا عن البرجين.
لكنها علمت لاحقا أنه كان هناك لحضور مؤتمر ممثلا لشركته. بدأت العائلة الاتصالات بحثا عنه، في وقت كان فيه التواصل مع أي شخص في نيويورك بالغ الصعوبة.
تقول كولين: “كانت صدمة حقيقية. كان الأمر مروعا، وأصعب لحظة في حياتي”.
وتضيف: “أتساءل كيف كانت ستكون حياته، ومن كان سيصبح، وماذا كان سيفعل، وما الذي كان سيفكر فيه تجاه كل ما يحدث الآن. وفوق كل ذلك، آمل ألا يكون قد عانى”.
أما لورا، فكان أصدقاؤها يعرفونها بشخصيتها الودودة وشغفها بالمسرح. أحبت التمثيل والغناء والإخراج، وكانت تبحث باستمرار عن فرصة للمشاركة في عروض مسرحية في نيويورك. وبين مشروع وآخر، كانت تعمل في وظائف مؤقتة تساعدها على دفع إيجار شقتها.
واحدة من هذه الوظائف كانت تنظيم الفعاليات. وكانت آخرها فعالية المؤتمر ذاته الذي حضره بيل، لكنها لم تعرفه شخصيا.

في صباح 11 سبتمبر، غادرت لورا شقتها في “أبر ويست سايد” بمانهاتن نحو السادسة والنصف صباحا، متوجهة إلى البرج الشمالي. كانت تعمل بصفة مؤقتة مع شركة “ريسك ووترز”، وهي شركة مقرها لندن تنظم مؤتمرات للمديرين الماليين، وكان من المقرر أن تساعد في تنظيم مؤتمر هناك، بحسب شقيقتها تيري التي تحدثت لـ”الحرة”.
وكما حدث مع عائلة بيل، لم تكن تيري تعرف أن شقيقتها موجودة في مركز التجارة العالمي ذلك الصباح. بعد سماعها نبأ الهجمات، اتصلت بها للاطمئنان عليها، كما فعل كثيرون في نيويورك ذلك اليوم.
لم تجب لورا. في البداية، لم يثر ذلك مخاوف تيري، ظنت أن شقيقتها ربما خرجت للتنزه مع كلبها.
عاودت تيري الاتصال بشقيقتها مرارا. وفي وقت لاحق، تواصل معها صديق مشترك ليخبرها بأن لورا كانت في مركز التجارة العالمي ذلك الصباح.
ثم أكد لها عامل المصعد في المبنى الذي تسكن فيه لورا أنها غادرت شقتها نحو السادسة والنصف صباحا، ما عزز اعتقادها بأنها توجهت مبكرا إلى “ويندوز أون ذا وورلد”.
ومع نهاية يوم 11 سبتمبر، لم يكن لدى تيري تأكيد رسمي بأن شقيقتها قُتلت. لكنها كانت قد بدأت تدرك ما حدث، وأبلغت والديها بأنها لا تعتقد أن لورا نجت.
تقول تيري: “كان يوما مشحونا بالقلق لعدم ورود أي أخبار. وكان من المروع أن أشرح الأمر لوالديّ، اللذين كانا متقدمين جدا في السن”.
وتتذكر موقفا من الأيام التي تلت الهجمات، حين استقلت سيارة أجرة إلى مركز خُصص لدعم أسر الضحايا، فرفض السائق أن يتقاضى منها الأجرة. وتقول إن مثل هذه المواقف كانت شائعة في تلك الأيام.
لكن بالنسبة إلى تيري، ظلت خسارة شقيقتها حاضرة بعد مرور السنوات.
كانت لورا تحلم بأن تشق طريقها للنجاح في المسرح والغناء. وتقول شقيقتها: “كانت تعشق المسرح. وكانت تحب نيويورك لأنها كانت مليئة بالأوساط الثقافية التي أرادت أن تكون جزءا منها”.
وبعد 25 عاما، لا تزال قصة بيل ولورا مرتبطة بقضية لم تصل بعد إلى نهايتها، وهي محاكمة المتهمين بالتخطيط لهجمات 11 سبتمبر التي أودت بحياتهما وحياة آلاف آخرين.
فعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين، لا تزال الإجراءات القضائية مستمرة، وسط تعقيدات قانونية تتعلق بالأدلة وظروف احتجاز المتهمين وطريقة محاكمتهم في غوانتانامو.
وبالنسبة إلى عائلتي لورا وبيل، لا تتعلق القضية بالانتقام بقدر ما تتعلق بمعرفة الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين، والوصول إلى حكم قضائي يحقق قدرا من العدالة بعد سنوات طويلة من الانتظار.
ودخلت القضية في تعقيدات قانونية استمرت سنوات، أمضى خلالها أطرافها وقتا طويلا في التفاوض على اتفاقات لتسوية القضية. وبعد التوصل إلى اتفاق كان سيجنب بعض المتهمين عقوبة الإعدام، أُلغي لاحقا.
وفي نهاية المطاف، حُدد يونيو 2028 موعدا لبدء محاكمة أربعة متهمين، بينهم خالد شيخ محمد، المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر.
تقول كولين: “منذ 14 عاما ونحن عالقون في دوامة جلسات ما قبل المحاكمة. كان من المؤلم للغاية متابعة ما يجري طوال هذه السنوات. كنت أتوقع أن تتحقق العدالة بوتيرة أسرع بكثير، وأن تتم محاسبة المسؤولين عن مقتل أخي”.
وتضيف أن قضايا إرهابية أخرى شهدها العالم خلال السنوات الماضية انتهت بمحاكمات وأحكام، بينما لا تزال قضية هجمات 11 سبتمبر من دون حسم. وتقول: “لم نصل إلى نهاية للقضية كما حدث مع آخرين”.
