قالت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن حكومة سوريا الجديدة فعلت ما يكفي في ملفات داعش وإيران وحزب الله لتبرير إنهاء تصنيف البلاد دولةً راعية للإرهاب. وفي الوقت نفسه تحاول واشنطن إقناع دمشق بتطبيع العلاقات مع إسرائيل والابتعاد أكثر عن نفوذ موسكو.
وأزالت واشنطن سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يوم الاثنين، لتلغي بذلك أحد آخر القيود الأميركية المفروضة على حكومة الرئيس أحمد الشرع، التي وصلت إلى السلطة بعد الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر 2024.
وبعد أقل من 48 ساعة من القرار الأميركي، تحدث الشرع هاتفيًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن تعزيز العلاقات ومستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا. ثم عادت القوات الإسرائيلية إلى شن غارات داخل سوريا، رغم المحادثات الجارية بوساطة أميركية والهادفة إلى التوصل إلى اتفاق أمني.
ويجسد هذا التزامن رهان واشنطن: مكافأة الحكومة السورية الجديدة قبل اكتمال تغيير توجهاتها، ثم استخدام الضغط الموجّه لجذب دمشق أكثر نحو الخطط الأميركية للمنطقة.
وتعتمد هذه الاستراتيجية بصورة متزايدة على الثقة بالشرع – القائد السابق في تنظيم القاعدة، الذي وصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه “شاب جذاب” و”يحظى باحترام الجميع” – للوفاء بوعوده.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية لـ “الحرة”: “إن حكومة الشرع أُزيلت هذا الأسبوع من القائمة الأميركية السوداء للإرهاب” بعدما قدمت “تأكيدات مكتوبة” بأنها لن تدعم الإرهاب الدولي.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو، في سياق مماثل، الاثنين، إن رفع سوريا من التصنيف جاء اعترافًا ليس فقط بـ”الإجراءات الإيجابية” التي اتخذتها دمشق حتى الآن، بل أيضًا بـ”التزاماتها الإضافية”.
ورفض المتحدث باسم وزارة الخارجية، لدى سؤاله عما لا تزال واشنطن تنتظر من دمشق تنفيذه، تحديد أي التزامات بعينها قدمتها سوريا.
وقال المتحدث لـ “الحرة”: “أوضح ترامب أنه يتوقع أن يعقب تخفيف القيود تحرك سريع من جانب الحكومة السورية بشأن أولويات سياسية مهمة”، مضيفًا أن واشنطن “تحتفظ بخيارات عدة، بما فيها صلاحيات فرض العقوبات”، إذا تراجعت دمشق عن مسارها.
وأشار المتحدث إلى أن حكومة الشرع اتخذت بالفعل خطوات ملموسة في مكافحة الإرهاب، من بينها حل هيئة تحرير الشام عام 2025 والانضمام إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش. كما نسب إلى الشرع الفضل في إنهاء تعاون سوريا في عهد الأسد مع إيران وحزب الله، وهو تنظيم صنفته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إرهابيًا.
ويُعد هذا التحول لافتًا بالنظر إلى تاريخ سوريا ورئيسها الجديد.
وكانت سوريا إحدى الدول الأصلية التي أُدرجت على قائمة الإرهاب الأميركية عام 1979، حين كانت حكومة حافظ الأسد تستضيف جماعات فلسطينية مسلحة معارضة لإسرائيل. وأبقى ابنه بشار على تحالف دمشق مع إيران وحزب الله، وأصبحت حكومته تعتمد على موسكو بصورة متزايدة خلال الحرب الأهلية التي دارت بين عامي 2011 و2024.
وسبق للشرع نفسه أن قاد الفرع السوري لتنظيم القاعدة قبل أن ينفصل عن التنظيم عام 2016. وظلت الولايات المتحدة تصنفه إرهابيًا حتى نوفمبر الماضي، أي بعد قرابة عام على توليه الرئاسة.
وبعد 3 أيام من رفع التصنيف عنه، التقى ترامب في البيت الأبيض، في أول زيارة من نوعها لرئيس سوري.
وسرعان ما كافأت الولايات المتحدة تحوله.
بدأ ترامب رفع العقوبات الأميركية المفروضة على سوريا في مايو 2025، وأنهى رسميًا برنامج العقوبات الرئيسي المفروض على البلاد بعد شهرين. ثم خُففت قيود التصدير في سبتمبر، وألغى الكونغرس قانون قيصر في ديسمبر.
