عادت المواجهات إلى محافظة السويداء جنوبي سوريا خلال الأيام القليلة الماضية، في أول تصعيد واسع منذ أشهر بين القوات الحكومية ومقاتلين دروز يسيطرون على معظم المحافظة، وسط خلاف مستمر بشأن حدود سلطة دمشق والترتيبات الأمنية والإدارية في المنطقة.
وشهدت الأطراف الغربية للسويداء اشتباكات بين القوات الحكومية و”الحرس الوطني”، وهو تحالف لفصائل محلية تشكل بعد أحداث يوليو 2025، ويرتبط بالشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الروحية الدرزية. وتبادل الطرفان الاتهامات بشأن الجهة التي بدأت إطلاق النار، فيما تداخل التصعيد العسكري هذه المرة مع خلاف بشأن وصول طلاب المحافظة إلى مراكز امتحانات أقامتها الحكومة في مناطق خاضعة لسيطرتها.
وتكشف المواجهات أن الخلاف الذي انفجر بعنف في الصيف الماضي لا يزال من دون تسوية. فالحكومة السورية تسعى إلى إعادة مؤسسات الدولة وقواتها إلى محافظة بقي معظمها خارج سيطرتها، بينما تتمسك قوى درزية نافذة بترتيبات أمنية وإدارية محلية، وسط انقسامات داخل المجتمع الدرزي نفسه بشأن شكل العلاقة مع دمشق.
وقال قتيبة عزام، مدير العلاقات الإعلامية في مديرية إعلام السويداء التابعة لدمشق، في تصريح لـ”الحرة”، إن التصعيد الأخير بدأ عندما استهدفت ما وصفها بـ”المجموعات الخارجة عن القانون” نقاطا تابعة لقوى الأمن الداخلي غربي المحافظة بقذائف الهاون والرشاشات الثقيلة.
وبحسب عزام، ردت قوى الأمن الداخلي على مصادر النيران، قبل أن تتوسع الاشتباكات، ما أدى إلى إصابة عشرة أشخاص من عناصر الأمن والمدنيين، فضلا عن تضرر شبكة الكهرباء وانقطاع التيار عن أجزاء واسعة من مدينة السويداء وريفها الشمالي.
ولم تتمكن “الحرة” من التحقق بصورة مستقلة من الجهة التي بدأت إطلاق النار أو من حصيلة الإصابات.
وربط عزام التصعيد بانطلاق الدورة الامتحانية الاستثنائية لطلاب السويداء، قائلا إن التوتر بدأ بصورة محدودة قبل موعد الامتحانات، ثم امتد إلى مداخل المدينة بالتزامن مع محاولات طلاب الوصول إلى المراكز المحددة في الريف الشمالي.
وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد أصدر في 19 أغسطس مرسوما بإجراء دورة امتحانية استثنائية لطلاب السويداء الذين لم يستكملوا امتحاناتهم خلال الدورة الأساسية. وحددت وزارة التربية مراكز لهذه الامتحانات في مناطق من الريف الشمالي تخضع لسيطرة الحكومة، وهو ترتيب أثار خلافا داخل المحافظة بشأن أمن الطريق إلى تلك المراكز ومكان إجرائها.
وقالت السلطات السورية إن مجموعات مسلحة منعت حافلات تقل الطلاب من مغادرة مناطق سيطرة “الحرس الوطني”.
واتهم محافظ السويداء مصطفى البكور، المعين من دمشق، أن ما وصفها بـ”المجموعات الخارجة عن القانون” تمنع الطلاب من الوصول إلى مراكزهم الامتحانية.
واتهم عزام مسلحين بمنع الحافلات من العبور، والاعتداء على بعض الطلاب ووفد تابع لمديرية التربية، وإطلاق النار في الهواء وتكسير عدد من الحافلات، ما دفع بعض الطلاب إلى محاولة اجتياز الطريق سيرا على الأقدام.
في المقابل، نفى طلال عامر، المتحدث باسم “قوات الحرس الوطني”، أن تكون قواته قد بدأت التصعيد.
وقال عامر لـ”الحرة” إن القوات الحكومية خرقت التهدئة بعدما أطلق قناص النار على نقطة تابعة لـ”الحرس الوطني”، قبل أن تستخدم القوات الحكومية الرشاشات وقذائف الهاون باتجاه مناطق سكنية.