وترى كولين أن الأدلة لم تُعرض حتى الآن بالشكل الكافي.
وتقول كولين إن هناك أسئلة أساسية بشأن التخطيط للهجمات لا تزال، في نظرها، بلا إجابات واضحة: “من خطط لها؟ وكيف؟ ومن أرسل الأموال؟ ومن اشترى التذاكر؟ ومن كان متورطا؟ ومن كان يعلم ماذا، ومتى عرف ذلك؟”
ومن أكثر المحطات إثارة للجدل في القضية اتفاق كان سيجنب بعض المتهمين عقوبة الإعدام، وأثار انقساما حادا بين عائلات الضحايا.
وبالنسبة إلى تيري، كان الاتفاق سيضمن على الأقل إقرار المتهمين بالذنب وصدور أحكام نهائية بحقهم، بدلا من استمرار القضية من دون حسم. وتقول إن ذلك كان مهما أيضا لأن المتهمين سيظلون، من الناحية القانونية، أبرياء ما لم تصدر بحقهم أحكام بالإدانة.
ومن بين القضايا التي عقدت مسار المحاكمة أيضا، بحسب محامين تحدثوا سابقا إلى “الحرة”، قرار إبقاء القضية ضمن نظام اللجان العسكرية.
ورغم أن اللجوء إلى القضاء العسكري كان يهدف إلى تسريع القضية، برزت عقبة أخرى، فالقضاة والمدعون العامون ومعظم محامي الدفاع عسكريون في الخدمة الفعلية.
ومع انتقالهم إلى مهام جديدة كل عامين أو ثلاثة أعوام، كان على من يخلفهم أن يقضي وقتا طويلا في الإلمام بتفاصيل القضية.
تقول كولين إن وجود المتهمين في غوانتانامو زاد الأمور تعقيدا، إذ يجتمع القاضي والطاقم القضائي وأفراد العائلات وممثلو وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية ومحامو الدفاع والادعاء جميعا على متن طائرة واحدة، ليُنقلوا جوا إلى غوانتانامو لمدة أسبوع لحضور الجلسات ثم يعودون.
هذا الأمر بالنسبة لها تسبب في “هدر للموارد” فضلا عن التعقيدات اللوجستية.
وبعد سنوات من جلسات ما قبل المحاكمة، تقول تيري إنها كانت تفضل أن تُنظر القضية أمام محكمة فيدرالية، كما حدث في قضايا إرهاب أخرى. وترى أن نظام اللجان العسكرية أطال أمد القضية ولم يتح للعائلات الاطلاع على ما يكفي من الأدلة والمعلومات.
وترفض تيري الحديث عن شعور بالراحة أو طي الصفحة، قائلة إن فقدان لورا ليس أمرا يمكن تجاوزه.
وتقول إن الكلمات الأقرب لما تبحث عنه هي “العدالة” و”الحسم” و”اليقين”، إذا انتهت القضية بحكم نهائي.
لكن حتى مع تحديد موعد للمحاكمة، لا تزال غير واثقة من أنها ستبدأ في موعدها، أو من المدة التي قد تستغرقها الإجراءات قبل الوصول إلى نهاية القضية.
ومع مرور السنوات، تبنت كولين وتيري، إلى جانب عدد من عائلات ضحايا 11 سبتمبر، موقفا مفاده أن تحقيق العدالة لا ينبغي أن يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا، وأن ملاحقة المسؤولين عن الهجمات لا تبرر إيذاء آخرين.
وفي الأشهر التي تلت الهجمات، انضمتا إلى عائلات أخرى للعمل من أجل الدعوة إلى رد سلمي، وأسهمتا عام 2002 في تأسيس منظمة “عائلات 11 سبتمبر من أجل غد سلمي” (September 11th Families for Peaceful Tomorrows).
وفي يناير 2003، سافرت كولين إلى العراق ضمن وفد التقى بمدنيين عراقيين واستمع إلى آرائهم قبل أسابيع من بدء الحرب.
في ذلك الوقت، كانت السياسة الأمنية الأميركية قد دخلت مرحلة جديدة بعد هجمات 11 سبتمبر، مع توسع “الحرب على الإرهاب” واستعداد واشنطن لغزو العراق، في مسار أثر بشكل كبير على المنطقة.
وعملت تيري من خلال المنظمة على “إقامة علاقات تتسم بمزيد من التعاطف والرحمة، وتفضي إلى مستقبل أفضل من ذلك الذي يجلبه السعي وراء الانتقام”.
وفي العراق، عملت مع نشطاء في مجال حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وقادة النقابات العمالية، الذين قدموا لها تصوراتهم الخاصة عن كيفية تطوير بلادهم.
وفي آخر زيارة إلى بغداد في عام 2021، لاحظت تيري ظهور بعض جيوب الثراء والتطور، لكنها رأت أيضا أشخاصا يعيشون في مبان سكنية “تفتقر حتى إلى الجدران، وهو وضعٌ مأساوي لا يمكن تبريره بأي حال”.
وترى تيري أن عملها في العراق لم يكن منفصلا عن قضية فقدانها شقيقتها لورا، وعن الطريقة التي اختارت التعامل بها مع ما حدث في 11 سبتمبر، وهي البحث عن العدالة من دون أن يتحول الألم إلى مبرر لمزيد من الضحايا.
هي وكولين لا تتحدثان عن تجاوز ما حدث. فبعد 25 عاما، لا تزالان تتساءلان عن الحياة التي كان يمكن أن يعيشها بيل ولورا، والفرص التي كان يمكن أن تتاح لهما.