لكن حتى بعد هذه التغييرات، ظل تصنيف سوريا المرتبط بالإرهاب يثني المصارف وشركات الطاقة وغيرها من الشركات الأميركية عن دخول السوق السورية. وأدى رفعه هذا الأسبوع إلى إزالة واحدة من آخر العقبات القانونية والتنظيمية الكبرى أمام استثمارات الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرًا لها.
ورأى مؤيدو تطبيع العلاقات مع سوريا في الكونغرس أن استمرار عزلها كان قد بدأ يعمل ضد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط.
وفي رسالة مشتركة بين الحزبين في يوليو، كتب عضوا مجلس الشيوخ الديمقراطيان جين شاهين وإليزابيث وارن، والنائب الجمهوري جو ويلسون، أن تصنيف الحكومة السورية دولةً راعية للإرهاب كان يردع الشركات الغربية عن العمل هناك، بينما ظلت روسيا وإيران والصين قادرة على التنافس على النفوذ.
وحثوا البيت الأبيض بدلًا من ذلك على مواصلة الضغط على دمشق لتقليص الوجود العسكري الروسي، وإبعاد المقاتلين الأجانب عن المناصب القيادية، وتصنيف حزب الله رسميًا تنظيمًا إرهابيًا، ودمج شمال شرق سوريا وجنوبها بصورة سلمية، وهي عملية بدأتها الحكومة منذ ذلك الحين.
كما قالوا: “إن إزالة تصنيف الدولة الراعية للإرهاب لا تعني تراجع أولوية هذه الخطوات”، معتبرين أن هذا التصنيف “يقوض مصالح الأمن القومي الأميركي”.
وتُعد روسيا أوضح مثال على النفوذ الذي تأمل واشنطن في الحد منه.
وأمضت موسكو سنوات تستخدم القوة العسكرية لإبقاء الأسد في السلطة. وبعد انهيار نظامه، فر الرئيس المخلوع مباشرة إلى موسكو، حيث يقيم الآن.
ومنذ ذلك الحين، قلّص الشرع الامتيازات التي كانت تتمتع بها روسيا من دون قطع العلاقات معها بالكامل. ومنح اتفاق أُبرم هذا الشهر سوريا سيطرة أكبر على الأجزاء المدنية من قاعدة حميميم الجوية وميناء طرطوس اللذين تشغلهما روسيا، مع الإبقاء رغم ذلك على الوجود العسكري الروسي من خلال منشآت تدريب مشتركة.
ومع ذلك، ثمة مؤشرات على أن الاستراتيجية الأميركية بدأت بالفعل تغيّر ميزان القوى في سوريا؛ فخلال المفاوضات التي أفضت إلى رفع سوريا من قائمة الدولة الراعية للإرهاب هذا الأسبوع، أفادت تقارير بأن دمشق وافقت على خفض وارداتها من النفط الروسي بصورة حادة.
أما إسرائيل، فهي الحلقة الأكثر صعوبة في خطط واشنطن.
وحث ترامب الشرع، خلال أول لقاء بينهما في مايو 2025، على التحرك نحو الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. ومنذ ذلك الحين، حاول مسؤولون أميركيون تحويل انفصال سوريا عن إيران إلى علاقات أوثق مع إسرائيل.
لكن هذه الجهود لم تؤتِ ثمارها بعد. فقد استمرت الغارات والتوغلات الإسرائيلية الواسعة في سوريا، بما في ذلك هجوم قرب الحدود التركية الأسبوع الماضي أدى إلى تصاعد التوتر مع أنقرة، وهي من أقرب شركاء الشرع الإقليميين.
والتقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مسؤولين إسرائيليين في الأردن يوم الأحد لإجراء مزيد من المحادثات بقيادة الولايات المتحدة. لكن دمشق تقول إن أي اتفاق أمني مع إسرائيل يجب أن ينهي الهجمات ويعيد الأراضي التي استولى عليها الجيش الإسرائيلي بعد سقوط الأسد.
وبالنسبة إلى واشنطن، سيكون مثل هذا الاتفاق أوضح مؤشر حتى الآن على نجاح رهانها على الشرع، من خلال إبعاد سوريا أكثر عن المحور الروسي-الإيراني الذي ساد في عهد الأسد، وإدخالها في النظام الإقليمي الذي تحاول الولايات المتحدة بناءه.