وأضاف أن القصف أدى إلى مقتل رجل وامرأة وإصابة طفل يبلغ من العمر 14 عاما، وأن مقاتلي “الحرس الوطني” ردوا على مصادر إطلاق النار بهدف “حماية المقاتلين والأهالي وإسكات مصادر النيران”.
ولم يتسن لـ”الحرة” التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة.
وجاءت الاشتباكات بعد أكثر من عام على أعنف مواجهة شهدتها السويداء منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وهي مواجهة عمقت الانقسام بين دمشق وقطاعات واسعة من المجتمع الدرزي.
بدأت أحداث يوليو 2025 باشتباكات بين مسلحين دروز ومقاتلين من عشائر بدوية، قبل أن ترسل الحكومة قوات من وزارتي الدفاع والداخلية إلى المحافظة. وسرعان ما تحولت المواجهات إلى جولات من العنف شاركت فيها القوات الحكومية وفصائل درزية ومقاتلون عشائريون، وتخللتها عمليات قتل ونهب وتهجير.
وخلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في تقرير صدر في مارس الماضي، إلى أن أكثر من 1700 شخص قتلوا ونحو 200 ألف نزحوا خلال أحداث يوليو. وقالت إن الانتهاكات ارتكبتها أطراف متعددة، وقد يرقى بعضها إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
ووثقت اللجنة، في المرحلة الأولى من المواجهات، عمليات قتل وتعذيب ونهب ارتكبتها قوات حكومية رافقها مقاتلون عشائريون بحق مدنيين دروز بين 14 و16 يوليو. وبعد انسحاب القوات الحكومية، قالت اللجنة إن جماعات درزية هاجمت مدنيين بدوا وارتكبت أعمال قتل وتهجير ونهب. وأعقب ذلك هجوم جديد شنّه مقاتلون عشائريون على قرى درزية، وشمل عمليات قتل وحرق ونهب واسعة.
وتدخلت إسرائيل خلال تلك الأحداث بضربات جوية استهدفت قوات حكومية في السويداء، ثم مواقع عسكرية ومباني رسمية في دمشق، قائلة إنها تتحرك لحماية الدروز ومنع انتشار القوات السورية في الجنوب. وأدان الأمين العام للأمم المتحدة الضربات الإسرائيلية، فيما ساهمت وساطة أميركية وإقليمية في التوصل إلى وقف لإطلاق النار وانسحاب القوات الحكومية من أجزاء واسعة من المحافظة.
وبعد أسابيع من تلك الأحداث، أعلنت عشرات الفصائل المحلية تشكيل “الحرس الوطني” تحت مظلة الشيخ حكمت الهجري. لكن التشكيل لم يحظ منذ البداية بإجماع جميع القوى الدرزية في المحافظة.
ومنذ ذلك الحين، بقيت مدينة السويداء ومعظم قرى المحافظة تحت نفوذ القوى المحلية، فيما تحتفظ الحكومة بوجود في أجزاء من الريف وعلى أطراف المحافظة. وأصبحت خطوط التماس بين الطرفين جزءا من واقع أمني قلق لم يتحول إلى اتفاق دائم بشأن إدارة المنطقة.
وفي التصعيد الأخير، ظهر ملف الامتحانات بوصفه نقطة خلاف إضافية بين الجانبين.
ففي حين يحمل المسؤولون الحكوميون مجموعات مسلحة مسؤولية منع الطلاب من الوصول إلى مراكزهم، يقول عامر إن “الحرس الوطني” مؤسسة عسكرية لا تتخذ القرارات المدنية والخدمية، وإن الإدارة المدنية في السويداء تركت للطلاب وذويهم حرية التوجه إلى الامتحانات.
وأقر عامر بوقوع حوادث اعتراض لبعض الحافلات، لكنه نسبها إلى “مجموعات أهلية وعدد من الطلاب” رفضوا التوجه إلى مراكز تقع خارج مدينة السويداء وفي مناطق يعتبرونها غير آمنة.
وأظهرت بيانات وزارة التربية أن نحو 150 طالبا فقط كانوا قد تمكنوا، حتى مطلع سبتمبر، من تقديم الامتحانات في المراكز التي أقامتها الحكومة في الريف الشمالي، في مؤشر إلى حجم التعطيل الذي أصاب العملية الامتحانية. وتقول دمشق إن بقية الطلاب منعوا من الوصول، وهي رواية يشكك في صحتها مسؤولون محليون في السويداء.